التعليق على صحيح الإمام مسلم



المجلس رقم: (86)



قراءة وشرح وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الزعفران- 17/ 7/ 1440هـ، الموافق: 24/ 3/ 2019م



كتاب رقم: (14): كتاب اللعان



باب رقم: (3): باب الولد للفراش



في هذا الباب بيان أن الولد المولود على فراش رجل من زوجته أو أمته فهو له، وإن ادعاه غيره أنه ابنه، إن لم ينكره صاحب الفراش بلعان.



وأورد تحته الحديث رقم:



(872) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ أَنَّهَا قَالَتْ: (اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ في غُلَامٍ)، فَقَالَ سَعْدٌ: (هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ)، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: (هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، مِنْ وَلِيدَتِهِ)، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ"، قَالَتْ: (فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ). (م4/ 171)، (م) 36- (1457)، (خ) (2053)، وغيرهما.



شرح الحديث بزوائده:



عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) =[هو الذي كسر ثنية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وقعة أُحد ومات على شركه] فعتبة هذا = (عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ)؛ =[أحد العشرة المبشرة وآخرهم موتًا رضي الله عنه، وهو أوّل من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد من فداه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأبيه وأمه]، عهد إليه= (أَنْ يَقْبِضَ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ)، =بن قيس العامري أي جاريته.=



وَقَالَ عُتْبَةُ: (إِنَّهُ ابْنِي)، (فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ فِي الْفَتْحِ) (أَخَذَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ)، =هو عبدُ الرحمن ابن وليدة زمعة= (فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَقْبَلَ مَعَهُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ). فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.



(فَقَالَ سَعْدٌ) =ابن أبي وقاص=: (هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ابْنُ أَخِي؛ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ)، (عَهِدَ إِلَيَّ) وأوصاني أن أستلحقه لـ(أَنَّهُ ابْنُهُ)، أولده من وليدة زمعة بن قيس، (انْظُرْ) يا رسول الله (إِلَى شَبَهِهِ) بعتبة بن أبي وقاص أخي،... وعند أحمد؛ عن عائشة رضي الله عنها؛ أنَّ عتبةَ بن أبي وقاصٍ قال لأخيه سعد رضي الله عنه: أتعلم أن ابن جارية زمعة ابني؟! قالت عائشة: فلما كان يوم الفتح؛ رأى سعدٌ الغلامَ فعرفه بالشبه، واحتضنه إليه، وقال: ابن أخي ورب الكعبة!



(وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بغير إضافة ابن قيس بن عبد شمس القرشي العامري أسلم يوم الفتح وهو أخو سودة أم المؤمنين: (هَذَا) الغلام (أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، والدليل على ذلك أنه (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ)، قال ابن الأثير: تُطلق الوليدة على الجارية والأمة وإن كانت كبيرة كذا في عمدة القاري، قال الحافظ: لم أقف على اسمها؛ لكن ذكر مصعب الزبيري وابن أخيه الزبير في نسب قريش؛ أنها كانت أَمَة يمانيَّةً زانيةً، وقد عدّ ابنُ جرير أسماء بغايا الجاهلية التي تُسمى صواحب رايات فذكر في جملتها (سريفة جارية زمعة)



(فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى شبهه) أي إلى شكل (ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ)، وصورته وقده ليَعرِفَ من يشبهه من المتداعيين (فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا) واضحا لا خفاء فيه، (بِعُتْبَةَ)، وفي رواية: (فَإِذَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ)، وفي رواية معمر عند أحمد قالت عائشة: فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شبهًا لم ير الناس شبهًا أبين منه بعتبة.



(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) لعبد بن زمعة: ("هُوَ لَكَ)؛ أي: الولد لأبيك، .. (هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ")، (-مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ-)،



(ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ")، معناه؛ أنه إذا كان للرجل زوجةٌ أو مملوكةٌ صارت فراشا له، فأتت بولدٍ لمدة الإمكان منه، لحقه الولد، وصار ولدا يجرى بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة سواء  كان موافقا له في الشبة أم مخالفا.



وفي رواية: ("الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ)، فصاحبُ زوج المرأة إن كانت حرّةً، أو لسيدها إذا كانت أمة، فهي فراش=، (وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ")، العاهر هو الزاني، فالعهر معناه الزنى، فالزاني ليس له إلا الخيبة والحرمان، وليس له الولد.



(ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ)؛ (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وأم المؤمنين رضي الله عنها، (أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ؛ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ).



فَـ (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ")، أي: من ابن زمعة بن قيس، اسم الابن عبد الرحمن بن زمعة، واسم الأمة سريفة، وكانت من بغايا قريش، أي: تستري منه.



("فَلَيْسَ لَكِ بِأَخٍ")، فاحتجبي منه احتياطًا؛ لأنه ليس بأخيك شبهًا، وإن كان أخاكِ شرعًا.



(قَالَتْ عَائِشَةُ: فَوَاللهِ مَا رَآهَا حَتَّى مَاتَتْ)، وفي رواية: قَالَتْ: (فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ)، أي: (فلم يَرَ) ذلك الولدُ وهو أخوها عبد الرحمن لم ير (سودةَ) بنت زمعةَ (قَطُّ) ظرفٌ مستغرقٌ لما مضى من الزمان، ملازم للنفي، وهي هنا بمعنى أبدًا.



الحديث بزوائده:



(خ) (2053)، (2218)، (2421)، (2533)، (2745)، (4303)، (6749)، (6765)، (6817)، (7182)، (م) 36- (1457)، (س) (3484)، (3485)، (3487)، (د) (2273)، (ت) (1157)، (جة) (2004)، (حم) (24086)، (24094)، (24975)، (25644)، (25894)، (26001)، (26093)، (ط) (2157)، (حب) (4105)، (حم) (16127)، (27419).



انظر شرح القسطلاني (4/ 8، 9)، الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 100- 103)



***



فوائد وأحكام:



1- [وأصل هذه القصة أنه كان لهم في الجاهلية إماء يزنين، وكانت السادة تأتيهن في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهن بولد؛ فربما يدّعيه السيد، وربما يدّعيه الزاني، فإذا مات السيد ولم يكن ادّعاه ولا أنكره، فادّعاه ورثته لحق به؛ إلا أنه لا يشارِك مستلحِقَه في ميراثه؛ إلا أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان السيدُ أنكره لم يلحق به.



وكان لزمعةَ بنِ قيسٍ والدِ سودةَ أمِّ المؤمنين أَمَةٌ على ما وُصِف، وعليها ضريبةٌ، وهو يُلِمُّ بها، فظهر بها حمل كان سيدها يظنُّ أنه من عتبة أخي سعد، فعهد عتبة إلى أخيه سعدٍ قبل موته أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة]. شرح القسطلاني (4/ 9).



2- [وَالْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي إلْحَاقِ الْوَلَدِ صَاحِبَ الْفِرَاشِ، وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ]. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 204).



3- [قال العيني: إنما قال هذا عقيب حكمه لعبد ابن زمعة إشارة بأن حكمه لم يكن بمجرد الاستلحاق بل بالفراش اهـ]. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 102).



4- [(قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش") دليل على أن الشبه وحكم القافة إنما يعتمد إذا لم يكن هناك أقوى منه؛ كالفراش، كما لم يحكم صلى الله عليه و سلم بالشبه في قصة المتلاعنين مع أنه جاء على الشبه المكروه...



4- (قوله صلى الله عليه وسلم: "واحتجبى منه يا سودة") فأمرها به ندبًا واحتياطا؛ لأنه في ظاهر الشرع أخوها؛ لأنه أُلْحِقَ بأبيها، لكن لما رأى الشبه البيَّنَ بعتبة بن أبي وقاص؛ خشى أن يكون من مائة، فيكون أجنبيا منها، فأمرها بالاحتجاب منه احتياطا...]. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (10/ 39).



5- [كانوا في الجاهلية يضربون على الإماء ضرائب يكتسبنها من فجورهن، ويلحقون الولد بالزاني إذا ادعاه.



فزنا عتبةُ بن أبي وقاص بأمة لزمعة بن الأسود، فجاءت بغلام، فأوصى (عتبة) إلى أخيه (سعد) بأن يلحق هذا الغلام بنسبه.



فلمَّا جاء فتح مكة، ورأى سعد الغلام، عرفه بشبهه بأخيه، فأراد استلحاقه.



فاختصم عليه هو، وعبد بن زمعة، فأدلى سعد بحجته وهي: أن أخاه أقرَّ بأنه ابنه، وبما بينهما من شبَه.



فقال عبد بن زمعة: هو أخي، وُلِد من وليدة أبي.



فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلام، فرأى فيه شبها بيناً بعتبة؛ لأن الأصل أنَّه تابع لمالك الأمة، فقد قضى به لزمعة، وقال: الولد للفراش، وللعاهر الزاني الخيبة والخسار، فهو بعيد عن الولد.



ولكن لما رأى شَبَهَ الغلام بعتبة، تورّع صلى الله عليه وسلم أن يستبيح النظر إلى أخته سودة بنت زمعة بهذا النسب، فأمرها بالاحتجاب منه، احتياطا وتورُّعاً.



6- أنّ الزوجة َتكون فراشاً بمجرد عقد النكاح، وأن الأمة فراش، لكن لا تعتبر إلا بوطء السيد، فلا يكفى مجرد الملك.



والفرق بينهما؛ أن عقدَ النكاح مقصود للوطء، وأما تملك الأمة، فلمقاصد كثيرة.



أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: أشار أحمد أنه لا تكون الزوجة فراشا إلا مع العقد والدخول المحقق، لا الإمكان المشكوك فيه.



قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح المجزوم به، وإلا فكيف تصير المرأة فراشا، ولم يدخل بها الزوج، ولم يبن بها.



7- أنّ الاستلحاق لا يختصُّ بالأب، بل يجوز من الأخ وغيره من الأقارب.



8- أن حكم الشبه إنما يُعتمَد عليه؛ إذا لم يكن هناك ما هو أقوى منه كالفراش.



9- قال العلماء، من المالكية، والشافعية، والحنابلة: أَمْرُ النبي صلى الله عليه وسلم زوجتَه سودة بالاحتجاب من الغلام؛ على سبيل الاحتياط والورع؛ لما رأى الشبه قويا بينه وبين عتبة بن أبي وقاص.



10- أن حكم الوطء المحرم كالحلال في حرمة المصاهرة.



ووجهه أن سودة أُمِرت بالاحتجاب، فدل على أن وطء عتبة بالزنا، له حكم الوطء بالنكاح، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.



وخالفهم المالكية والشافعية، فعندهم لا أثر لوطء الزنا، لعدم احترامه.



11- أن حكم الحاكم لا يغير الأمر في الباطن، فإذا عَلِم المحكومُ له أنه مبطل، فهو حرام في حقّه، ولا يبيحه له حكم الحاكم.



قال شيخ الإسلام: ومن وطئ امرأةً بما يعتقده نكاحا، فإنه يلحق به النسب، ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء، فيما أعلم، وإن كان ذلك النكاح باطلاً عند الله وعند رسوله =صلى الله عليه وسلم=، وكذلك كلُّ وطْءٍ اعتُقد أنه ليس حراما وهو حرام]. تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: 618، 619).



هذا والله سبحانه وتعالى أعلم



وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (4): باب قبول قول القافة في الولد.




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة