النبع الجاري



شرح صحيح الأدب المفرد للبخاري



جمع وإعداد وشرح



صاحب الفضيلة/ الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



المسعود- 12/ 7/ 1440هـ، وفق: 19/ 3/ 2019م



المجلس رقم: (36): الباب رقم: (46): بَابُ الْوَصَاةِ بِالْجَارِ- (55)



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد؛



بعد الكلام على الوصاة بالوالدين والأرحام والأولاد والأقارب، شرع المصنف بالكلام على الوصاة بالجيران، فقال باب الوصاة بالجار، وأورد تحته حديثين، الحديث الأول:



(74/ 101) (صحيح) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سيورثه".



التخريج:



(خ) (6014)، (م) 140- (2624)، (ت) (1942)، (د) (5151)، (جة) (3673)، (حم) (24260)، وغيرهم.



الشرح:



سَبب ورود هذا الحديث، يعني النبي صلى الله عليه وسلم لماذا قال هذا الكلام؟ السبب كَمَا ورد فِي تاريخ دمشق لابن عساكر رحمه الله (55/ 258) بإسناده عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه قال:



(مررت؛ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا)، =جبل الصفا الذي ذكره الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}. (البقرة: 158)، والطواف بينهما ركن من أركان الحج، وركن من أركان العمرة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم واقفا على الصفا= (واضعا خدَّه على خدِّ رجل)، =يعني قريب من رجل كأن بينهما حديثا خاصا=، (واضعا يده على يد رجل)، =يعني يمسك بيده ومقترب جدا من هذا الرجل=، قال: (فذهبت) =يعني ترك النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجل فلم كلم ولم يسلم، وذهب، قال:= (فلم ألبث أن ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم)، قال: (فقمت له)، فقال: ("يا محمد") =النبي ينادي محمد بن مسلم، يا محمد؛= ("ما منعك أن تُسَلِّم؟!") =أي لمَ لم تقل: السلام عليكم؟=



قال محمد بن مسلمة:



(يا رسول الله رأيتك فعلت بهذا الرجل شيئا ما فعلته بأحد من الناس)، =مقترب منه جدا، كأنك تسر له في شيء، وتكلمه كلاما لا يسمع، فما سلمت حتى لا يحصل الإزعاج لك=، (فكرهتُ أن أقطع عليك حديثك، من كان يا رسول الله؟!) =هذا الرجل الذي تحدثه، وأنت مهتم به جدًّا من هو؟= (قال:



("جبريل")، =الرجل الذي رآه محمد بن مسلمة كان جبريل عليه السلام، ومحمد بن مسلمة من الصحابة الذين رأوا جبريل على صورة رجل،= ("قال") =جبريل=: ("محمد بن مسلمة لم يسلِّم، أمَا أنه لو سلّم لرددنا عليه السلام"). =هذا كلام جبريل؛ لو أن محمد بن مسلمة وهو مارٌّ ألقى التحية؛ السلام، فقال: السلام عليكم، لكان محمد بن مسلمة سمع ردّ السلام من جبريل، فقال: لرددنا عليه سلامه، (قال) =محمد بن مسلمة=: (وما قال لك يا رسول الله؟!) =ما هو الحديث الذي دار بينكما، وهذا هو سبب الحديث، فـ= قال:



("ما زال جبريل يوصيني بالجار؛ حتى كنت أنتظر متى يأمرني فأورثه"). وانظر سير أعلام النبلاء ط الحديث (4/ 33)، البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف (2/ 190).



هذا هو سبب إيراد الحديث، عَنْ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [("مَا زَالَ جِبْرِيلُ") =هو رئيس الملائكة، وهو أمين وحي السماء، له ستمائة جناح، كلُّ جناح منها قد سدَّ الأفق، يعني لو رأيت جبريلَ أمامك عن اليمين لا ترى آخر الجناح اليمين، ولا ترى آخر الجناح الشمال، سد الأفق، وتسقط من أجنحته التهاويل؛ يعني ألوان مختلفة جدًّا لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى، ويسقط منه أيضا الدر والياقوت وما الله به عليم، هبوطه من السماء على الأنبياء عليهم السلام، وصعوده إليها فيرجع إلى المكان الذي جاء منه، كل ذلك في أسرع من طرفة عين، مدحه خالقه سبحانه وتعالى بست صفات:



فقال تعالى: {إِنّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} =الرسول هو جبريل، فإذن وصفه بالكرم= {ذِي قُوّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ* مّطَاعٍ ثَمّ أَمِينٍ}، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم=:



("مازالَ جبريل يُوصِينِي بِالْجَارِ")، قال العلائي: الظاهر أنّ المرادَ =بالجار= جارُ الدارِ لا جارُ الجوار؛ =ما هو جار الدار، وما هو جار الجوار؟ جار الدار هو الملاصق لدارك، هذا الجار، جار الجوار كأن يقال: فلان عندي أو فلان في جيرتي هذه الجيرة اسمها جوار، ليست هذه المقصودة، بل المقصود هنا ما زال يوصيني بالجار أي جار الدار=؛ لأن التوارث كان في صدر الإسلام بجوار العهد ثم نسخ.



(حَتَّى) أنه لما أكثر على في المحافظة على رعاية حقِّه =من كثرة ما كان يلحُّ على النبي صلى الله عليه وسلم ويعطيه الوصايا بالجار وما شابه ذلك، فقط بقي أن الجار يورث الجار، لو مات أحد من الجيران أنت ترثه، ولو مت أنت فجارك يرثك، حتى=، (ظَنَنْتُ أَنَّهُ سيورثه")؛ أي: سيحكم بتوريث الجارِ من جاره؛ بأنْ يأمرَني عن الله به ...]. فيض القدير للمناوي (5/ 447).



=التوريث ما معناه؟ هل التوريث يجعل له مشاركة في مال جاره؟ بفرض سهم يكون له الربع النصف أقل أكثر؟ أو المراد أن ينزله منزلة من يرث بالبر والصلة؟



لكن الصحيح أن ظن البر والصلة موجودة لا تنقطع؛ أما الممنوع فهو التوارث بين الجار وجاره، لا توارث لذلك قال: (حتى ظننت أنه سيورثه).=



قال ابن حجر: [وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا التَّوْرِيثِ؟



فَقِيلَ: يَجْعَلُ لَهُ مُشَاركَة فِي الـمَال بِفَرْض سَهْمٍ مُعْطاة مَعَ الْأَقَارِبِ.



وَقِيلَ: الْمُرَادُ؛ أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَرِثُ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ.



وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، فَإِنَّ الثَّانِي اسْتَمَرَّ، وَالْخَبَرُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ التَّوْرِيثَ لَمْ يَقَعْ، وَيُؤَيِّدُهُ .. حَدِيثُ جَابِرٍ ... بِلَفْظِ: "حَتَّى ظَنَنْتُ أَنه يَجْعَل لَهُ مِيرَاثا".



وَقَالَ ابن أَبِي جَمْرَةَ =وهو أحد العلماء من شراح صحيح البخاري=: الْمِيرَاثُ عَلَى قِسْمَيْنِ:



=ميراث= حِسِّيٌّ =ملموس، من عقارات وبيوت وما شابه ذلك من أموال=.



 وَ =ميراث= مَعْنَوِيٌّ؛ =وميراث المعاملة الحسنة، أن يكون بين الجار وجاره كل أمر طيب وحسن=.



فَالْحِسِّيُّ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، =حتى ظننت أنه سيورثه أي أمواله=.



وَ =أما الميراث= الْمَعْنَوِيُّ =فهذا موجود، وهذا يجب على الجار؛ أن ينصح جاره إذا رآه على شر، حتى يمتنع عنه، ينصح جاره إذا كان مقصرا في خير أن يفعله،= مِيرَاثُ الْعِلْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُلْحَظَ هُنَا أَيْضًا؛ فَإِنَّ حَقَّ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ؛ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.



وَاسْمُ الْجَارِ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ؛ =يهودي أو نصراني لو كان جارك،= وَ =يشمل= الْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ، وَالصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ، =واحد تحبُّه وآخر تكرهه هو جار يشمل الجميع،= وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ، =أي من بلدك أو غريب عنها يبقى جارك،= وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ، =حتى يشمل الجار الذي ينفعك أو الجار الذي يضرك،= وَالْقَرِيبَ وَالْأَجْنَبِيَّ، =الذي بينك وبينه رحم كالعمومة والخؤولة وما شابه ذلك، والذي هو من قبيلة أخرى أو ليس بينك وبينه قرابة،= وَالْأَقْرَبَ دَارًا وَالْأَبْعَدَ =دارا، حتى قريب الدار منك أو أبعد، كما سنعلم الجوار حقه كم دار؟=



وَلَهُ مَرَاتِبُ =أي: الجيرة= بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ؛ فَأَعْلَاهَا مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُوَلُ كُلُّهَا، =يعني جار وقريب ورحم وصديق وحبيب، اجتمعت فيه كلها حاز أعلاها=، ثُمَّ أَكْثَرُهَا وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى الْوَاحِدِ.



وَعَكْسُهُ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُخْرَى كَذَلِكَ، فَيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَقَدْ تَتَعَارَضُ صِفَتَانِ فَأَكْثَرُ فَيُرَجِّحُ أَوْ يُسَاوِي]. فتح الباري لابن حجر (10/ 441).



فيها ترجيح مسائل أو مساواة بينها.



***



الحديث الثاني:



(75/ 102) (صحيح) عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".



التخريج:



(خ) (6019)، (6135)، (6476)، (م) 77- (48)، (م) 14- (48)، وغيرهما.



الشرح:



عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، قيل: اسمه خويلد بن عمرو، العَدَوِيِّ، الكَعْبِيِّ، الْخُزَاعِيِّ، صحابي، توفي (68هـ) على الصحيح بـالمدينة، قَالَ: (سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: [("مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ")؛ أي: إيمانا كاملاً منجِّيًا من عذابه، المتوقف على امتثال الأوامر الآتية، =فمن كان يؤمن= كمالَ الإيمان لا حقيقتَه، وهو على المبالغة في الاستجلاب إلى هذه الأفعال، =التي ستذكر بعد قليل من خلال هذا الحديث،= كما تقول لولدك: إن كنت ابني فأطعني؛ =فإن ما أطاعه هو ابنه أيضا، إذن الكلام الآن على كمال الإيمان ليس على حقيقة الإيمان؛ لأن حقيقة الإيمان موجودة، والحمد لله، سواء فعل هذه الصفات التي ستذكر أم لم يفعلها،= تهييجا له على الطاعة، ومبادرتها مع شهود حقوق الأبوة؛ لا على أنه بانتفاء طاعته تنتفي الأبوة.



("وَالْيَوْمِ الْآخِرِ")، =من كان يؤمن بالله ويؤمن باليوم الآخر الذي سيحاسب عليه الناس،= وهو من آخر أيام الحياة الدنيا إلى آخر ما يقع يوم القيامة، وُصِف به؛ لأنه لا ليلَ بعده، =ذاك اليوم سمي بالآخر لأنه ليس بعده ليل انتهى الليل، ولا يوجد ليل، متى يكون هذا؟ في اليوم الآخر،=



ولا يقال: يوم إلاَّ لما يعقبه ليل؛ =لكن اليوم الآخر انقطع لا يوجد ليل،= أي: بوجوده بما اشتمل عليه مما يجب الإيمان به، فليفعل ما يأتي، فإن الأمرَ للوجوب؛ حملاً على حقيقته عند فقد الصارف، سيما وفرض انتفاء الجزء، يستلزم انتفاء الإيمان.



واكتفَى بهما =الإيمان بالله واليوم الآخر= عن =غيرهما من أركان= الإيمان =الأخرى= مثل الإيمان= بالرسل والكتب وغيرهما؛ لأن الإيمان باليوم الآخر على ما هو عليه، يستلزمه. =أي يستلزم الإيمان بملائكة الله وكتب الله ورسل الله واليوم الآخر، فهذا هو والقدر فهو يستلزم الجميع، فذكر واحد وسد عن الجميع=.



فإنّ إيمان اليهود به =أي باليوم الآخر فهم يعرفون أن هناك يوم آخر، وهذا= إيمان بأن النار لا تمسهم =إلاّ= أياما معدودة، =هكذا يؤمنون هم،= وأنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا =أو نصارى= ونحو ذلك.



وإيمانُ النصارى به؛ بأن الحشر ليس إلا بالأرواح، =لا بالأجساد، فقط الأرواح التي ستحشر، وعندنا أنها بالأرواح والأجساد، وهذا= ليس إيمانا به على ما هو عليه؛ =على حقيقته وكماله=.



والإيمان به =أي: باليوم الآخر= كذلك يستلزم الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يستلزم الإيمانَ بجميع ما جاء به =عليه الصلاة والسلام من العبادات والعقائد والمعاملات وما شابه ذلك.=



وفي ذكره تنبيهٌ وإرشادٌ لإيقاظ النفس، وتحرُّكِ الهمم للمبادرة لامتثال جواب الشرط، =من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ما هي النتيجة؟ يتحرك الإنسان المؤمن حتى يرى إيمانه كاملا أم فيه نقص،= وهو؛



("فَلْيُحْسِنْ") =إلى جاره= بلام الأمر هنا، وفيما بعده، ويجوز سكونها، وكسرها حيث دخلت عليها الفاء والواو، بخلافها في ليصمتْ فمكسورة لا غير، وقول النووي هو بالضم اعترضوه.



("إِلَى جَارِهِ")؛ أي: من كان يؤمن بجوار الله في الآخرة، =فيقولون انتقل إلى جوار ربه، إلى رحمته ربه وهي الجنة، فالجنة في جوار الله سبحانه وتعالى= والرجوع إلى السكنى في جواره بدار كرامته، فليكرم =هذا الإنسان الذي يطمع في جوار الله يوم القيامة، فليكرم= جاره في الدنيا؛ =حتى يكون لك جيرة عند الله عليك أن تكرم جارك في الدنيا= بكف الأذى، =أي: لا تؤذيه بأصوات سماعات بيتك، أو ما شابه ذلك فتؤذيه، ولو بقراءة قرآن أو نحو ذلك، فكيف عندما يؤذيه بالموسيقى والأغاني، تؤذيه بوضع القمامة أمام باب بيته أكرمكم الله، أو في مهب الريح الذي يأتي إلى بيته، تؤذيه بالكلام السيء والبذيء وما شابه ذلك، فالجار المؤمن يكف الأذى= وتتحمل ما صدر عنه منه، =إذا صدر منه أن آذاك برفع الصوت مثلا الذي أنت امتنعت عنه لله سبحانه وتعالى، آذاك بوضع الزبالة أنت ارفعها، واطلب المغفرة والرحمة من الله سبحانه وتعالى مع النصيحة، ليس معناها أن تبقى ساكتا، لا؛ ليس هذا معنى النصيحة، لكن لا يتعدى أنك تعامله بالمثل،= والبِشر في وجهه، =عندما يكون خارجا أو عائدا إلى بيته ورأيته، فهو جارك أن تبتسم في وجهه، فتبسمك في وجه أخيك صدقة،= وغير ذلك كما لا يخفى رعايته على الموفقين. =فالذي وفقه الله سبحانه وتعالى الله يعطيه سيرة حسنة بين جيرانه.=



والجار من بينك وبينه أربعون دارًا من كلِّ جانب. =أربعون دارا على اليمين، أربعون دارا على اليسار، أربعون دارا من الأمام، أربعون دارا من الخلف، كم بيتا أصبحت؟ إذن القطر ثمانون جارا، ليس سبعة، فالسبعة هؤلاء أكثرهم حقوقا، كلما كان الجار أقرب لك تكون حقوقه أعظم مما كان أبعد.=



ثم الأمرُ بالإكرام =أي: إكرام الجار= يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال؛ فقد يكون =إكرام الجار أحيانا= فرض عين، =على كل إنسان أن يكرم حاره=، وقد يكون فرض كفاية، =إذا قام به البعض سقط عن الباقين=، وقد يكون =إكرام الجار= مندوبا، =من باب الاستحباب=، ويجمع الجميع؛ أنَّ ذلك من مكارم الأخلاق. =جارك لا سمح الله حدث عنده حريق، وجب عليك أن تقوم باللازم، إما بتقديم الماء، أو الاتصال بالمطافئ، هذا واجب.



آخر تراكمت عليه الديون، هذا مستحب أن تساعده، أو تسعى له في هذا الشيء، من باب الاستحباب



وأحيانا يكون فرض عين؛ إذا وجدت أن جارك قد سجن في ديون عليه، غير قادر أن يوفيها، استدانها من أناس ولا يستطيع قضاءها، وسدادها فوضعوه في السجن، فأنت اسع لهذا الشيء، فهذا من باب الإكرام.=



("وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ")؛ أي: يوم القيامة، =وهذا= وصفه به لتأخره عن أيام الدنيا، ولأنه أخَّر إليه الحساب، والإيمان به؛ =اليوم الآخر يكون بـ= تصديق ما فيه من الأحوال والأهوال.



=إذن مع الجار هناك جار مؤقت وهو الضيف=، ("فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ") الغني والفقير؛ بطلاقة الوجه والإتحاف والزيارة، وقد عظم شأن الجار والضيف حيث قرن حقهما بالإيمان بالله واليوم الآخر. =إكرام الضيف هذا جار مؤقت، على قدر اليوم واليومين والثلاثة، لكن زاد عن ثلاثة أيام سيكون صدقة، كأنه سائل، ما يزيد عن ثلاثة أيام للضيافة، لأن فيها إثقال على الناس.=



قال ابن تيمية =رحمه الله تعالى=: ولا يحصل الامتثالُ إلاّ بالقيام بكفايته؛ =كيف أكون أنا قمت بامتثال أمر الله عز وجل بإكرام الضيف إذا قمت بكفايته من طعام وشراب،= فلو أطعمه بعضَ كفايته =أعطاه النصف= وتركه جائعا لم يكن له مكرمًا؛ =لأن الضيف بقي جائعا، فأنت ما أكرمته، لذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم الصحابة الفقراء عندما كانوا يأتيهم الضيوف، وما عندهم طعام إلا لأنفسهم، فكانوا يضعونه كله للضيف، فما يزيد بعد فراغهم يوزعونه على أهل بيتهم، فمن ترك ضيف جائعا لا يحصل الامتثال=؛ لانتفاء جزء الإكرام، وإذا انتفى جزْؤه =انتفى= كله...



=وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم=: "فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ»، قَالَ: (وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) قَالَ: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ"، =هذه جائزته، وهي فرض عليك يوم وليلة=، "وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ". =إذن بعد الثلاثة أيام؛ إما أن يرضى على نفسه أن يجلس متسولا عند الناس، ولا كرامة له، أو ما شابه ذلك، هذا الضيف، لكن إنسان مشرد وقادم من بلد ولا أهل له، فلو جلس عندك أكثر صار من أهل المنطقة، وهذا عابر سبيل يحتاج إلى الزكاة، ويحتاج إلى مساعدة الناس، أما الضيافة فثلاثة أيام.=



وفي رواية: "وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ».



=ما دام هناك طعام وشراب يبقى عنده، هذا الضيف يحرج صاحب البيت فلا يحل له ذلك.



وفي رواية هي تكملة للأولى الإحسان للضيف، قال:= ("وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا")؛ أي: كلاما يثاب عليه.



=أخرِج الكلمة وزِنها قبل أن تخرج، إن كان فيها سب أو شتم، أو قلة حياء أو قلة مروءة، اتركها قبل تقولها حتى لا تندم عليها، ما دامت الكلمةُ حبيسةً في فمك أنت سيدها، فإن انفلتت فأنت عبدها، لا حظ هذا.=



قال الشافعي: لكن بعد أن يتفكر فيما يريد التكلم به، =يقل خيرا،= فإذا ظهر له أنه خير لا يترتب عليه مفسدة، =الذي سيقوله= ولا يجرُّ إليها أتى به. =ومن يفعل ذلك، بمجرد أن يأتي على باله شيء يقوله، وتحدث أمور تجعل هذا المتكلم يندم ندما شديدا حيث لا ينفع الندم.=



(أَوْ لِيَصْمُتْ")، وفي رواية ..: "يسكت".



قال القرطبي: معناه؛ أن المصدِّقَ بالثواب والعقاب المترتبين على الكلام في الدار الآخرة، لا يخلو إمَّا أن يتكلم بما يحصل له ثوابا أو خيرا فيغنم، أو يسكت عن شيء فيجلب له عقابا أو شرًّا فيسلم. =ما دام سكت عن شيء ربما لو تكلم فيه لجلب له شرا، فسكت عنه فسلم.=



وعليه فـ (أو) للتنويع والتقسيم، =كما يقول علماء اللغة= فيسنُّ له الصمت حتى عن المباح؛ =في حاجات مباحة جائز لك أن تقولها، لا عقابك لك عليها، لكن لو سكت عنها أفضل، إذن في مباح وفي شر وفي خير، الشر اسكت عنه مطلقا، والخير اقدم عليه، حاجة لا خير وفيها ولا شر؛ كنكتة أو مزاح فالسكوت عنها أولى،= لأدائه إلى محرم =إذا أدى المباح إلى محرم، فأحيانا المزاح جائز ومباح، لكن إذا زاد عن حده ربما ينقلب إلى ضده،= أو =يؤدي إلى= مكروه، =يحدث بين الناس الضغينة وما شاب ذلك،= و =هذا الكلام المباح= بفرض خلوِّه عن ذلك؛ فهو ضياع الوقت فيما لا يعنيه، =أحيانا يكون كثير من الكلام بين الناس لا فائدة فيها، لا تخرج منه بنتيجة فالأفضل تركه، والتعويض عنه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، والتسبيح خير يجمع لك الخير يا عبد الله،= و =قال صلى الله عليه وسلم:= "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ؛ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ". (ت) (2317)، (جة) (3976)، صحيح الجامع: (5911)، وصحيح الترغيب (2881).



=إسلامك يكون حسنا وطيبا؛ أن تترك شيئا لا يعنيك.=



وأثرها في رواية البخاري: "يصمت" =مقدَّمة= على "يسكت"؛ =فرق بين الصمت وبين السكوت،= لأنه أخصُّ، =أي الصمت،= إذ هو: السكوتُ مع القدرة، =أنا قادر أتكلم لكني سكت، أما الصمت قد يكون من إنسان لا يتكلم أصلا، أو يمنعه الخوف أو ما شابه ذلك= وهذا هو المأمور به.



أمَّا السكوت مع العجز؛ لفساد آلة النطق =مثلا لا يستطيع أن يتكلم،= فهو الخرس.



أو لتوقفها =هذه الآلة وهو قادر أن يتكلم في ذلك الموقف،= فهو العَيّ؛ =عي اللسان، غير قدار على الكلام، وهذا نوع من العجز.=



وأفاد الخبر؛ أن قول الخير خيرٌ من الصمت؛ لتقديمه عليه. =تصمت أو تقول الخير؟ لا! نقول الخير، فليقل خيرا أو ليصمت.



وأنه إنما أمر به عند عدم قول الخير. =متى نصمت؟ إذا كان هناك قول سيخرج منك ليس فيه خير، ففي هذا اصمت.=



قال القرطبي =رحمه الله=: وقد أكثر الناس الكلام في تفصيل آفات الكلام، وهي أكثر من أن تدخل تحت حصر.



وحاصله؛ =حاصل الكلام في آفات اللسان؛ لأنه تأتي البلايا والطوامّ من اللسان للإنسان=؛ أن آفات اللسان أسرع الآفات للإنسان، =تهلك الإنسان أكثر من غيرها من الجوارح=، وأعظمُها في الهلاك والخسران، فالأصل ملازمة الصمت =أن تبقى ساكتا= إلى أن يتحقق السلامةَ من الآفات، =أن الكلمة التي تقولها ما ترجع عليك بآفة،= والحصولَ على الخيرات، فحينئذ تخرج تلك الكلمة مخطومة، =يعني مربوطة،= وبأزمة التقوى مزمومة، =ممكَّنة بتقوى الله سبحانه وتعالى،= وهذا من جوامع الكلم؛ لأنّ القولَ كلَّه =وكلامَك كلَّه= خيرٌ أو شرٌّ، أو آيل إلى أحدهما، =ممكن كلام لا خير ولا شر، لكن يؤدي إلى الخير، ويؤدي إلى الشر=، فدخل في الخيرِ كلُّ مطلوب؛ من فرضها وندبها، فأذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه.



وما عدا ذلك مما هو شرٌّ أو يؤول إليه، =فالكلام الذي ليس بخير ولا شر يؤول إلى الشر، إذا ما آل إلى الخير،= فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت.



قال بعضهم: اجتمع الحديث على أمور ثلاثة تجمع مكارم الأخلاق.



وقال بعضهم: هذا الحديثُ من القواعد العظيمة العميقة؛ لأنه =صلى الله عليه وسلم= بين فيه جميعَ أحكام اللسان، =وأحكام الجيرة والجوار، وأحكام الضيف ومعاملته، واللسان= الذي هو أكثر الجوارح عملا]. بتصرف من فيض القدير للمناوي (6/ 209- 211).



=يعني؛ انظر إلى حركة اليدين والرأس والرجلين، قارنها بحركة اللسان، والكلام الخارج من الفم؛ نجد أن اللسان مسيطرٌ على جميع الجوارح، وهو الذي يأتيك بالقناطير من الخير، تقرأ آية من كتاب الله؛ وكأنك قدمت قنطارا، آية من كتاب الله سبحانه وتعالى، وكذلك يأتيك بالسيئات والشرور أيضا بالقناطير، فمع من أنت؟ فأين توجه لسانك؟ وكلُّ البصر والسمع وما شابه ذلك عليها حواجز، فاسمع أكثر مما ترى، ولما ترى وتنظر تستطيع أن تغمض عينيك عن الحرام، أما الكلام فمحفوظ قبل أن يخرج بشفتين وأسنان، يمنعن اللسان من الانطلاق، ومع ذلك اللسان يخرج من جميع الحصون التي وضعها ربنا سبحانه وتعالى، ويشتغل بالكلام طول الوقت.



فلذلك هذا الإنسان إذا خشي الله عز وجل، واتقى الله في لسانه نجا، جاء في الحديث: "لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ". (ت) (3375)،  (جة) (3793)،  (حم) (17680)، (حم) (17698)، (حب) 814 (التعليق الرغيب: 2/ 227). فلا إله إلا الله.



اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



في الدرس القادم إن شاء الله تعالى: الباب رقم: (47): بَابُ حَقِّ الجار- (56).



والباب الذي نحن فيه: الوصاة بالجوار والجيرة، في الدرس القادم إن شاء الله ما هو حقّ الجوار.



اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، واغفر لنا أجمعين يا رب العالمين.



هذا والله وأعلم وأعز وأكرم



بارك الله فيكم



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة