يَا هَذَا إِنَّ الـمَسَاجِدَ لم تُبنَ لِهَذَا



إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. (آل عمران: 102).



{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. (النساء: 1).



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}. (الأحزاب: 70، 71).



أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.



أعاذني الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين. آمين.



لماذا نبني المساجد؟ ولماذا حثنا شرعنا الحنيف على بناءها؟ ولماذا فيها هذا الثواب العظيم "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ". ([1])



"كمفحص قطاة"، كعش القطا طائر صغير، "بنى الله له بيتا في الجنة"، هذا الثواب العظيم لماذا؟ لماذا هذه المساجد تبنى؟ يا هذا لـَمْ تُبْنَ المساجد لهذا.



هذا ما يحدث في كثير من بيوت الله من اللّغط، وهيشات الأسواق وارتفاع الأصوات في بيوت الله سبحانه وتعالى، حيث قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ("لِيَلِنِي مِنْكُمْ، أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا،") =يعني كررها ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،= ("وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ"). ([2])



=كثير من المساجد تجد بعضهم -وإلى حين الإقامة، وبعد إقامة الصلاة- يتحدثون في نهاية المسجد، يتحدثون في أمور الدنيا، أو في أمور الآخرة، كل ذلك لا يجوز يا عباد الله، المتحدث في أمور الدين هو الإمام الخطيب الواعظ، والكل يستمع لا أن يكون هناك لغط في بيت من بيوت الله.



فوالله في هذا الزمان أصبحت بعض الدواوين عندها النظام، وعندها الهيبة، أكثر من بعض المساجد، من بعض بيوت الله، من بعض مَنْ فضلها الله عز وجل في أرضه، وأنتم عندكم الكثير من هذه القَصص.



المساجد يا هذا لم تبن لهذا، ولم تُبْن المساجد للترويج للأفكارِ الضالة، والآراءِ السياسيّة، والمهاتراتِ الخلافيَّة، وإثارةِ النعراتِ القبليةِ والحزبية والطائفية، أبدًا والله؛ لم تبن المساجد لهذا.



ولم تُبن المساجد لنشرِ البدعِ والخزعبلات والخرافات.



ولم تبنَ المساجد لبثِّ العقائدِ الباطلة، والمذاهب المنحرفة، بعضُ الخطباء يصعدُ المنبرَ فيمدح الرافضة، فلا يتعرَّضُ له أحد! وآخرُ يذكِّر الناسَ بسنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، يذكر الناس بسنةٍ من سنن الهدى، فينزلوه من على المنبر!!



يا هذا؛ المساجد لم تبن لهذا، إمامٌ يرفض الامتثال لمخالفةِ السنة المحمديّة، فيجمَّد ويُقصَى عن الإمامة، وآخر يصدح ويتغنّى بالخزعبلات والخرافات فلا يهيجه أحد!



يا هذا! المساجد لم تبن لهذا، المساجد لم تبن للألعاب الرياضية، والتنس والطاولة، ورفع الأثقال، والمصارعة الحرة، فهذه ألعاب لها أماكنها ونواديها.



وأما لعب الحبشة، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهده صلى الله عليه وسلم؛ فلم تكن هناك أندية رياضية، ولا أماكن للتدريبات العسكرية، أما وقد وجدت بعد عهد النبوة؛ فأخرجت إليها التدريبات، وخلت المساجد من اللهو واللعب والرياضة، وتفرغت للعلم والوعظ والخطابة.



يا هذا المساجد لم تبن لهذا! لم تبن المساجد للأمسيات الشعرية، ولا للترويج للبضائع التجارية، ولا لمعاملات البيع والشراء وصرف العملات النقدية، ولم تُبْنَ للبحث عن المفقودات، ولا الإعلان عن الموجودات، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهِ)، (وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ)، (وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ فِيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ). ([3])



حتى التحلُّق قبل صلاة الجمعة، يقوم أحدهم ويعطي كلمة ما ينبغي! لأن هذا سيشوش أفكار الناس عن الخطبة، الإنسان ينتفخ رأسه من الكلام الكثير، ساعة قبل الخطبة، وساعة مع الخطبة فماذا يستفيد هذا الإنسان؟



-(التَّحَلُّق): الْحَلْقَة وَالِاجْتِمَاع لِلْعِلْمِ وَالْمُذَاكَرَة. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا كَرِهَ الِاجْتِمَاع قَبْل الصَّلَاة لِلْعِلْمِ وَالْمُذَاكَرَة وَأَمَرَ أَنْ يَشْتَغِل بِالصَّلَاةِ وَيُنْصِت لِلْخُطْبَةِ وَالذِّكْر، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا كَانَ الِاجْتِمَاع وَالتَّحَلُّق بَعْد ذَلِكَ. ([4])



المساجد لم تُبن لإقامة الحدود؛ من جلد، وتعذيب وقطع يد، وقِصاص، لا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بعده، لكن في عصرنا هذا اتخذت المساجد لأمور أخرى، فقد ورد عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم أَنْ يُسْتَقَادَ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ). ([5])



ولم تُبن المساجد للبصاق والتفل والتنخم فيها، فهذه سيئات وخطايا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ("الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا"). ([6])



دفنها في المسجد إذا كانت أرضه ترابا، وإزالتها بورقة أو خرقة أو في ثوبك إذا كان مفروشا.



وقد عرضت أعمالكم، وأعمالُ أمته صلى الله عليه وسلم عليه، فماذا قال؟ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ("عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي؛ حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: الْأَذَى يُنَحَّى عَنْ الطَّرِيقِ")، =يرفع الشوكة والزجاجة وما شابه ذلك،= ("وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا: النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ"). ([7])



ولم تُبْنَ المساجد للقَذَرِ وما تفوحُ منه الروائح الكريهة، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ =رضي الله عنهما=، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»). ([8])، وفي رواية لمسلم: (نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا)، فَقَالَ: ("مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى، مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ"). ([9])



فكيف بالروائح الكريهة المنتنةِ المنبثقةِ نتيجةَ العرق، أو نتيجة التحشيش، والتدخين والتشييش؟!



إن المساجد لم تبن لهذا، لم تبن لقضاء حاجة الإنسان من بول وغائط ونحوه، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ =رضي الله عنه=، قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ)، =بال في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأمام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، أخذ نفسه في زاوية، فقد حشره البول فبال فيه،=



فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَهْ مَهْ)، =كلمة زجر، أي: لا تفعل هذا،= قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:



("لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ")، =لا تقطعوا عليه بولته، دعوا المكانَ المتنجس محدوداً، لا تتناثر النجاسة في أكثر من مكان، أو ينجس هو ثيابه،= (فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ) فَقَالَ لَهُ:



("إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ؛ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ")، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: (فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْه). ([10])، أي: صبه على موضع البول.



المساجد لم تُبنَ للتباهي بها، تتباهى بعض القبائل بالمساجد، والفصائل تتباهى بالمساجد، والأغنياء يتباهون بالمساجد، عندما يبنونها أو يكونون مسئولين عنها، والأمراء والرؤساء والحكام يتباهون بالمساجد، وهذا من علامات الساعة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ("لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ"). ([11])، -أَيْ: يَتَفَاخَرُوا فِي شَأنِهَا أَوْ بِنَائِهَا.



قَالَ اِبْن رَسْلَان =رحمه الله=: هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ لِإِخْبَارِهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم عَمَّا سَيَقَعُ بَعْدَهُ، فَإِنَّ تَزْوِيقَ الْمَسَاجِدِ وَالْمُبَاهَاةَ بِزَخْرَفَتِهَا كَثُرَ مِنْ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ =أي قبل مائتين أو ثلاثمائة سنة،= بِالْقَاهِرَةِ وَالشَّامِ وَبَيْت الْمَقْدِس، بِأَخْذِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ، ظُلْمًا وَعِمَارَتِهِمْ بِهَا الْمَدَارِسَ عَلَى شَكْلٍ بَدِيع، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَة. ([12])-



عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ). ([13])



ولم تبن المساجد للتزويق والنجفات والثريات والمصابيح الملونة، أُخبِرتُ أن مسجدًا هنا بني في غزّة كلّف مليوني دولار، وهذا المبلغ يبني أقل شيء خمسة مساجد، لكن هذا المسجد المذكور كلّه زخرفة، فالمساجد لم تبن للتزويق والزخرفة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ("مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ")، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى). ([14])



-التَّشْيِيدُ: رَفْعُ الْبِنَاءِ وَتَطْوِيلُهُ... ([15])



و(الزَّخْرَفَةُ): الزِّينَةُ، قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: أَيْ: أَنَّهُمْ =أي: اليهود والنصارى= زَخْرَفُوا الْمَسَاجِدَ عِنْدَمَا بَدَّلُوا دِينَهُمْ، وَحَرَّفُوا كُتُبَهُمْ، وَأَنْتُمْ تَصِيرُونَ إلَى مِثْلِ حَالِهِمْ، وَسَيَصِيرُ أَمْرُكُمْ إلَى الْمُرَاءَاةِ بِالْمَسَاجِدِ، وَالْمُبَاهَاةِ بِتَشْيِيدِهَا وَتَزْيِينِهَا، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَشْيِيدَ الْمَسَاجِدِ بِدْعَةٌ. ([16])-



قَال الْبُخَارِيُّ ([17]) =رحمه الله في بيان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك المسجد الذي خرج الرجال، الذين بعلومهم وأعمالهم بلغوا آفاق الدنيا:= وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: (كَانَ سَقْفُ الـمَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ)، وَأَمَرَ عُمَرُ =رضي الله عنه= بِبِنَاءِ الـمَسْجِدِ وَقَالَ: (أَكِنَّ النَّاسَ) =أي: احفظهم وحصنهم= (مِنَ الـمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ).



 وكل ما يفتن المصلي في صلاته ما ينبغي أن يكون في المسجد.



أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.



الخطبة الآخرة



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:



المساجد بيوت الله؛ وإنما تسميتها باسم من بناها أو باسم قبيلة التي بنيت فيه، فهذه التسمية للتمييز وللتعريف، فلا مانع، أما مِلك المسجد فهو لله سبحانه وتعالى، إنما بنيت المساجد لإقامة ذكر الله، ولتلاوة القرآن الكريم والصلاة، ونشرِ العلوم الشرعية والوعظية، ونحو ذلك، قال جلّ جلاله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}. (الجن: 18)، وقال سبحانه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. (النور: 36- 38)



فالمساجد بنيت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ"). ([18])



ويجب على المسلم ألاّ يُلْقِيَ فيها ما يقذِّرُها من بقايا السواك، أو يلقيَ ما في جيبه من أوراق، أو يقضمَ أظافرَه أو يقطعَ خيوطا من ثوبه، زائدة فيلقيها في المسجد، ما ينبغي ذلك يا عبد الله، بل عليك إذا وجدت شيئا من ذلك في بيت من بيوت الله أن تخرجه، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله =تعالى= عنه قَالَ: (كَانَ رَسُولُ صلى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُنَا بِالْمَسَاجِدِ؛ أَنْ نَصْنَعَهَا فِي دِيَارِنَا، وَنُصْلِحَ صَنْعَتَهَا، وَنُطَهِّرَهَا). ([19])



يأمرنا بالمساجد؛ أي: أن نبنيها ونصنعها، في دورنا أي في قبائلنا، الأصل أن يكون في كلِّ قبيلة مسجد، أما المسجد الجامع فللجمعة، جامع يجمع الجميع، وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله =تعالى= عنها قَالَتْ: (أَمَرَ رَسُول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ). ([20])، -قَالَ سُفْيَانُ: قَوْلُهُ: بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، يَعْنِي: الْقَبَائِلَ.-



فلنحافظ -يا عباد الله- على بيوت الله، فلا نتفل ولا نتنخّم إلا في الورق المعدِّ لذلك، ونحتفظ به لنخرجه من المسجد، أو نضعه في الحاوية الخاصة بالنفايات.



ويجوز الأكل والشرب في المساجد، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: (كُنَّا نَأكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم فِي الْمَسْجِدِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ). ([21])



ولنحذر أثناءَ الأكلِ والشُّرب في المسجد؛ أن يتساقطَ على فراش المسجد فُتاتُ خبزٍ أو حبّاتُ أرُزّ، أو قطراتٌ من العصير أو اللبن، فتلوّثَ بيتَ الله جل جلاله، فإن حدثَ وسقط شيء فنظِّفْه أنت مباشرة، لئلا تُكتبَ عليك خطيئة.



عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: "أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا"). ([22])



فإذا كانت هذه البيوتُ، هذه المساجدُ أحبَّ البلاد إلى الله، فلتتذكر ذلك عندما تتوجّه إلى بيت من بيوت الله، وأن تكون متنظِّفًا متطيبا متعطرا، لابسا أحسن الثياب، لأنك ستقابل الله سبحانه وتعالى في بيت من بيوته، سيكرمك الله إذا توجهت إليه بإخلاص.



تنظَّف من الروائح الخبيثة، سواء كانت حلالاً كالثوم والبصل، أو غير ذلك، توجه إلى الله ("... وَاسْتَحِيِ مِنَ اللهِ اسْتِحْيَاءَكَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِكَ..."). ([23])، فاستحيِ من الله كما تستحي من كبير قومك؛ من وزير أو ملك أو رئيس، هل تقف أمام هذا المخلوق كما تقف أمام الله بالعرق والروائح الكريهة.



يا عبد الله؛ استحيِ من الله، فلنكن مع الله عز وجل يا عباد الله، ولنكن دائما على المحافظة على بيوت الله، ولنجنبها مما يغضب الله سبحانه وتعالى، وإذا دخلنا بيت الله فلنستحضر عظمة الله سبحانه وتعالى، فإن كنّا لا نراه فهو يرانا، سبحانه!



نأتي إلى بيت من بيوت الله لنأخذ الكرامات من الله، أنتم ضيوف على الله، تركتم خلفكم الأموال والنساء والأطفال، وتركتم خلفكم الأعمال والأشغال، فلا تضيعوا هذا الوقت في معصية الله، وفيما يغضب الله، النبي صلى الله عليه وسلم رأى بصاقا في قبلة المسجد فغضب عليه الصلاة والسلام وحكه بثوبه، وفي رواية: حكه بعرجون نخل، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ؛ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ الْعَرَاجِينَ، وَلَا يَزَالُ فِي يَدِهِ مِنْهَا، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَرَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ مُغْضَبًا)، فَقَالَ: ("أَيَسُرُّ أَحَدَكُمْ أَنْ يُبْصَقَ فِي وَجْهِهِ؟ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَا يَتْفُلْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا فِي قِبْلَتِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ عَجِلَ بِهِ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ هَكَذَا")، وَوَصَفَ لَنَا ابْنُ عَجْلَانَ ذَلِكَ؛ أَنْ يَتْفُلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ يَرُدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ. ([24])



وقال هذا الحديث الذي سمعتموه: (البصاق أو النخامة أو النخاعة في المسجد خطيئة؛ وكفارتها دفنها)، أي: إزالتها ورفعها وعدم إبقائها؛ إما بدفنها وتغويرها في المسجد إذا كان ترابا، وإما بإخراجها، فإذا تعسر على الإنسان وسابقه بلغم أو نخامة أو ما شابه ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (فليقل بثوبه هكذا)، يعني يتفل ويمسحه بثوبه؛ لأن هذا يغسل، ولا إثم، ولك أجر إن شاء الله على ذلك، لكن الخطيئة إذا بقيت هذه في المسجد.



بعض الناس يُخرج ما في جيوبه وينفضها في المسجد، فنسأل الله السلامة.



بيوت الله يجب أن نعظمها وما دمنا كذلك، إن حلَّينا وزخرفنا بيوت الله، ولم نستفد من هذه الزخرفة في طاعة الله فعلينا الدمار.



عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِذَا زَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ، وَحَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ، فَالدَّمَارُ عَلَيْكُمْ"). ([25])



كما هو حادث الآن، دمار على المسلمين؛ اهتموا بالبناء العام، ولم يهتموا ببناء الإنسان، الأخلاق والمحبة والمودة بين المصلين والمسلمين شبه منعدمة؛ إلا من رحم الله سبحانه وتعالى.



في هذا اليوم الفضيل يوم الجمعة علينا أن نكثر من الصلاة والسلام عليه، صلى الله عليه وسلم، فقد صلى عليه الله في كتابه، وصلت عليه الملائكة، وأمر المؤمنين بالصلاة عليه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. (الأحزاب: 56).



اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين.



اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.



اللهم وحد صفوفنا، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم أزل الغل والحقد والحسد والبغضاء من صدورنا، وانصرنا على عدوك وعدونا، برحمتك يا أرحم الراحمين.



وأقم الصلاة؛ {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}. (العنكبوت: 45).



جمعها من مظانها وخطبها



أبو المنذر/ فؤاد بن يوسف أبو سعيد نفع الله به البلاد والعباد.



بمسجد الزعفران- المغازي- الوسطى- غزة- فلسطين حرسها الله.



6/ شعبان/ 1440هـ،



وفق: 12/ 4/ 2019م.




 






([1]) (جة) (738).





([2])(م) 123- (432).





([3]) الحديث بزوائده: (ت) (322)، (د) (1079)، (س) (714)، (715)، (جة) (749)، (766)، (1133)، (حم) (6676).





([4]) عون المعبود (3/ 43).





([5]) (قط) (3101)، (د) (4490)، (هق) (20054)، (حم) (15617), (ش) (28647)، وحسنه الألباني في الإرواء: (2327)، وهداية الرواة: (701).





([6]) (خ) (405), (م) 55- (552)، (ت) (572)، (س) (723).





([7]) (م) 57- (553)، (خد) (230)، (جة) (3683).





([8]) (خ) (7359).





([9]) (م) 72- (563).





([10]) (م) 100- (285).





([11]) (د) (449)، (س) (689)، انظر الثمر المستطاب (1/ 465).





([12]) عون المعبود (1/ 484).





([13]) (حب) (1613)، صَحِيح الْجَامِع: (6816)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.





([14]) (د) (448)، (جة) (740)، صححه الألباني في المشكاة: (718)، وقال في تخريج كتاب (إصلاح المساجد من البدع والعوائد ح94) عن قول ابن عباس: صحيح في حُكم المرفوع.





([15]) نيل الأوطار (3/ 197).





([16]) نيل الأوطار (3/ 198).





([17]) الْبُخَارِيُّ (ج1 ص: 96).





([18]) (م) (100).





([19]) (د) (456)، (حم) (23195), (طب) (ج7/ ص252 ح7027)، (هق) (4107).





([20]) (ت) (594)، (د) (455)، (جة) (758)، (حم) (26429).





([21]) (جة) (3300)، (حب) (1657).





([22]) (م) 288- (671), (خز) (1202)، (1293) (حب) (1600)، (هق) (4763).





([23]) أخرجه ابن نصر المروزي في الإيمان (ق 226/ 1)، والبزار (2172- كشف الأستار)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (951)، الصَّحِيحَة: (3559).





([24]) (د) (480).





([25]) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 100 / 2- مخطوطة الظاهرية)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (585)، الصحيحة: (1351)، الثمر المستطاب (ج1ص465).





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة