دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري



المجلس رقم: (126)



شرح وقراءة وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



أهل السنة- 14/ 7/ 1440هـ، وفق: 21/ 3/ 2019م



كتاب رقم: (8): كتاب الصلاة



باب رقم: (32): باب مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ



وَمَنْ لاَ يَرَى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ



وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَي الظُّهْرِ وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ.



(باب ما جاء في القبلة) غير ما ذكر (ومن لا يرى الإعادة) ... (على من سها فصلّى إلى غير القبلة) الفاء تفسيرية؛ لأنه تفسير لقوله: سها، =أو الفاء= للسببية كقوله تعالى: {فتصبح الأرض مخضرّة}. (الحج: 63)



وأصل هذه المسألة في المجتهد في القبلة، إذا صلّى به فتيقن الخطأ في الجهة في الوقت أو بعده فإنه يقضي على الأظهر.



والثاني: لا يجب القضاء لعذره بالاجتهاد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وإبراهيم النخعي والثوري؛ لأن جهة تحرّيه هي التي خوطب باستقبالها حالة الاشتباه، فأتى بالواجب عليه فلا يعيدها.



قال المالكية: يعيد في الوقت المختار وهو مذهب المدوّنة.



وقال أبو الحسن المرداوي من الحنابلة في تنقيح المقنع: ومَن صلّى بالاجتهاد سفرًا فأخطأ لم يعد. أهـ.



فلو تيقَّن الخطأ في الصلاة وجب استئنافها عند الشافعية والمالكية، ويستدير إلى جهة القبلة، ويبني على ما مضى عند الحنفية وهو قول للشافعية؛ لأن أهلَ قباء لما بلغهم نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة استداروا في الصلاة إليها.



(وقد سلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ركعتي الظهر) ... (وأقبل على الناس بوجهه) الشريف، (ثم أتمّ ما بقي) من الركعتين الأخيرتين.



وهذا التعليق قطعة من حديث أبي هريرة في قصة اليدين المشهور، ووجه ذكره في الترجمة أنه عليه الصلاة والسلام بانصرافه وإقباله على الناس بوجهه بعد سلامه، كان وهو عند نفسه الشريفة في غير صلاة، فلما مضى على صلاته، كان وقت استدبار القبلة في حكم المصلّي، فيؤخذ منه أن من اجتهد ولم يصادف القبلة لا يعيد.



وأورد البخاري تحت هذا الباب ثلاثة أحاديث؛



الحديث الأول برقم:



(402) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: (وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، وَآيَةُ الْحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ)...



حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا بِهَذَا.



الشرح:



(عن أنس) بن مالك (قال): (قال عمر) بن الخطاب رضي الله عنه:



(وافقت ربي في ثلاث)، أي: وافقني ربي فيما أردت أن يكون شرعًا، فأنزل القرآن على وِفق ما رأيت؛ لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه، كذا قال العيني كابن حجر وغيره.



لكن قال صاحب اللامع: لا يحتاج إلى ذلك، فإن مَن وافقك فقد وافقته انتهى.



قال في الفتح: أو أشار به إلى حدث رأيه وقدّم الحكم.



وقوله في ثلاث؛ أي: قضايا أو أمور، ولم يؤنّث مع أن الأمر مذكر؛ لأنّ التمييز إذا لم يكن مذكورًا جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث. =كما في الحديث: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ". (م) 204- (1164).=



وليس في تخصيصه العددَ بالثلاث ما ينفي الزيادة، فقد روي عنه موافقاتٌ بلغت الخمسة عشر: 1- أسارى بدر، 2- وقصة الصلاة على المنافقين، 3- وتحريم الخمر. =إلى غير ذلك من الموافقات.=



(قلت)...: (يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى) بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده، بحذف جواب لو، أو هي للتمني فلا تفتقر إلى جواب، وعند ابن مالك هي لو المصدرية أغنت عن فعل التمني.



(فنزلت: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. (البقرة: 125) وآيةُ الحجاب) برفع «آيةُ» على الابتداء، والخبر محذوفٌ، أي: كذلك. ([1]) (1/417)



 (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ) بفتح الـمُوحَّدة صفةٌ مُشبَّهةٌ (وَالْفَاجِرُ) الفاسق، وهو مقابل البَرِّ (فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ)؛ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ}. (الأحزاب: 59).



(وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ) بفتح الغين الـمُعجمَة؛ وهي الحميَّة والأَنَفة، (فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)، ليس فيه ما يدلُّ على أنَّ في النِّساء خيرًا منهنَّ؛ لأنَّ الـمُعلَّق بما لم يقع لا يجب وقوعه (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ).



1- (عمرو بن عون) بالنون؛ بن أوس بن الجعد السلمى، أبو عثمان الواسطي البزاز؛ بزايين، نزيل البصرة، البصرى، مولى أبى العجفاء السلمى، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي (225هـ) بـواسط، روى له: (خ م د ت س ق)، ثقة ثبت.



2- (هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة وسكون المثناة؛ ابن بشير؛ بفتح الموحدة وكسر المعجمة، ابن القاسم أبو معاوية بن أبى خازم، الواسطي، ولد (104هـ)، من الطبقة (7) من كبار أتباع التابعين، توفي (183هـ) بـبغداد، روى له (ع)، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي.



3- (حميد) بن أبى حميد الطويل البصري.



4- (أنس) بن مالك.



5- (عمر) بن الخطاب رضي الله عنه.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ).



رواة الحديث ما بين بصري وواسطي، وفيه التحديث والعنعنة، وفيه رواية صحابي عن صحابي، وأَمِنَّا من تدليس الطويل؛ فقد جاء بالإسناد التالي الذي فيه سماعه من أنس.



وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) سعيد بن محمد بن الحكم ... (أخبرنا يحيى بن أيوب) الغافقي، (قال: حدّثني) بالإفراد (حميد) الطويل (قال: سمعت أنسًا)، أي: ابن مالك (بهذا)، أي: بالحديث المذكور سندًا ومتنًا.



وفائدة إيراد هذا الإسناد؛ ما فيه من التصريح بسماع حميد من أنس، فحصل الأمنُ من تدليسه.



واستُشكل؛ بأن يحيى بن أيوب لم يحتجّ به البخاري، وإن خرّج له في المتابعات.



وأُجيب: بأن هذه من جملة المتابعات، ولم ينفرد يحيى بن أيوب بالتصريح المذكور، فقد أخرجه الإسماعيلي من رواية يوسف القاضي عن أبي الربيع الزهراني عن هشيم؛ أخبرنا حميد حدّثنا أنس قاله في الفتح.



=أقول أنا أبو المنذر فؤاد: وأَمِنَّا من تدليس وإرسال هُشَيم؛ بإخبار حميد له عند الإسماعيلي.=



***



الحديث الثاني برقم: (403) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: (بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ؛ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ)...



الشرح:



(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما (قال):



(بينا الناس بقُبَاءٍ) بالمدِّ والتذكير والصرف على الأشهر؛ أي: بينا الناس بمسجد قباء وهم (في صلاة الصبح)، ولا منافاة بين قوله هنا الصبح، وقوله في حديث البراء: العصر؛ إذ المجيء إلى بني حارثة داخل المدينة، وإلى بني عمرو بن عوف بقباء وقت الصبح.



وقوله: «بينا» أُضيف إلى المبتدأ والخبر، وجوابه قوله: (إِذْ جَاءَهُمْ)، أي: أهل قُبَاءٍ (آتٍ) بالمدِّ؛ هو عبَّاد بن بِشْرٍ؛ بتشديد الـمُوحَّدة الأولى وكسر الثَّانية (فقال: إنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قد أُنزِل عليه اللَّيلة قرآنٌ) بالتَّنكير لأنَّ القصد البعض، وفي رواية الأَصيليِّ: (القرآن) بـ «ال» الَّتي للعهد، أي: قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ}. (البقرة: 144) الآيات، وأطلق اللَّيلةَ على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا.



(وَقَدْ أُمِرَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (أَنْ)، أي: بأن (يَسْتَقْبِلَ)، أي: باستقبال (الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا) بفتح الـمُوحَّدة عند جمهور الرُّواة على أنَّه فعلٌ ماضٍ، ويُكسَر عند البعض على أنَّه أمرٌ.



(وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأمِ) تفسيرٌ من الرَّاوي للتَّحوُّل المذكور، والضَّمير في: «فاستقبلوها» و«وجوههم» لأهل قباءٍ، أو للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومَن معه، وفي رواية ...: (فاستقبِلوها) بكسر الـمُوحَّدة، بصيغة الأمر لأهل قباءٍ، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في «التَّفسير» (خ) (4488): «وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها»، (فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ)؛ بأن تحوَّل الإمام من مكانه في مُقدَّم المسجد إلى مُؤخَّره؛ لأنَّ من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار -كما هو في حديثه- لم يكن خلفه مكانٌ يسع الصَّرف، ثمَّ تحوَّلت الرِّجال حتَّى صاروا خلفه، وتحوَّل النِّساء حتَّى صِرْنَ خلف الرِّجال.



واستُشكِل؛ هذا لما فيه من العمل الكثير في الصَّلاة!



وأُجيب؛ باحتمال وقوعه قبل التَّحريم، أو لم تتوالَ الخُطَا عند التَّحويل، بل وقعت مُفرَّقةً.



واستنبط من الحديث:



1- أن الذي يؤمر به عليه الصلاة والسلام يلزم أمته.



2- وأن أفعاله يؤتسى بها كأقواله، حتى يقوم دليل على الخصوصية،



3- وأن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلّف حتى يبلغه.



4- وقبول خبر الواحد.



ووجه استدلال المؤلّف به؛ أنهم صلّوا إلى القبلة المنسوخة التي هي غير القبلة الواجب استقبالها، جاهلين بوجوبه، ولم يؤمروا بالإعادة.



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ).



1- (عبد الله بن يوسف) التنيسي، أبو محمد الكلاعى المصرى.



2- (مالك بن أنس)... المدني.



3- (عبد الله بن دينار) القرشى العدوى، أبو عبد الرحمن المدنى، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، من الطبقة (4) طبقة تلى الوسطى من التابعين، توفي (127هـ)، روى له (ع).



4- (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ).



رواة هذا الحديث مصري ومدنيان أئمة مشهورون، وفيه التحديث والأخبار والعنعنة والقول، ...



***



الحديث الثالث برقم: (404): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟" قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ). (1/418)



الشرح:



(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (قال):



(صلّى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر خمسًا)، أي: خمس ركعات، (فقالوا: أزيد في الصلاة، قال) عليه الصلاة والسلام: ("وما ذاك")، أي: ما سبب هذا السؤال؟



(قالوا: صلّيت خمسًا) قال: (فثنى) عليه الصلاة والسلام؛ أي عطف (رجليه) بالتثنية ... (وسجد سجدتين) للسهو.



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ).



1- (مسدد) هو ابن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدى، أبو الحسن البصرى.



2- (يحيى) بن سعيد بن فروخ القطان التميمى، أبو سعيد البصرى، ولد (120هـ)، توفي (198هـ)، روى له(ع).



3- (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكى، أبو بسطام الواسطى ثم البصرى، توفي (160هـ) بـالبصرة.



 4- (الحكم) بن عتيبة الكندى، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، الكوفى، من الطبقة (5) من صغار التابعين، ولد سنة (46هـ)، وتوفي (113هـ)، أو بعدها، روى له (ع)، ثقة ثبت فقيه؛ إلا أنه ربما دلس، صاحب سُنَّة.



5- (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعى، أبو عمران الكوفى، ولد (46هـ) تقريبا، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي (96هـ)، روى له (ع).



6- (علقمة) بن قيس النخعي علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعى، أبو شبل الكوفى، من الطبقة (2) من كبار التابعين، توفي بعد (60هـ)، وقيل: بعد (70هـ) بـالكوفة، روى له (ع).



7- (عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ).



رواته سبعة فيه بصريون وكوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه التحديث والعنعنة.



ولما فرغ المؤلّف من بيان أحكام القبلة شرع في بيان أحكام المساجد فقال:



باب رقم: (33): باب حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ



 (باب حكِّ البزاق) بالزاي لغة كالصاد والسين (باليد من المسجد) سواء كان بآلة أم لا.



وأورد تحته ثلاثة أحاديث؛



الحديث الأول برقم: (405): حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ؛ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ)، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ». ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا».



الشرح:



 (عن أنس) بن مالك رضي الله عنه؛ (أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى نخامة) بالميم مع ضم النون وهي ما يخرج من الصدر أو من الرأس (في) الحائط الذي في جهة (القبلة، فشق ذلك عليه) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حتى رئي) بضم الراء وكسر الهمزة وفتح الياء، =وفي نسخة=: حتى "ريء" بكسر الراء وسكون الياء آخره همزة؛ أي: شوهد (في وجهه) أثر المشقة، وفي رواية النسائي: فغضب حتى احمرّ وجهه.



(فقام) عليه الصلاة والسلام (فحكه)؛ أي: أثر النخامة (بيده، فقال) عليه الصلاة والسلام: ... ("إن أحدكم إذا قام في صلاته") بعد شروعه فيها، ("فإنه يناجي ربّه")، من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنه يناجيه تعالى، والربّ تعالى يناجيه =ولكنه لا يسمعه=، ... ("أو إن") بفتح الهمزة وكسرها ... ("ربهَّ")؛ أي: اطّلاع ربّه على ما ("بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ")؛ ... فيجب على المصلّي إكرامَ قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب؛ أن تتنخَّم في توجُّهك إلى رب الأرباب، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على مَن توجّه إليه قاله ابن بطال.



(فلا يبزقَنَّ) بنون التوكيد الثقيلة ... (أحدُكم قِبَل) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي: جهة (قبلته) التي عظمها الله تعالى فلا تقابل بالبزاق، المقتضي للاستخفاف والاحتقار، والأصح أن النهي للتحريم.



(ولكن) يبزق (عن يساره)؛ أي: لا عن يمينه، فإن عن يمينه كانت الحسنات، كما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح، (أو تحت قديمه) بالتثنية، =وفي نسخة:= قدمه؛ أي: اليسرى كما في حديث أبي هريرة في الباب الآتي.



قال النووي: هذا في غير المسجد، أما فيه فلا يبزق إلاّ في ثوبه، (ثم أخذ) عليه الصلاة والسلام (طرف ردائه، فبصق فيه، ثم ردّ بعضه على بعض، فقال: "أو يفعل هكذا") ...؛ أي: ولكن ليبزق عن يساره، أو يفعل هكذا.



وفيه البيان بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، وليست لفظة "أو" هنا للشك بل للتنويع؛ أي هو مخيّر بين هذا وهذا...



رجال الحديث:



(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ).



1- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، البلخي البغلاني.



2- (إسماعيل بن جعفر) ابن أبى كثير الأنصاري الزرقى مولاهم، أبو إسحاق المدنى القارىء، من الطبقة (8) من الوسطى من أتباع التابعين، توفي (180هـ) بـبغداد.



3- (حميد) الطويل بضم الحاء، ابن أبى حميد الطويل البصرى، من صغار التابعين، توفي (142هـ).



4- (أنس) بن مالك رضي الله عنه.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ).



فيه التحديث والعنعنة، ورجاله ما بين بلخي ومدني وبصري.



وأخرج هذا الحديث المؤلّف في كفّارة البزاق في المسجد وفي باب إذا بدره البزاق وفي غيرهما، وكذا مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي.



الحديث الثاني برقم: (406): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّه)ُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى».



الشرح:



 (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما: (أن رسول الله وصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رأى بصاقًا) وهو ما يسيل من الفم (في جدار القبلة)، =وفي نسخة=: في جدار المسجد (فحكّه)؛ أي: البصاق، (ثم أقبل على الناس فقال: "إذا كان أحدكم يصلّي فلا يبصق قبل") بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي: قدَّام (وجهه)، ويبصق بالجزم على النهي، ("فإن الله")، أي: القصد منه تعالى، أو ثوابه عز وجل، أو عظمته (قبل وجهه)؛ أي: المصليّ (إذا صلّى)، وهذا التعليل يرشد إلى أن البصاق في القبلة حرام؛ سواء كان في المسجد أم لا. (1/ 419)



الحديث الثالث برقم: (407): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ مُخَاطًا -أَوْ بُصَاقًا أَوْ نُخَامَةً- فَحَكَّهُ).



الشرح:



(عن عائشة أم المؤمنين) رضي الله عنها؛ (أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى في جدار القبلة مخاطًا)؛ هو السائل من الأنف، (أو بصاقًا) من الفم، (أو نخامة) من الصدر وهي النخاعة، أو النخاعة بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس، (فحكّه)؛ أي: الذي رآه في الجدار.



=قال العيني: ذكر مَا يستنبط مِنْهُ:



1- تَعْظِيم الْمَسَاجِد عَن أثفال البدن، وَعَن القاذورات بِالطَّرِيقِ الأولى.



2- وَفِيه: احترام جِهَة الْقبْلَة.



3- وَفِيه: إِزَالَة البزاق وَغَيره من الأقذار من الْمَسْجِد.



4- وَفِيه: أَنه إِذا بزق يبزق عَن يسَاره، وَلَا يبزق أَمَامه؛ تَشْرِيفًا للْقبْلَة، وَلَا عَن يَمِينه تَشْرِيفًا للْيَمِين، وَجَاء فِي رِوَايَة البُخَارِيّ (خ) (416): (فَإِن عَن يَمِينه ملكا) ، ...



5- وَفِيه أَن البزاق طَاهِر، وَكَذَا النخامة طَاهِرَة، ...]. بتصرف عمدة القاري (4/ 149، 150)



6- [قوله: "فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى" هذا وأمثاله من أحاديث الصفات مما يجب الإيمان به، وإثباتُه كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلا تأويل، ولا تشبيه، ولا تعطيل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. (الشورى: 11).



وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في جملة كلامه في آيات الصفات وأحاديثها ما نصه: وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قبل وجهه، فلا يبصق قبل وجهه"... الحديث حقٌّ على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي.



بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء، أو يناجي الشمس والقمر، لكانت السماء، والشمس، والقمر فوقه، وكان أيضًا قبل وجهه.



وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بذلك- ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليًا به"، فقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله، وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سأنبيك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخليًا به، وهو آية من آيات الله، فالله أكبر". انظر تمام كلامه في مجموع الفتاوى (ج5 ص107)]. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (9/ 103).



7- [ومنها: مشروعية إنكار المنكر لمن رآه، وإزالته باليد، ...



8- ومنها: غضب الإِمام على رعيته وزجرهم إذا رأى منهم إخلالاً بأمر من أمور الشرع، فعند أبي داود "فتغيظ على الناس". وفي حديث أنس في الصحيح "فشق ذلك عليه، حتى رئي في وجهه".



9- ومنها: وجوب احترام القبلة وتعظيمها، وقد علل ذلك بقوله: "فإن الله عَزَّ وَجَلَّ قبل وجهه"...



وفي صحيحي ابن خزيمة، وابن حبان من حديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعًا: "من تَفَلَ تُجَاه القبلة جاء يوم القيامة، وتَفْلُهُ بين عينيه"،



وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: "يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه".



ولأبي داود، وابن حبان، واللفظ لأبي داود من حديث السائب بن خلاد رضي الله عنه: "أن رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في القبلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ: "لا يصلي لكم"، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "نعم"، وحسبت أنه قال: "إنك آذيت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم". والله تعالى أعلم]. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (9/106، 108).



والله تعالى أعلم



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (34): باب حَكِّ الْمُخَاطِ بِالْحَصَى مِنَ الْمَسْجِدِ.







([1]) وفصل القسطلاني في الإعراب فقال: [... أو على العطف على مُقدَّرٍ، أي: اتِّخاذ مُصلَّى وآيةُ الحجاب، وبالنَّصب على الاختصاص، وبالجرِّ عطفًا على مقدَّر، أي: اتخاذ مصلَّى من مقام إبراهيم، وهو بدلٌ من قوله: «ثلاثٍ»].






  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة