إِثْبَات حَيَاةِ البَرْزَخِ فِي القُبُوْرِ وَالأَجْدَاث



جمع وإعداد



صاحب الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الحلقة الثامنة



سابعا: الإنسان في حياته البرزخية يسمع ولا يجيب:



فأهل القبور يرد الله عليهم أرواحهم إذا شاء فيسمعون ولكنهم لا يجيبون، فقد ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ؛ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ"). (د) (2041), (حم) (10827).



وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم يسلِّم على أهل القبور، ويدعو لهم، وثبت أنّ كفارَ القَلِيب في غزوةِ بدر، قد سمعوا توبيخ النبي صلى الله عليه وسلم لهم، عندما قَالَ: («وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا!؟») فَقِيلَ لَهُ: (تَدْعُو أَمْوَاتًا؟!) فَقَالَ: («مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لاَ يُجِيبُونَ»). (خ) (1370).



وفي رواية: («إِنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ»). (خ) (3980).



وفي رواية: ("أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الْآنَ لَيَسْمَعُونَ كَلَامِي"). (حم) (4864).



وَعند سؤال الفتَّان؛ ما معنى الفتان؟ هو الملك الذي يسأل، فتُرَدُّ على الموتى عقولُهم، فالميت إذا مات يُردُّ عليه عقله عند السؤال، فـعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله =تعالى= عنهما قَالَ: (ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَّانَ الْقُبُورِ)، =وهي صفة الملك، ومنظره وجزالةُ صوته.=



فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: (يَا رَسُولَ اللهِ! أَتُرَدُّ عَلَيْنَا عُقُولُنَا؟!) =يعني هذا شيء يذهب العقل، فالشيء المخيف يذهب العقل.=



فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("نَعَمْ! كَهَيْئَتِكُمْ الْيَوْمَ")، فَقَالَ عُمَرُ: (بِفِيهِ الْحَجَرُ). (حم) (6603), (حب) (3115)، انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ (3553)، وقال الأرناؤوط في (حب): إسناده حسن.



 كلمة بفيه الحجر معناها يلقي إليه الجواب كما ألقي حجرا.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ خَفْقَ النِّعَالِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ؛ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ، حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ}، =وكذلك أثبت هذا ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، فقال:= صَحَّ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]. مجموع الفتاوى (24/ 173). وهذه الرواية اختلف في تصحيحها العلماء، فضعفها الألباني وصححها ابن عبد الحق وابن عبد البر.



ثامنا: رأى النبي صلى الله عليه وسلم النارَ تشتعل بصاحب شملة أو عباءة سرقت من الغنيمة قبل قسمتها:



وهذه رآها رأي عين عليه الصلاة والسلام، فقد ثبت أن أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: (افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ، وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً، إِنَّمَا غَنِمْنَا البَقَرَ وَالإِبِلَ وَالـمَتَاعَ وَالحَوَائِطَ)، =أي: البساتين= (ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَادِي القُرَى، وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ)، =أي: سهم طائش= (حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ العَبْدَ)، فَقَالَ النَّاسُ: (هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («بَلْ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا»)، =يعني قتل من ها هنا، والنار بدأت في البرزخ من ها هنا، فهذا عذاب القبر=، (فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ)، =سَيْرُ أو جِلد يستخدم للحزام وما شابه ذلك، هذا أخذه قبل القسمة أيضا مثله=، فَقَالَ: (هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («شِرَاكٌ -أَوْ شِرَاكَانِ- مِنْ نَارٍ»). (خ) (4234).



وقد يقال: إن هذا ربما يكون يوم القيامة! يحتمل؛ لكن جاء في رواية عند ابن حبان كلمة (الآن): قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ("وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، الشَّمْلَةُ لَتَحْتَرِقُ عَلَيْهِ الْآنَ فِي النَّارِ غَلَّهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ خَيْبَرَ")، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ (أَصَبْتُ يَوْمَئِذٍ شِرَاكَيْنِ)، قَالَ: ("يُعَدَّدُ لَكَ مِثْلُهُمَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ"). (حب) (4852)، (صحيح أبي داود) (2428).



ومما يوضح ذلك؛ -أي: عذاب القبر- ما ثبت عَنْ أَبِي رَافِعٍ =رضي الله عنه= قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَيَتَحَدَّثُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَنْحَدِرَ لِلْمَغْرِبِ)، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: (فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْرِعُ إِلَى الْمَغْرِبِ، مَرَرْنَا بِالْبَقِيعِ)، =فمن رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة؟ أبو رافع،= فَقَالَ: ("أُفٍّ لَكَ، أُفٍّ لَكَ!"). قَالَ: (فَكَبُرَ ذَلِكَ فِي ذَرْعِي)، =النبي يخاطبني صلى الله عليه وسلم بلفظ أفٍّ لك=، (فَاسْتَأْخَرْتُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُنِي)،



فَقَالَ: ("مَا لَكَ امْشِ"). فَقُلْتُ: (أَحْدَثْتَ حَدَثًا؟) قَالَ: ("مَا ذَاكَ؟!") قُلْتُ: (أَفَّفْتَ بِي؟!) قَالَ: ("لَا! وَلَكِنْ هَذَا فُلَانٌ بَعَثْتُهُ سَاعِيًا عَلَى بَنِي فُلَانٍ فَغَلَّ نَمِرَةً فَدُرِّعَ الْآنَ مِثْلُهَا مِنْ نَارٍ"). (س) (862).



تاسعا: عذاب القبر لمن لم ينوِ قضاء الديون:



بعض الناس يتداين ولا ينوي القضاء، فهذا يعذب في بره قبل يوم القيامة، وهذا ما ثبت عَنْ جَابِرٍ =رضي الله عنه=، قَالَ: (تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَيْهِ)، فَقُلْنَا: (تُصَلِّي عَلَيْهِ؟!) فَخَطَا خُطًى)، =عليه الصلاة والسلام=، ثُمَّ قَالَ:



(«أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟») قُلْنَا: (دِينَارَانِ)، فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: (الدِّينَارَانِ عَلَيّ)َ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («حَقُّ الْغَرِيمُ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟») قَالَ: (نَعَمْ!) فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ: («مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟!») فَقَالَ: (إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ!) =يعني أنه مات قريبا، ما مَرَّ وقتٌ طويل=، قَالَ: (فَعَادَ إِلَيْهِ مِنَ الْغَدِ)، فَقَالَ: (لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا).



فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («الْآنَ بَرَّدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ»). (حم) (14536)، (ك) (2346)، (طل) (1673)، (هق) (11187)، (الإرواء) (1416)، صَحِيح الْجَامِع: (2753).



فكلمة الآن يدل على العذاب الواقع في البرزخ.



عاشرا: ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج من عذاب المعذَّبين في الحياة البرزخية:



وهم أنواع؛ فقد رأى من تقرض شفاههم بمقاريض من نار؛ مقصات من النار، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، كُلَّمَا قُرِضَتْ وَفَتْ")، =أي: رجعت مرة أخرى.=



("فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يا جبريل؟! مَنْ هَؤُلَاءِ؟! قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ؛ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَقْرَؤُنَ كِتَابَ اللهِ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ"). (هب) (1773)، صَحِيح التَّرْغِيبِ (125)، وصَحِيح الْجَامِع: (129).



وفي رواية: ("هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ؛ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، أَفَلَا يَعْقِلُونَ؟!"). (حم) (12879)، (حب) (53)، تخريج فقه السيرة، (138)، (يع) (3992)، (الصحيحة) (291).



ورأى صلى الله عليه وسلم في الحياة البرزخية من يثلغ رأسه بالحجر:



يُدقُّ ويُضرب رأسه بحجر، وهذا ما ثبت عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّؤْيَا =التي رآها=، قَالَ: («أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ؛ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ الـمَكْتُوبَةِ»). (خ) (1143).



ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج من يخمش وجهه وصدره بأظافر من نحاس:



فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَمَّا عُرِجَ بِي، مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟! قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ"). (د) (4878)، (حم) (13364)، صحيح الجامع: (5213)، والصحيحة: (533).



الحادي عشر: في حياة البرزخ حيواناتٌ مخيفة ومخلوقات مرعبة تعذِّب ساكني القبور من الكفار:



فقد سأل صلى الله عليه وسلم أصحابه: ("أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}. (طه: 124)، أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنْكَةُ؟!") قَالُوا: (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ!) قَالَ: ("عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ إِنَّهُ يُسَلَّطَ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا، أَتَدْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ سَبْعُونَ حَيَّةً، لِكُلِّ حَيَّةٍ سَبْعُ رُءُوسٍ يِلْسَعُونَهُ، وَيَخْدِشُونَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"). (حب) (3122)، (يع) (6644)، انظر (التعليق الرغيب) (4/ 182) صَحِيح التَّرْغِيبِ (3552)، صحيح موارد الظمآن: (651)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن.



[[99تنين × 70حية= 6930حية × 7رؤوس لكل حية، فيكون المجموع 48510رأس]]. نسأل الله السلامة، إذا كان الإنسان يخاف من حنش صغير في بيته؛ فكيف بهذا الحيوان الضخم في البيت الذي لا يعلم مداه إلا الله.




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة