التعليق على صحيح الإمام مسلم



المجلس رقم: (91)



قراءة وشرح وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الزعفران- 22/ 8/ 1440هـ، الموافق: 28/ 4/ 2019م



كتاب رقم: (15): كتاب الرَّضاع



الباب رقم: (5): باب في المصة والمصّتين



هذا هو الباب الخامس من كتاب الرضاع باب في المصة والمصتين هل تنتشر الحرمة بهما؟ وأورد تحته الحديث:



(878) عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ رضي الله عنها قَالَتْ: (دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ في بَيْتِي)، فَقَالَ: (يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنِّي كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا أُخْرَى، فَزَعَمَتْ امْرَأَتِي الْأُولَى أَنَّهَا أَرْضَعَتْ امْرَأَتِي الْحُدْثَى رَضْعَةً أَوْ رَضْعَتَيْنِ؟!) فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ"). (م4/ 167)، (م) 18- (1451).



وفي رواية: "لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ، أَوِ الْمَصَّةُ أَوِ الْمَصَّتَانِ". (م) 20- (1451).



الشرح:



(عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ رضي الله عنها) وهي لُبابة بنتُ الحارث بنِ حزن الهلالية المدنية، زوجة العباسِ بنِ عبد المطلب، وأخت ميمونةَ زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنهما، وهي أوَّلُ امرأةٍ آمنت بعد خديجة رضي الله تعالى عنهما.



(قَالَتْ) أم الفضل: (دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ)، أي: شخصٌ من سكان البادية، لعلَّه من بني عامر بن صعصعة، دخل (عَلَى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ) صلى الله عليه وسلم (في بَيْتِي)، (فَقَالَ) الأعرابي: (يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنِّي كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ)، أي: زوجة (فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا)، أي: على الأولى امرأةً (أُخْرَى)، أي: زوجةً ثانية (فَزَعَمَتْ امْرَأَتِي الْأُولَى أَنَّهَا أَرْضَعَتْ امْرَأَتِي الْحُدْثَى) بضم الحاء المهملة وسكون الدال وفتح المثلثة، وهو مؤنث الأحدث، تفضيلُ حديث؛ ضدٌّ قديم، كالفضلى والأفضل؛ يريد الزوجةَ الثانية، أي: رضعتها (رَضْعَةً أَوْ رَضْعَتَيْنِ؟!) والرضعة التقام الثدي من المرأة، أو الضرع من ذوات الخف والظلف، والطُّبْي من ذوات الحوافر والسباع، ونحوها، وامتصاصُ اللبن حتى الرِّيِّ.



(فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم) مبينا حكمَ الرضاع الذي لا تنتشر به الحرمة فقال: ("لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ"). الإملاجة؛ مرَّةٌ من الإملاج؛ كالإكرامة مرّةٌ من الإكرام، والإملاجُ أن تُلقِمَ المرأةُ ثديَها في فمَ الصبي.



ويقال: مَلِج من باب سمِع التقم، والمرة منه مَلْجَةٌ، فالإملاج فعلُ المرضعة، والـمَلْجَة والـمَصّة والرَّضعة فعل الرضيع اهـ تكملة.



وفي رواية: ("لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ، أَوِ الْمَصَّةُ أَوِ الْمَصَّتَانِ")، الرضعة المرة الواحدة من رضَع الصبيُّ رَضْعًا وبابه ضرب، ومنع، ورضِع رضَعًا وبابه تعِب.



وقوله: ("لا تحرم الإملاجةُ والإملاجتان") المصُّ والرضْعُ والـمَلْجُ فعل الصبي، والإرضاع والإملاج فعلُ المرضِع، والإرضاعةُ والإملاجةُ المرة منهما، والتاء للوحدة.



وفي المصباح: مَلَجَ الصبي أمَّه مَلْجًا من باب قتل.



ومَلَج يَـمْلِج من باب تعب لغة، رضعها.



ويتعدى بالهمزة فيقال: أملجتْه أمُّه، والمرة من الثلاثي مَلْجة، ومن الرباعي إملاجة، مثل الإكرامة والإخراجة. اهـ (الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 73- 75).



الفوائد:



1- الفرق بين الـمَصَّة والرَّضْعة؛ أن الأولى مرة من المصِّ؛ وهو الرشف فقط، فلو شرب الصبيُّ قطْرةً يطلق عليه المصَّة، وأمّا الرضعة؛ فهي التي كانت مشبعة، وربما تشتمل على مصَّات كثيرةٍ، فكل رضْعَةٍ مصَّةٌ ولا عكس،... بتصرف من (الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم) (16/ 73- 75)



2- الرضعة الواحدة والاثنتان، والمصة والمصتان لا تنتشر بهما حرمة الرضاع.



الباب رقم: (6): باب في خمس رضعات



وفي هذا الباب بين المصنف رحمه الله أن الخمس رضعات هن المعتبرات في نشر حرمة الرضاع، وأورد تحته الحديث:



(879) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهي فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ). (م4/ 167)، (م) 24- (1452)



الشرح:



(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين (رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ) لفظة: ({عَشْرُ رَضَعَاتٍ}) مبتدأٌ لتخصُّصه بالإضافة ({مَعْلُومَاتٍ) صفة لرضعات، والخبر جملة قوله: ({يُحَرِّمْنَ})، أي: يُفِدْنَ حرمةَ الرضاع ({ثُمَّ نُسِخْنَ) هذه العشرةُ تلاوةً وحكمًا (بِـ {خَمْسٍ}) رضعات ({مَعْلُومَاتٍ}) نسخت تلاوتها وبقي حكمها.



({فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُنَّ)، أي: تلك الخمس (فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ)؛ لتأخر نزولها جدًّا، وعدمِ اشتهارِ نسخها تلاوةً.



فالعشرُ منسوخةٌ تلاوةً وحكمًا.



والخمسُ منسوخةٌ تلاوةً محكمةٌ حكمًا؛ معناه أنّ النسخَ بخمسِ رَضَعَاتٍ تأخَّر إنزاله جدًّا حتى إنه صلى الله عليه وسلم تُوفي؛ وبعضُ الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنًا متلوًّا؛ لكونه لم يبلغْه النسخُ تلاوةً؛ لقربِ عهده، فلمّا بلغهم النسخُ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يُتلَى. بتصرف من الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 78، 79) شرح النووي على مسلم (ج5/ ص183)



وفي رواية (ت) (1150): (فَتُوُفِّيَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ بِذَلِكَ).



الفوائد:



1- قولها: (معلومات) [لأجل هذه اللفظة يُشترط عند الشافعيِّ وأحمدَ أن تكون الرضعاتُ الخمسُ في أوقاتٍ متفرقة كل واحدة منها مشبعة.



قال الشيرازيُّ في المهذب: ولا يثبت إلا بخمس رضعات متفرقات؛ لأن الشرع ورد بها مطلقًا، فحُمِل على العرف، والعرف في الرضعات أن يرتضع ثم يقطعه باختياره، من غير عارض، ثم يعود إليه بعد زمان، ثم يرتضع، ثم يقطعه، وعلى هذا إلى أن يستوفي العدد، كما أن العادة في الأكلات أن تكون متفرقة في أوقات.



فأمَّا إذا قطع الرضاع لضيقِ نَفَسٍ أو لشيءٍ يُلهيه، ثم رجع إليه، أو انتقل من ثدي إلى ثدي كان الجميع رضْعةً، كما أن الأكل إذا قطعه لضيق نفس أو شرب ماء، أو لانتقال من لون إلى لون كان الجميع أكْلةً، راجع المجموع شرح المهذب، ومثله في المغني لابن قدامة...اهـ. (الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 73- 75)بتصرف.



2- قال القرطبي: وصْفُها بذلك =أي: بمعلومات=؛ تحرُّزًا عمَّا شكَّ في وصوله إلى الحلق، كذا في أوجز المسالك.



وفسّرها عليٌّ القاريُّ بقوله: أي مشبعاتٌ في خمسةِ أوقاتٍ متفاصلةٍ عرفًا.



وعلى التفسير الأول قال الشافعي: إن شكَّت المرضعة هل أرضعته أم لا؟ أو هل أرضعته خمسَ رضعاتٍ أو أربع رضعات؟ لم يثبت التحريم، كما في المهذب وشرحه...



وقد استدل بهذا الحديث من قال: إنه لا يقتضي التحريم من الرضاع إلا خمس رضعات؛ وهو مذهب عائشةَ وابنِ مسعود، وعبدِ الله بنِ الزبير، وعطاءٍ وطاوسَ، وسعيدِ بنِ جبير، وعروةَ بنِ الزبير، والليثِ بنِ سعد، والشافعيِّ وأصحابه، وقال به ابن حزم: عن أحمد.



وذهب أحمد في رواية، وإسحاقُ وأبو عبيد، وأبو ثور وابنُ المنذر، وداودُ وأتباعُه إلى أنّ الذي يُحرّم ثلاثُ رضعات.



وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ والثوريُّ والأوزاعيُّ والليثُ: إنَّ القليلَ والكثيرَ من الرضاع سواء في التحريم، وهو المشهور عند أحمد، وتمسكوا بعموم قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ}، وبالعموم الوارد في الأخبار.



قال الحافظ: قُوِّيَ مذهبُ الجمهور؛ بأنَّ الأخبار اختلفت في العدد، وعائشةُ التي روت ذلك قد اختُلِف عليها، فيما يعتبر من ذلك. فوجب الرجوع إلى أقلِّ ما ينطلق عليه الاسم، وأيضًا فقول: (عشر رضعات معلومات ثم نُسخن بخمس معلومات، فمات النبي صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ)، لا يُنتَهض للاحتجاج على الأصحّ من قولي الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روَى هذا على أنه قرآن لا خبر، فلم يثبت كونه قرآنًا، ولا ذكر الراوي أنه خبر؛ ليقبل قوله فيه، والله أعلم اهـ.



وقد بسط الكلامَ في هذه المسألة الشوكانيُّ في النيل فليراجع إليه، قال المنذري: وهذا الحديث حجَّةٌ للشافعي في اعتبار عدد الخمس في التحريم اهـ. بتصرف من الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 78، 79) شرح النووي على مسلم (ج5/ ص183).



3- النسخُ ثلاثةُ أنواع: أحدها: نسخُ الحكمِ والتلاوة؛ كعشر رضعات.



والثاني: نسخُ التلاوةِ دونَ الحكم؛ كخمس رضعات، وكقوله: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما...}.



والثالث: نسخُ الحكْمِ دون التلاوة، وهذا القسم هو الأكثر في القرآن، ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} الآية، قاله النووي... بتصرف من الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 78، 79).



3- [قَوْلِهَا: (وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ): أَنَّ التِّلَاوَةَ بَاقِيَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَالْمَعْنَى قِرَاءَةُ الْحُكْمِ،... أو الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: (تُوُفِّيَ)، قَارَبَ الْوَفَاةَ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ النَّسْخُ مَنْ اسْتَمَرَّ عَلَى التِّلَاوَةِ]. التلخيص الحبير ط العلمية (4/ 10)



4- وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (لَقَدْ نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ وَرَضَاعَةُ الْكَبِيرِ عَشْرًا، وَلَقَدْ كَانَ)، أَيْ: ذَلِكَ الْقُرْآن بَعْد أَنْ نُسِخَ تِلَاوَة مَكْتُوبًا. (فِي صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِ، فَلَمَّا مَاتَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ، دَخَلَ دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا"). (جة) (1944).



-الدَّاجن: هِيَ الشَّاة يَعْلِفهَا النَّاس فِي مَنَازِلهمْ، وَقَدْ يَقَع عَلَى غَيْر الشَّاة مِنْ كُلّ مَا يَألَف الْبُيُوت مِنْ الطَّيْر وَغَيْرهَا. ولَمْ تُرِدْ =عائشة رضي الله عنها= أَنَّهُ كَانَ مَقْرُوءًا بَعْد؛ إِذْ الْقَوْل بِهِ يُوجِب وُقُوع التَّغْيِير فِي الْقُرْآن، وَهُوَ خِلَاف النَّصّ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. حاشية السندي على ابن ماجه (4/ 194).-



5- روى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَرْسَلَتْ بِعَاصِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى أُخْتِهَا؛ فَاطِمَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تُرْضِعُهُ عَشْرَ رَضَعَاتٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهَا -وَهُوَ صَغِيرٌ يَرْضَعُ- فَفَعَلَتْ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا. (ط) (1261)، (الشافعي) (221)، (هق) (15418).



كان قبل النسخ بخمس رضعات معلومات.



هذا والله تعالى أعلم



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (7): باب في رضاعة الكبير.




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة