الدروس التربوية في الأيام الرمضانية



إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. (آل عمران: 102)



{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. (النساء: 1)



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}. (الأحزاب: 70، 71)



أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.



أعاذنا الله وإياكم وسائرَ المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين.



إن شهر رمضان فيه دروس وعبر، وفيه أمور تربوية؛ تربي النفوس على طاعة الله، وعلى الإحسان إلى خلق الله، وعلى الصبر وعلى المصابرة، وعلى التقوى والمراقبة، هذا هو رمضان، لذلك الإنسان قد يحيد عن طاعة الله في عُمُرِه، فجعل الله سبحانه وتعالى نفحات من رحمته، من تعرّض لها أصابته.



جعل في كل سنة شهرا مباركا نتعلم فيه ونأخذ الدروس، ونأخذ التربية لسنة كاملة، فقد ورد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِه، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ"). (طب) (720)، (هب) (1121)، انظر الصَّحِيحَة: (1890).



هذه الدروس التي نأخذها من رمضان، دروس تربوية، وأوَّل هذه الدروس التربوية؛ تقوى الله جل جلاله، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. (البقرة: 183)، وهذا ما دعا الله إليه جميعَ الناس؛ دعا إلى التقوى، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. (البقرة: 21)، وأمر به بهذا الأمر، أمر المؤمنين بالتقوى، فقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. (آل عمران: 102)، بل أمر بهذا الأمر، بالتقوى، خيرة خلقه صلى الله عليه وسلم فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}. (الأحزاب: 1).



[وَالتَّقْوَى =كما قال ابن القيم رحمه الله=... بِأَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ، وَيَتْرُكُ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَخَافُ عِقَابَ اللَّهِ]. مدارج السالكين لابن القيم (1/ 369).



[وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ =رحمه الله= إِلَى رَجُلٍ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا، وَلَا يَرْحَمُ إِلَّا أَهْلَهَا، وَلَا يُثِيبُ إِلَّا عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْوَاعِظِينَ بِهَا كَثِيرٌ، وَالْعَامِلِينَ بِهَا قَلِيلٌ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنَ الْمُتَّقِينَ]. جامع العلوم والحكم ت الأرناؤوط (1/ 406)، أبو نعيم في (الحلية) (5/ 267).



ومن أعجب ما روي في التقوى، بعض الناس ليس عنده ذنوب، لكن يشعر بأنه محمل بالذنوب، وهذه قصة رجل رويت عن أبي جعفر السائح، فقد [رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ السَّائِحِ قَالَ: (كَانَ حَبِيبٌ أَبُو مُحَمَّدٍ =وهو أحد الصالحين، وقد كان= تَاجِرًا يَكْرِي الدَّرَاهِمَ، =أي يعطي ويأخذ، وكأنها صرافة، وهذا أمر لا شيء فيه،= فَمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا هُوَ بِصِبْيَانٍ يَلْعَبُونَ)، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: (قَدْ جَاءَ آكِلُ الرِّبَا)، فَنَكَّسَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: (يَا رَبِّ! أَفْشَيْتَ سِرِّي إِلَى الصِّبْيَانِ؟!)، فَرَجَعَ فَجَمَعَ مَالَهُ كُلَّهُ، وَقَالَ: (يَا رَبِّ إِنِّي أَسِيرٌ، =مسجون= وَإِنِّي قَدِ اشْتَرَيْتُ نَفْسِي مِنْكَ بِهَذَا الْمَالِ فَأَعْتِقْنِي)، فَلَمَّا أَصْبَحَ تَصَدَّقَ بِالْمَالِ كُلِّهِ وَأَخَذَ فِي الْعِبَادَةِ، ثُمَّ مَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ بِأُولَئِكَ الصِّبْيَانِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: (اسْكُتُوا؛ فَقَدْ جَاءَ حَبِيبٌ الْعَابِدُ)، فَبَكَى وَقَالَ: (يَا رَبِّ أَنْتَ تَذُمُّ مَرَّةً، وَتَحْمَدُ مَرَّةً، وَكُلُّهُ مِنْ عِنْدِكَ]. جامع العلوم والحكم ت الأرناؤوط (1/ 411).



فالصوم يأتي بالتقوى ومنها تنشأ المراقبة، فجوارحك تراقبك، وشعورك وأحاسيسُك تراقب جوارحَك، وروحُك ووجدانك يراقبان الشعور والأحاسيس، وملِكُ الأعضاء يراقب الجميع، فتلك المضغة التي بحجم الكف؛ ("إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ"). (خ) (52)، (م) 107- (1599).



فأنت تراقب نفسك، لكنْ لا تنسَ أنّ هناك من يراقبك، فاعلم أنه {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وفوق هذا كلِّه؛ اعلم أن الصوم يذكِّرُك بمراقبة الله لك، {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}. (النساء: 1)



فبالتقوى والمراقبة يُخلِصُ الصائمُ لله في جميع أعماله وطاعاته، ففي الدعاء يدعو الله مخلصا، ولا يدعو غيره {وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. (الأعراف: 29)، ويخلص له في العبادة: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}. (الزمر: 2)، {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}. (الزمر: 11).



والإخلاصُ لله جلّ جلاله يورث الحياء، فالصوم في شهر الصوم يوجب الحياء من الخلق، والحياء من الخالق سبحانه وتعالى، ("إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ، حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ"). (د) (4012)، (س) (406). وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَا يَأتِي الْحَيَاءُ إِلَّا بِخَيْرٍ"). متفق عليه. ("وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ"). متفق عليه، فالصائم يستحيي من نفسه أن يخالفَ ظاهرُه باطنَه، ويستحيي من خلقِ الله أن يروا منه ما يسوؤه، ويستحيي من الخالق سبحانه أن يراه على معصية أو خطيئة.



[وَحَقِيقَةُ الْحَيَاءِ؛ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى فِعْلِ الْحَسَنِ وَتَرْكِ الْقَبِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ... وقَالَ الْأَصْمَعِيُّ سَمِعْت أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ؛ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ]. الآداب الشرعية- ابن مفلح.



أي: أن الذي عنده حياء يستره الله سبحانه وتعالى.



قال بعض البلغاء العلماء: (يا عجباً! كيف لا تستحي من كثرة ما لا تستحي، وتتقي من طول مالا تتقي؟!)



وقال صالح بن عبد القدوس:



إذا قلّ ماءُ الوجهِ قلَّ حياؤه *** ولا خيرَ في وجهٍ إذا قلَّ ماؤه



حياءَك فاحفظْه عليك وإنَّما *** يدلُّ على فعلِ الكريمِ حياؤه



وقال الجنيد رحمه الله: (الحياء رؤيةُ الآلاء =أي: رؤية النعم=، ورؤيةُ التقصيرِ، فيتولَّد بينهما حالةٌ تسمى الحياء، وحقيقته؛ خُلُقٌ يبعثُ على ترك القبائح، ويمنع من التفريطَ في حِّق صاحب الحقِّ).



ومن كلام بعض الحكماء: (أحيوا الحياءَ بمجالسةِ من يُستَحَى منه، وعمارة القلب: بالهيبة والحياء، فإذا ذهبا من القلبِ لم يبْقَ فيه خير).



وقال الفضيل بن عياض: (خمس علاماتٍ من الشِّقوة =أي: من الشقاوة=: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلَّةُ الحياء، والرغبةُ في الدنيا، وطول الأمل).



وقال يحيى بن معاذ: (من استحيا من الله مطيعًا؛ =أي: وهو أثناء طاعته لله، يستحي من الله سبحانه وتعالى=؛ استحيا الله منه وهو مذنب).



وكان يحي بن معاذ يقول: (سبحان من يذنبُ عبدُه ويستحي هو).



والصوم في رمضان يورث الخوفَ والخشية من الله جل جلاله، إذا كانت الحجارة {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}. (البقرة: 74)، {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. (الحشر: 21).



فالمؤمنون عموما، والصائمون خصوصا أولى بالخشية والخوف من الله جل جلاله، فهم من الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}. (المؤمنون: 57- 61).



وانحصرت الخشية من الله سبحانه وتعالى في العلماء، قال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}. (فاطر: 28).



والبشرى والمغفرة لمن يخشى الله جل جلاله؛ {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}. (يس: 11).



حقًّا إنهم {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}. (الإسراء: 57).



وكان في وجه عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما خطان أسودان من كثرة البكاء.



وخطب أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه الناس مرَّةً بالبصرة؛ فذكر في خطبته النار، فبكى حتى سقطت دموعه على المنبر! وبكى الناس يومئذ بكاءً شديداً.



إنه شهر الصوم، إنه شهرُ التربيةِ على الفضائل، واجتنابِ الرذائل، إنه شهر الصبر على أذى الناس، فـالصائم ("لاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ")،



=كيف لا؟! وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال:= («وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ»). (خ) (1904).



فمن كان رائحةُ فمِهِ أطيبَ عند الله من ريح المسك، كيف يخرج منه السبُّ والشتمُ، واللغوُ والهُجْرُ من القول؟



شهر الصبر يعلّم الصبرَ على الطاعات؛ من قيام وتلاوة وذكر وصدقات، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ =رضي الله عنهما=، قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الـمُرْسَلَةِ). (خ) (6).



إنه شهر الصبر عن الشهوات والملذات المشروعات؛ من مأكولات ومشروبات، ("يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ؛ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي"). (خ) (7492).



فرمضان يحسِّنُ الأخلاق، ويهذِّبُ السلوك، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("مَا مِنْ شَيْءٌ يُوضَعُ)، (فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَلَاةِ)، (وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ"). (ت) (2002)، (2003)، (د) (4799)، (حم) (27536)، (خد) (464)، (حب) (5693)، الصَّحِيحَة: (876)



وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟!) فَقَالَ: ("تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ")، (وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟!) فَقَالَ: ("الْأَجْوَفَانِ؛ الْفَمُ، وَالْفَرْجُ"). (جة) (4246)، (ت) (2004)، (حم) (9085)، انظر الصَّحِيحَة: (977).



وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله =تعالى= عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَة؛ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ، وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَة؛ الثَّرْثَارُونَ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ")، فَقَالُوا: (يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُون وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟!) قَالَ: ("الْمُتَكَبِّرُونَ"). (ت) (2018)، (خد) (1308)، (حم) (17732)، الصَّحِيحَة: (791).



(الثَّرْثَارُ): هُوَ الْكَثِيرُ الْكَلَامِ تَكَلُّفًا. =أي: تكلف بالكلام، وما أكثر الثرثارين في هذا الزمان بالكلام عبر الإعلام، أو بالكلام المكتوب عبر وسائل التواصل الاجتماعي ونحو ذلك، الثرثارون بعيدون عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم.=



(الْمُتَشَدِّقُونَ): الْمُتَوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ، مِنْ غَيْرِ اِحْتِيَاطٍ وَاحْتِرَازٍ.



=فإن جاء على باله كلمة فسق وفجور يقولها، كلمة خير يقولها، كلمة فيها رذالة وسفالة يقولها والعياذ بالله، فهو متشدق بالكلام.=



وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُتَشَدِّقِ الْمُسْتَهْزِئِ بِالنَّاسِ، يَلْوِي شِدْقَهُ بِهِمْ وَعَلَيْهِمْ، وَالشِّدْقُ: جَانِبُ الْفَمِ. تحفة الأحوذي (5/ 272).



أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.



الخطبة الآخرة



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، المبعوث رحمة مهداة للعالمين كافة، وعلى آله وصحبه ومن والاه واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:



الصوم يربي المؤمن تربية لا توجد في غيره، خصوصا في رمضان، شهر البركات والرحمات، والخيرات والغفران من النيران.



الصوم يجعل المؤمن هينا لينا على إخوانه المؤمنين، إنهم من الذين الله فيهم: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}. (المائدة: 54).



وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله =تعالى= عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟!") =النار محرمة على من؟= قَالُوا: (بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ!) قَالَ: ("كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، قَرِيبٍ سَهْلٍ"). (حب) (470)، (ت) (2488)، (حم) (3938)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (3135).



[أَيْ: تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ طَلْقٍ =بشوش لإخوانه= حَلِيمٍ =يحلم عن هفواتهم= لَيِّنِ الْجَانِبِ =ليس فيه الشدة والقساوة على إخوانه=]. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3179).



فالصائم بأخلاقه؛ قريبٌ من الناس عموما، ومن أرحامه وقرابته خصوصا، حتى ولو آذوه أو قاطعوه، فهو هين لين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ =رضي الله عنه= أَنَّ رَجُلًا قَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ)، فَقَالَ: ("لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ") =أي: الرماد الحار،= ("وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ") =أي مساند ومعاون= ("عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ"). (م) 22- (2558).



يا رمضان!



[الخير بادٍ فيك والإحسان ُ *** والذكرُ والقرآن ُ يا رمضانُ



والصوم فيك عبادة ٌورياضةٌ *** تسمو بها الأرواحُ والأبدانُ



والشّرُّ فيك مكبَّلٌ ومغلَّلُ *** والبرُّ فيك مجلِّلٌ هتَّان ُ



والليل فيك نسائمٌ هفهافةٌ *** رقصت لطيب عبيرِها الرّهبانُ



والفجر فيك عبادةٌ وتلاوةٌ *** والصبحُ فيك سِعايةٌ وأمان ُ



والروح فيك طليقةٌ رفرافةٌ *** أحلامها الغفرانُ والرضوانُ



والجسم فيك حبيسةٌ أطماعُه *** لا يستريح إذا سما الوجدان ُ



والناس فيك تآلفٌ قد ضمّهم *** وأظلّهم ظلُّ الهدى الفينانُ



فكأنهم جسمٌ يئنُّ إذا اشتكى *** عضوٌ به وكأنّهم بنيانُ]



اللطائف الروحية في الدروس الرمضانية (ص: 4)



فلنصلِّ على رسول الله؛ لأن الله صلى على رسوله، وأمر المؤمنين بالصلاة عليه، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}. (الأحزاب: 56).



اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى الدين.



اللهم إنا [نسألك مما كتبت على نفسك من الرحمة، ومما في خزائن فيضك ومكنون غيبك، أن تضاعف صلواتك على سيدنا =ونبينا= محمد وآله وصحبه، وسائر عبادك الصالحين.



اللهم أعتقنا من رقِّ الذنوب، وخلصنا من أشَر النفوس، وأذهب عنا وحشة الإساءة، وطهرنا من دنس الذنوب، وباعد بيننا وبين الخطايا، وأجرنا من الشيطان الرجيم.



اللهم طيِّبْنا للقائك، وأهِّلْنا لولائك، وأدخلنا مع المرحومين، وألحقنا بالصالحين، وأعِنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتلاوةِ كتابك، واجعلنا من حزبك المفلحين، وأيدنا بجندك المنصورين، وارزقنا مرافقة الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، =وحسن أولئك رفيقا=]. التذكرة في الوعظ (ص: 29)



وأقم الصلاة؛ {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}. (العنكبوت: 45).



جمعها من مظانها وألف بين حروفها وكلماتها وخطبها



أبو المنذر/ فؤاد بن يوسف أبو سعيد رزقنا الله وإياه حسن التربية مع رمضان.



مسجد الزعفران- المغازي- الوسطى- غزة- فلسطين.



أول جمعة من رمضان 1440هـ،



وفق: 10/ 5/ 2019م.




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة