النبع الجاري



شرح صحيح الأدب المفرد للبخاري



جمع وإعداد وشرح



صاحب الفضيلة/ الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



المسعود- 10/ 8/ 1440هـ، وفق: 16/ 4/ 2019م



المجلس رقم: (39): بَابُ رقم: (51): باب مَنْ أَغْلَقَ الْبَابَ عَلَى الجار– (60)



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، المبعوث رحمه مهداة للعالمين كافة، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد؛



في هذا المجلس التاسع والثلاثين، من شرح صحيح الأدب المفرد للبخاري رحمه الله تعالى، باب من أغلق الباب على الجار.



هذا باب يتناول فيه البخاري رحمه الله في ما يترتب على من أغلق بابه دون جيرانه؛ ليمنعه من المعرف، وأورد تحته الحديث:



(81/ 111) (حسن لغيره) عَنِ ابْنِ عُمَرَ =رضي الله تعالى عنهما= قَالَ: (لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زمانٌ -أَوْ قَالَ: حِينٌ- وَمَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِدِينَارِهِ وَدِرْهَمِهِ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ الْآنَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِنَا مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كَمْ مِنْ جَارٍ متعلقٍ بِجَارِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ، يَا رَبِّ! هَذَا أَغْلَقَ بَابَهُ دُونِي، فَمَنَعَ مَعْرُوفَهُ!").



التخريج:



الصَّحِيحَة: (2646)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (2564)، ورواه عن ابن عمر هناد (2/ 508، رقم: 1045)، وابن أبى الدنيا فى مكارم الأخلاق (1/ 107، رقم: 346)، من جامع الأحاديث (15/ 400)، ح (15805).



وله شاهد عن أبي هُدْبة، عن أنس رضي الله عنه، عند الديلمي في (الفردوس بمأثور الخطاب) (1/ 254)، ح (984) بلفظ: ("إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة؛ تعلق الْجَار بالجار، فَيَقُول: يَا رب! سل هَذَا فِيمَا أغلق بَابه دوني، وَمَنَعَنِي طَعَامه؟!").



وفي (البر والصلة) للحسين بن حرب (ص: 114) ح(219) قال: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ يَرْفَعُهُ، قَالَ: ("كَمْ مِنْ جَارٍ مُتَعَلِّقٌ بِجَارِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونِي وَمَنَعَنِي مَعْرُوفَهُ").



الشرح:



(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) =وهو راوي الحديث، و=هو عبد الله بن عمر بن الخطاب (قَالَ: لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زمانٌ -أَوْ قَالَ: حِينٌ-) =أي: زمان النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة متواجدون وكثر، وهذا العهد= (وَمَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِدِينَارِهِ وَدِرْهَمِهِ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ)، لما بينهم من =الترابط، و= روابط =الأخوة و= الإيمان والإسلام =والمحبة=، فمحبة المسلم للمسلم تفوق محبة الدرهم والدينار، مصداقا لقوله سبحانه =وتعالى=: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. (الحشر: 9)



قال عبد الله بن عمر =أي: بعد عهد النبوة=:



(ثُمَّ الْآنَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِنَا مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ)، هذا ما رآه وعايشه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وذلك بعد العهد النبوي، وانتشار الفتوحات، فقد دخل بين الصحابة رضي الله عنهم ما ليس منهم، =من التابعين وغيرهم، ومن بعض الناس الذين افتتنوا بالدنيا، و= ممن اغتروا بالدنيا وزخرفها، فصار حبُّ الدرهم والدينار يقدم على الأخوّة في الدين والإيمان، بل صار بعض الجيران يغلق بابه عن جاره، لذا نبّه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما على خطورة هذا الأمر بقوله:



(سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كَمْ مِنْ جَارٍ") =أي: كثير من الجيران= ("متعلقٍ بِجَارِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ")، تعلُّقَ الغريمِ =وصاحب الدين= بغريمِه والخصمِ بخصمه، =إنسان له دَين وجاء وقته، ورأى صاحبه فيتعلق به، فهذا يوم القيامة الجيران بعضهم يتعلق ببعض،= ("يَقُولُ")، شاكياً على ربِّه =الشكوى مقدمة إلى الله عز وجل، يقول=: ("يَا رَبِّ! هَذَا أَغْلَقَ بَابَهُ دُونِي")؛ لئلا أنال منه خيراً، ("فَمَنَعَ مَعْرُوفَهُ!")، =وفي الرواية السابقة منع صاحبه،= أي: وأنصفَه اللهُ منه؛ =بعد أن رفعت الشكوى جاء الإنصاف من الله سبحانه وتعالى،= إذ هو محلُّ الترهيب =والتخويف=، وحذف للعلم به...]. بتصرف التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 236)



ما يستنبط من هذا الحديث وما يستفاد منه:



1- [فيه تأكيد عظيم لرعاية حق الجار والحث على مؤاساته وإن جار، وذلك سبب للائتلاف والاتصال فإن أهان كل أحد جاره انعكس الحال]. فيض القدير للمناوي (5/ 49).



=لكن إذا أحسن كلُّ جار إلى جاره كان الخيرُ في المجتمع، وإلاّ كان الشر والعياذ بالله.=



2- [وتغليق الباب كناية عن عدم خروج خير منه إليه]. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 236).



3- الجار يشكو جاره الذي قصّر في حقِّه يوم القيامة.



***



الباب (52)- بَابُ لَا يَشْبَعُ دون جاره- (61)



وهذا باب يبيِّن أنّ المؤمن يفتقد جاره، هذا هو الأصل، ولا يشبع دون تقديم الطعام والشراب لجاره وما يحتاجه فيما يستطاع، على قدر الطاقة والاستطاعة، وأورد تحته الحديث:



(82/ 112) (صحيح) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسَاوِرِ قَالَ: (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ، وجارُه جَائِعٌ").



التخريج:



 (هق) (19452)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (5382)، الصَّحِيحَة: (149)، وأبو يعلى (5/ 92، رقم: 2699)، والطبرانى (12/154، ح: 1274)، قال الهيثمى (8/ 167): رجاله ثقات. والحاكم (4/ 184، رقم: 7307)، وقال: صحيح الإسناد. والخطيب (10/ 391).



وله شواهد؛ أي عن غير ابن عباس:



فقد ورد عن:



1- عائشة رضي الله تعالى عنها في المستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 15) ح (2166): "ليس بالمؤمن الذى يبيت شبعانا وجاره جائع إلى جنبه".



2- عن أنس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا ([1]) وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ». (طب) (751)، صَحِيح الْجَامِع: (5505)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (2561).



ورواه البزار كما في (كشف الأستار) 1/ 76 (119)، وقال الهيثمي (8/ 167): إسناد البزار حسن.



3- أيضا ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ =رضي الله عنه=، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ أَوْ كَمَا قَالَ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَبِيتُ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ». عند الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 27) ح (115).



الشرح:



(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسَاوِرِ) =وهو تابعي تلميذ لعبد الله بن عباس،= (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ)، =هذا في رواية البخاري هنا،= وفي رواية: (وَهُوَ يُبَخِّلُ) (ابْنَ الزُّبَيْرِ) رضي الله =تعالى= عنهما.



وفي رواية ([2]): وَهُوَ يَنْحَلُ ابْنَ الزُّبَيْرِ. =وكلها تدل على وعظ ابن عباس لابن الزبير على ألا يبخل بماله.=



وفي رواية ([3]): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يُعَاتِبُ رَجُلًا فِي الْبُخْلِ.



وفي رواية ([4]): سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، ذَكَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَبَخَّلَهُ.



وعند الطحاوي: يُعَاتِبُ ابْنَ الزُّبَيْرِ فِي الْبُخْلِ. ([5])



(يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ) الكامل =الإيمان= (الَّذِي يَشْبَعُ، وجارُه جَائِعٌ"). [ =وفي رواية:= (... إِلَى جَنْبِهِ) =وهو يعلم،= الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَشْبَعُ؛ أَيْ: وَهُوَ عَالِمٌ بِحَالِ اضْطِرَارِهِ، وَ =يعلم= قِلَّةِ اقْتِدَارِهِ، =الجار غير قادر على شراء شيء،= وَفِي ذِكْرِ الْجَنْبِ إِشْعَارٌ بِكَمَالِ غَفْلَتِهِ عَنْ تَعَهُّدِ جَارِهِ]. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3126).



=لأنه قال: جنبه، كما في الرواية الأخرى، هذا معناه أن هذا الجار غافل جدًّا عما يحدث لجاره، فهذا ينفي كمال الإيمان.=



قال المناوي في قوله صلى الله عليه وسلم: ("لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِه"): [لإخلاله بما توجه عليه في الشريعة من حق الجوار، وتهاونه في فضيلة الإطعام، التي هي من شرائع الإسلام، سيما عند حاجته وخصاصته، =عندما يكون محتاجا جدا.=



وألصقُ الجوار؛ جوارُ الزوجة =وهي أقرب جار لك؛ لأنها غريبة عن الديار والبيت؛ لأنك أتيت بها من خارج البيت، فليست أختَك ولا عمَّتَك ولا خالتَك، وليست رحما لك.=



 والخادم والقريب، وقد كان للمصطفى صلى الله عليه وسلم -كما =جاء= في مسلم- جارٌ فارسيٌّ طيِّب المرق، =أي: إذا صنع الفارسي طعاما يحسنه،= فصنع طعاما ودعاه، =أي: دعا النبي صلى الله عليه وسلم، ليأكل معه، وكانت بجانبه عائشة رضي الله تعالى عنها،= فقال: ("أنا وهذه؟") =الدعوة لنا نحن الاثنين؟= يعني عائشة، فلم يأذن لها، =أي: لم يأذن أن تأتي عائشة مع، فالطعام مصنوع على قدرك أنت، والظاهر أن الطعام على قدر النبي صلى الله عليه وسلم=، فامتنع المصطفى صلى الله عليه وسلم من إجابته؛ لما كان بها من الجوع، فلم يستأثر عليها بالأكل، =وكرر هذا الفارسي الدعوةَ للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي: "أنا وهذه")، مرتين أو ثلاثا، وهو يقول له: (لا)، وفي الثالثة قال: (أنت وهي)، فذهب معه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يستأثر به عليها،= وهذا قضية مكارم الأخلاق، سيما مع أهل بيت الرجل]. فيض القدير (5/ 360).



إذن ابدأ بالزوجة، ثم جيرانك، والصاحب بالجنب، قال بعض العلماء هي الزوجة.



الفوائد من الحديث:



1- قوله صلى الله عليه وسلم: ("لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ، وجارُه جَائِعٌ"). [لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّهُ =من بات شبعان= لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ إِيمَانًا خَرَجَ بِتَرْكِهِ إِيَّاهُ إِلَى الْكُفْرِ، =الذي يسيء إلى جاره ليس بمؤمن، ولكن ليس معناه أنه كافر=، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ]. شرح معاني الآثار (1/ 28).



2- [المراد نفي الإيمان الكامل؛ وذلك لأنه يدلُّ على قسوةِ قلبه، =مؤمن وقاسي القلب= وكثرة شُحِّه، وسقوطِ مروءته، =عن جاره= وعظيمِ لؤمه، وخبث طوبته، قال =بعض الشعراء=:



وكلُّكم قد نالَ شِبعًا لبطنِه *** وشبع الفتى لؤمٌ إذا جاعَ صاحبه ([6])



=أي إذا جاع جاره، وهذا لؤم أن يجوع الجار، وصاحبه يستطيع أن يطعمه وهو يعلم عن جوعه.=



قال الزمخشري =رحمه الله=: الشبع ما أشبعك من طعام]. فيض القدير (5/ 407).



3- وقال الألباني =رحمه الله= في الصحيحة: وفي الحديث دليل واضح على أنه يَحْرُم على الجار الغنيّ أن يدَع جيرانه جائعين، فيجب عليه أن يُقَدِّم إليهم ما يدفعون به الجوع، وكذلك ما يكْتَسُون به إن كانوا عراة، ونحو ذلك من الضروريات،... أ. هـ.



=ولا يكتفي بالزكاة فقط؛ لأنه يوجد حق آخر سوى الزكاة.=



وفي الدرس القادم إن شاء الله، الباب رقم: (53): بَابُ يُكْثِرُ مَاءَ الْمَرَقِ فيقسم في الجيران- (62).



=نتكلم عنه بالتفصيل إن شاء الله تعالى، فأنت إذا صنعت مرقا حتى لو قلت لذته، لكن تكثر منفعته إن شاء الله.



اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين



جزاكم الله خيرا



بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته









([1]) مع أن شبعان ممنوعة من الصرف فلا تنون، وقد تصرف للضرورة الشعرية قال الشاعر:



فَلَوْ كُنْتَ حُرًّا يَا ابْنَ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ ... لَمَا بِتَّ شَبْعَانًا وَجَارُكَ سَاغِبُ



غريب الحديث لإبراهيم الحربي (2/ 411)





([2]) شعب الإيمان (12/ 87) ح (9089).





([3]) البر والصلة للحسين بن حرب (ص: 123) ح (239).





([4]) المنتخب من مسند عبد بن حميد ت صبحي السامرائي (ص: 231) ح (694).





([5]) شرح معاني الآثار (1/ 28) ح (116).





([6]) قال بشر بن المغيرة:



جفاني الأميرُ والمغيرةُ قد جَفَا ... وأمسى يزيدُ لي قد ازورَّ حاجبُهْ



وكلُّهمُ قد نالَ شِبعاً لبطنهِ ... وشِبعُ الفَتَى لؤمٌ إذا جاعَ صاحبُهْ





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة