إِثْبَات حَيَاةِ البَرْزَخِ فِي القُبُوْرِ وَالأَجْدَاث



جمع وإعداد



صاحب الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الحلقة العاشرة



الحادي والعشرون: أرواحُ المؤمنين تكون طيرا، بينما أرواح الشهداء منهم في حواصل طير خضر:



دلَّت الأحاديث في الحياة البرزخية؛ على أن أرواح المؤمنين تكون طيرا، بينما أرواح الشهداء منهم في حواصل طير خضر، في جوف طير خضر، تأوي إلى قناديلَ معلقة بالعرش؛ عرش الرحمن، فقد جاء في الحديث كما ثبت عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. (آل عمران: 169)، قَالَ: (أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ؟) فَقَالَ:



("أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً"، فَقَالَ: "هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ")، =يسألهم هل تشتهون شيئا؟= ("فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ! نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا"). (م) 121- (1887).



وهذه حياة الشهداء ونعيمُ أرواحِهم التي مسكنها في أجواف طير خضر، وأجسادهم تتنعم تبعا لذلك في قبورها، عَنْ كَعْب بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ("إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ، تَعْلُقُ مِنْ ثَمَرِ الجَنَّةِ أَوْ شَجَرِ الجَنَّةِ"). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، (ت) (1641).



فالشهداء كما ورد في أكثر من رواية: ("... أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، ..."). (د) (2520)، (حم) (2388).



ومن هؤلاء الشهداء الذين يطيرون في الجنة؛ وذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، ويقال له: جعفر الطيار، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:



("دَخَلْتُ الْجَنَّةَ الْبَارِحَةَ، فَنَظَرْتُ فِيهَا؛ فَإِذَا جَعْفَرٌ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَإِذَا حَمْزَةُ مُتَّكِئٌ عَلَى سَرِيرٍ"). (ك) (4890)، (ت) (3763)، (طب) (ج3ص146ح2945)، صَحِيح الْجَامِع: (3363)



وفي رواية: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("رَأَيْتُ جَعْفَرًا بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَلِكًا يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ بِجَنَاحَيْنِ"). (ت) 3763)، (ك) (4935)، صَحِيح الْجَامِع: (3465)، الصَّحِيحَة: (1226)، وذلك لأنه قطعت يداه في سبيل الله.



بينما سائر المؤمنين كما ثبت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ("إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ") =فالمؤمن نسمه طائر، بينما الشهيد نسمته في جوف طائر،= ("فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"). (س) (2073)، (جة) (4271).



وفي رواية عن كعب بن مالك: («إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُسْلِمِ طَيْرٌ تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). (حم) (15776)، (15780)، وفي رواية: («نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ...»). (حم) (15777)، (15778)، (15787)، (15792)، (ط) (643)، (حب) (4657)، (الصحيحة) (995).



والخلاصة: أن [... الأرواحَ متفاوتةٌ في مستقرِّها في البرزخ أعظم تفاوت؛



فمنها في أعلى عليّين؛ وهي أرواح الأنبياء عليهم السلام، وهم متفاوتون في منازلهم.



ومنها في حواصل طير.



ومنها من يكون محبوسا على باب الجنة.



ومنها من يكون مقرُّه بباب الجنة.



ومنها من يكون محبوسا في الأرض =السابعة=، لم تَعْلُ روحُه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحا سُفلية.



ومنها أرواح تكون في تنُّور الزناة، وأرواح تكون في نهر الدم تسبح.



وليس للأرواح؛ شقيِّها وسعيدِها مستقر ٌّواحد؛ بل روحٌ في أعلى عليين، وروحٌ أرضيَّةٌ سُفْليَّةٌ لا تصعد عن الأرض.



وأنت إذا تأمَّلت السُّنن والآثارَ في هذا الباب، وكان لك فضلُ اعتناءٍ عرفت حجة ذلك.



ولا تظنّ أنّ بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضا...



والمفهوم منه أنّ مستقرَّها يتفاوت بتفاوت حال صاحبها؛ إيمانا وكفرا، وصلاحا وفسقا...]. الآيات البينات (ص: 91).



وفي الختام؛ رؤيا حقٍّ رأتها إحدى الصحابيات رضي الله عنهن أجمعين، فقصتها على النبي صلى الله عليه وسلم، وتحققت في وقتها:



عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ)، فَرُبَّمَا قَالَ: ("هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟") فَإِذَا رَأَى الرَّجُلُ رُؤْيَا سَأَلَ عَنْه؟ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِهِ بَأسٌ، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللهِ! رَأَيْتُ كَأَنِّي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ بِهَا وَجْبَةً) =أي: صوت شيء سقط=، (ارْتَجَّتْ لَهَا الْجَنَّةُ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا قَدْ جِيءَ بِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، وَفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ)، حَتَّى عَدَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا =الأسماء التي ذكرتهم لا تعرفهم هي، لكن حصل= -وَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ-، =فيها الاثني عشر هؤلاء= قَالَتْ: (فَجِيءَ بِهِمْ؛ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ). -الأطلس: الثوب الخَلِق الوسخ-، (تَشْخُبُ)، أي: تسيل (أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ: اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَجِ)، =أو البيدخ أو البيدح= (فَغُمِسُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا مِنْهُ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ أُتُوا بِكَرَاسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَعَدُوا عَلَيْهَا)، (وَجِيءَ بِصَحْفَةٍ)؛ -الصحفة: إِناءٌ كالقَصْعَة المبْسُوطة ونحوها، وجمعُها صِحَاف-، (مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسْرٌ)، =وهو البلح= (فَمَا يَقْلِبُونَهَا لِوَجْهٍ؛ إِلَّا أَكَلُوا مِنْ الْفَاكِهَةِ مَا أَرَادُوا)، قَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللهِ! وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ). =انتهت الرؤية.=



قَالَ: (فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السَّرِيَّةِ)، فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ! كَانَ مِنْ أَمْرِنَا كَذَا وَكَذَا، وَأُصِيبَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ)، حَتَّى عَدَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ عَدَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("عَلَيَّ بِالْمَرْأَةِ")، فَجَاءَتْ، فَقَالَ: ("قُصِّي عَلَى هَذَا رُؤْيَاكِ")، فَقَصَّتْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: (هُوَ كَمَا قَالَتْ، أُصِيبَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ). (حم) (12385)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح، (حم) (13698)، مسند عبد بن حميد: (ج1/ص380)، ح (1275)، (حب) (6054)، صحيح موارد الظمآن: (1513).



أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.



واسأل الله أن يعيذنا من فتنة القبر وعذابه، وأن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنان، ولا يجعلها حفرة من حفر النيران، واغفر لنا ولإخواننا أجمعين، وبارك الله فيكم.



هذا والله تعالى أعلم



وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة