التعليق على صحيح الإمام مسلم



المجلس رقم: (89)



قراءة وشرح وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الزعفران- 8/ 8/ 1440هـ، الموافق: 14/ 4/ 2019م



كتاب رقم: (15): كتاب الرَّضاع



الباب رقم: (2): باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل



أي: هذا باب في بيان أن سبب التحريم من الرضاعة هو الرجل، فبسببه تنتشر حرمة الرضاع، وأورد تحته الحديث:



(875) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (جَاءَ عَمِّي مِنْ الرَّضَاعَةِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: إِنَّ عَمِّي مِنْ الرَّضَاعَةِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ عَمُّكِ"). قُلْتُ: (إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ؟!) قَالَ: ("إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ"). (م4/ 163)، (م) 3، 4- (1445)، (خ) 2644، (4796)، (5103)، (5239)، (6156)، (حم) (24054) (24085)، (24102)، (25443)، (25620)، (25651)، (25823)، (26334). (د) (2057)، (ت) (1148)، (س) (3301)، (3316)، (3317)، (3318)، (جة) (1948).



شرح الحديث بزوائده:



(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ)، ...؛ (أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: اسْتَأذَنَ عَلَيَّ أَفْلَح؛ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ)، ... [كنيته أبو الجعد]. تهذيب الأسماء واللغات (1/ 124).



استأذن على عائشة رضي الله عنها (بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ)، [فِيهِ أَنه يجوز للْمَرْأَة أَن تَأذن للرجل الَّذِي لَيْسَ بِمحرم لَهَا فِي الدُّخُول عَلَيْهَا، وَيجب عَلَيْهَا الاحتجاب مِنْهُ بِالْإِجْمَاع، وَمَا ورد من بروز النِّسَاء فَإِنَّمَا كَانَ قبل نزُول الْحجاب، وَكانت قصَّة أَفْلح مَعَ عَائِشَة بعد نزُول الْحجاب، كَمَا صرح بِهِ هُنَا]. عمدة القاري (20/ 98)



 (فَلَمْ آذَنْ لَهُ)، ومنعته من الدخول.



(فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّك!)  في الرضاعة؟! ومحرما لك.



(فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟!) كيف أنت عمي؟!



(قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي)، أبي القُعَيس.



(قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ) بناء على أن المرضعة امرأة، وهل تنتشر حرمةُ الرضاعة من جهة الرجل؟ حتى تكونَ أنت عمّي؟ لكن؛ أنتظرُ (حَتَّى أَسْتَأذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي)، (وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ)،



(قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ!) لي مسألة أريد جوابها؛ (إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ) ... (جَاءَنِي يَسْتَأذِنُ عَلَيَّ)، بالدخول (فَكَرِهْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ) أن يدخلَ (حَتَّى أَسْتَأذِنَكَ؟) وأسمع قولك؟



(فَقَالَ لَهَا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "وَمَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَأذَنِي لِعَمِّكِ؟!")، أي: لا مانع من أن تأذني له؛ لأنه أصبح عمُّك من الرضاعة. وفي رواية: ("فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ عَمُّكِ").



(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبَا قُعَيْسٍ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ!) فهل تنتشر حرمة الرضاعة من جهة الرجل أيضا؟!



قالت عائشة رضي الله عنها: (فَقَالَ لِي رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم) مؤكدًا: ("ائْذَنِي لَهُ حِينَ يَأتِيكِ")، وَ ("لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ")؛ لأنه أصبحا محرما لك على التأبيد، (فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ)، [كلمة تقولها العرب ولا يريدون حقيقتها إذ معناها افتقرت يمينك وقيل المعنى ضعف عقلك إذا قلت هذا أو تربت يمينك إن لم تفعلي]. شرح القسطلاني (7/ 304)



("فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ").



فوائد وأحكام:



1- [فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ لَبَن الْفَحْلِ يُحَرِّمُ حَتَّى تَثْبُتَ الْحُرْمَةُ فِي جِهَة صَاحِبِ اللَّبَن، كَمَا تَثْبُت مِنْ جَانِب الْمُرْضِعَة، فَإِنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَثْبَتَ عُمُومَةَ الرَّضَاعِ، وَأَلْحَقَهَا بِالنَّسَبِ، فَثَبَتَ حُرْمَةُ الرَّضَاع بَيْنه وَبَيْن الرَّضِيع، وَيَصِيرُ وَلَدًا لَه، وَأَوْلَادُه إِخْوَةُ الرَّضِيع وَأَخَوَاتُه، وَيَكُون إِخْوَتُه؛ (إخوةُ زوجِ المرأةِ المرضِعةِ) أَعْمَامُ الرَّضِيع، وَأَخَوَاتُه عَمَّاتُه، وَيَكُون أَوْلَادُ الرَّضِيعِ أَوْلَاده.



وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَفُقَهَاء الْأَمْصَار...  وَحُجَّتهمْ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح...



وَأَيْضًا، فَإِنَّ سَبَبَ اللَّبَن هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُون الرَّضَاعُ مِنْهُمَا، كَالْجَدِّ لَمَّا كَانَ سَبَبَ الْوَلَد؛ أَوْجَبَ تَحْرِيم وَلَدِ الْوَلَد بِهِ؛ لِتَعَلُّقِهِ بِوَلَدِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ اِبْنُ عَبَّاس بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة: اللِّقَاح وَاحِد. أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة]. عون المعبود عون المعبود وحاشية ابن القيم (6/ 41، 42).



2- [فيه دليل على وجوب احتجاب النساء من الرجال غير المحارم، مع صريح القرآن في ذلك، فقد كان التعذُّر في أول الإسلام فبقى على عادة الجاهلية، حتى حرم سنة خمس من الهجرة، وهكذا جميع الشرائع الإسلامية لم يُلزَم الناس بها دفعةً واحدة، أو في سنة واحدة، وإنما تنزل شيئاً فشيئا، يستدرج بها الشارع الحكيم الناس لتخفَّ عليهم فيقوموا بها، والله حكيم في شرعه، عليم بأحوال خلقه]. تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: 628)



3- [الردّ على من كره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها، كما ذُكر ... عن عكرمة والشعبي]. شرح القسطلاني (7/ 305)



4- [فِيهِ دَلِيل على أَن الْأَمر المتردد فِيهِ التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة لَيْسَ لمن لم يتَرَجَّح عِنْده أحد الطَّرفَيْنِ الْإِقْدَام عَلَيْهِ، خُصُوصا بعد نزُول الْحجاب، وَتردد عَائِشَة فِيهِ هَل هُوَ محرم فتأذن لَهُ؟ أَو لَيْسَ بِمحرم فتمنعه؟ فامتنعت تَغْلِيبًا للتَّحْرِيم على الْإِبَاحَة]. عمدة القاري (20/ 98)



باب رقم: (3): باب تحريم ابنةِ الأخِ من الرضاعة



وهذا بابٌ بين فيه المصنف أن الحرمة تنتشر إلى ابنة الأخ من الرضاعة، وأورد تحته الحديث:



(876) عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَكَ تَنَوَّقُ في قُرَيْشٍ وَتَدَعُنَا)، فَقَالَ: ("وَعِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟!) قُلْتُ: (نَعَمْ! بِنْتُ حَمْزَةَ) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ"). (م4/ 164)، (م) 11- (1446)، (س) (3304)، (حم) (620).



شرح الحديث:



[(عن علي) بن أبي طالب رضي الله عنه (قال: قلت: يا رسول الله! مالك) أيْ: أيُّ شيءٍ ثبت لك (تَنَوَّقُ) أي تتنوق، بحذف إحدى التاءين؛ لأنه من باب تفعل الخماسي، أي: تختار وتُصفِّي وتُنقِّي (في) نساء (قريش) وتبالغ في الاختيار منها للزواج (وَتَدَعُنَا)؛ أي: وتتركُ الزواجَ من نساء بني هاشم، ونساؤنا أقرب نسبًا منك؟!



قوله: (تَنَوَّقُ في قريش) من التنوُّق؛ وهو المبالغة في اختيار الشيء، يريد على أنك تبالغ في اختيار الزواج من قريش غيرنا، وتدعنا معاشر بني هاشم اهـ من بعض الهوامش.



وقال القرطبي: هذا الحرف =أي: لفظ التنوق= عند أكثر الرواة بفتح النون والواو وتشديدها، وهو فعل مضارع محذوف منه إحدى التاءين، وماضيه تَنَوَّقَ على وزن تَفَعَّلَ؛ ومصدره تنوُّقًا؛ أي: بالغ في اختيار الشيء وانتقائه.



وعند العذريّ والهوزنيّ وابنِ الحذّاء: تَتُوْقُ بوزن تَقَولُ؛ بضم التاء الثانية، من تاق يتوق توقًا وتوقانًا؛ إذا اشتاق. اهـ من المفهم.



يعني تميل إلى نساء قريش وتشتهي الزواج منهم (وتدعنا)؛ أي: وتترك بنات بني هاشم ولا تنكح منها؟!



 (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه أ("وعندكم شيء") بتقدير همزة الاستفهام، وهل عندكم معاشر الهاشميين شيءٌ من البنات تليق بي؟!



(قال) عليٌّ (قلت) له صلى الله عليه وسلم: (نعم!) عندنا (بنتُ) عمِّك (حمزةَ) بن عبد المطلب.



(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها لا تحل لي؛ إنها بنت أخي من الرضاعة")



وعرْضُ عليٍّ رضي الله عنه بنتَ حمزةَ على النبي صلى الله عليه وسلم ليتزوجَها؛ كأنه لم يعلم بأخوَّةِ حمزةَ له من الرضاعة؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم وحمزةَ بنَ عبد المطلب رضي الله عنه عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أرضعتهما ثويبةُ مولاةُ أبي لهب، حكاه ابن الأثير.



وبعيد أن يقال: إنه لم يعلم بتحريم ذلك. اهـ من المفهم.



قوله: (بنتُ حمزة) =قال ابن حجر: [وَجُمْلَةُ مَا تَحَصَّلَ لَنَا مِنَ الْخِلَافِ فِي اسْمِهَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ أُمَامَةُ وَعِمَارَةُ وَسَلْمَى وَعَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ وَأَمَةُ اللَّهِ وَيَعْلَى]. فتح الباري لابن حجر (9/ 142)



وذكر الحافظ في باب عمرة القضاء فتح الباري لابن حجر =(7/ 505)=؛ والمشهور أن اسمها عمارة، وكانت مع أمِّها بمكَة، فخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم عند العودة من عمرة القضاء، فاختصم في حضانتها عليٌّ وزيدٌ وجعفر، كما في صحيح البخاري من حديث البراء رضي الله عنه.



قوله: ("إنها ابنة أخي من الرضاعة")، وزاد الشافعي من طريق سعيد بن المسيب عن عليّ: ("وأن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب") كما في ترتيب مسند الشافعي للسندي (2 - 21 رقم 61).



وكأنّ عليًّا لم يعلم بأنّ حمزةَ رضيعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.



أو جَوَّز الخصوصية، أو كان ذلك قبل تقرير الحكم.



وكانت ثويبةُ أرضعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعدما أرضعت حمزة، وكان حمزةُ أسنَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، وقيل: بأربع، وثويبة كانت مولاةً لأبي لهبٍ عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقها حيث بلَّغتْه خبر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم.



واختلف في إسلامها، وذكرها ابن منده في الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. اهـ من عمدة القاري (9/ 384).



فوائد وأحكام:



1- وفي الحديث دلالة على أنَّ لمن هو أدنى رتبة أن يشير على من هو أعلى منه على النكاح.



2- وعلى أنه لا بأس للرجل أن يعوِّض بنتًا من بنات أسرته أو قبيلته على أهل الدين.



3- وعلى أنه لا بأس بذكر جمالِ المرأة في مشورة النكاح.



4- وعلى أن للجمال دخْلًا في الرغبة في التزوج بامرأة اهـ ]. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 59- 61).



5- [أن بنت الأخ من الرضاعة لا تحل.



6- أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب]. فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام لشيبة الحمد (8/ 82)




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة