إِثْبَات حَيَاةِ البَرْزَخِ فِي القُبُوْرِ وَالأَجْدَاث



جمع وإعداد



صاحب الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الحلقة الخامسة



حياة الإنسان في القبور:



هي حياةٌ برزخية لا يعلم كيفيتها إلا الله سبحانه وتعالى، وهي ثابتة في الحديث بالتواتر.



وهي حياة غيبيّةٌ لا كالحياة الدنيا، فلا يُؤكل فيها طعام مثل طعامنا، ولا يُشرب فيها شراب مثل شرابنا، ولا يَشعر فيها بمتعة ولا لذة كما نشعر في الدنيا، ولا يَصدر صوتُ نسمعه، ولا حركة نراها.



بل في هذه الحياةٌ أجسادٌ تتآكلُ فلا أرواح متصلة بها، وتتحوَّل إلى ذرات تُجمع يوم القيامة، وتَرجِع إليها الأرواح، ولكنّ الأرواحَ هي التي تتنعَّم أو تتعذّب والأجساد المتآكلة، وذراتها المتناثرة تتنعّم وتتعذّب تبعًا للأرواح، أو تكون أجسادٌ لا نعلم كيفيتها لتلك الأرواح، والأرواح هي هي، فالروح التي دخلت في الجنين هي الروح التي فينا الآن وعندما ننام، هي نفس الروح التي تتعلق بالجسد في القبر، هي نفس الروح التي تعاد في الأجساد في الآخرة.



والذي تغيَّر أو تبدل أو تجدد بكيفية يعلمها الله جل جلاله، أجسادنا اليوم؛ جسدي وجسدك هل هي هي أجسادنا عندما كنا أجنّة؟



هل أجسادنا ونحن صغار كأجسادنا ونحن كبار؟



فإذا كان هذا غيرَ مستغرب؛ كيف نستغرب جسدا يوافق حياة البرزخ، وجسدا آخر يوافق الحياة السرمدية، لذلك في يوم القيامة قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا}. (النساء: 56)



وإذا كان ("ضِرْسُ الْكَافِرِ")، =السن المتأخر= ("أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ")، =الجبل المعروف طوله ثماني كيلو متر تقريبا، وارتفاعه تقريبا كيلو ونصف،= ("وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ"). (م) 44- (2851)، =أي ثلاث ليالٍ=، و(«مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ المُسْرِعِ»). (خ) (6551).



الروح هي الروح ما تغيرت، فالله على كلِّ شيء قدير.



فإذا قلنا: الأرواحُ كالأجساد مثلا، والأجساد كالثياب، نشبه أن الجسد ثوبٌ، فالثياب التي تلبسها الأجساد تتغيَّر وتتجدَّد، والأجسادُ هي هي، فالأرواح ثابتة، والأجساد تتبدَّل وتتغيّر.



فالحياة البرزخية تتبدَّل فيها الأجساد الدنيوية، إلى أجساد لا نعلم كيفيتها، والروح هي الروح.



فالأرض تأكل الأجساد، ولا يبقى من المخلوق عندما تخرج منه الروح إلا عَجْبُ الذنّب، كما ورد في الحديث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ("وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"). (خ) (4935)، (م) 141- (2955)



وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ("كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ"). (م) 142- (2955).



فعجب الذنَب، بفتح العين وسكون الجيم، هو آخر عظمة من العمود الفقري بالنسبة للإنسان.



سؤال: [فإن قلت: ما الحكمة في بقائه؟ =لـِمَ لَـمْ تتناثرْ ولم تتآكل هذه القطعة عجب الذنب مثل بقية الجسد؟ الجواب=:



قلت =والقائل الكوراني=: الظاهر والله أعلم؛ أن يصدُق عليه اسم الإعادة؛ إذ لو تلاشت =عظام عجب الذنب، أو= الأجزاء كلُّها كان إنشاءٌ آخر لا إعادة]. (الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري)، لأحمد بن إسماعيل بن عثمان بن محمد الكوراني الشافعي ثم الحنفي، المتوفى (893هـ) (8/ 253).



والله يقول: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ}. (الأنبياء: 104)، فالإعادة هناك أصل موجود ويعاد، أما الشيء الجديد فهذا إنشاء.



والروح يطلق عليها النفس أحيانا؛ فـ[قد خَاطب اللهُ سُبْحَانَهُ =وتعالى= النَّفس؛ بِالرُّجُوعِ وَالدُّخُول وَالْخُرُوج، ={يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ}. (الفجر: 27)، خطاب لها=، ودلت النُّصُوص الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة على أنها تَصعد وتَنزل، وتُقبَض وَتُمسك وَتُرسل، وتُستفتَح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء، وتَسجُد وتَتكلم.



وَأَنَّهَا تَخرج تسيلُ كَمَا تسيل القطرة، وتُكفّن =ويكفنها الملائكة=، وتُحنَّط فِي أكفان الْجنَّة أَوْ النَّار، وأنّ ملك الْمَوْت يَأْخُذهَا بِيَدِهِ، =إذا في جسم موجود=، ثمَّ يَتَنَاوَلهَا الْمَلَائِكَة من يَده، ويُشَمُّ لَهَا كأطيب نفحة مسك، أَو كأنتن جيفة، وتُشيّع من سَمَاء الى سَمَاء، ثمَّ تُعَاد إلى الأرض مَعَ الْمَلَائِكَة، وَأَنَّهَا إِذا خرجت تَبِعها الْبَصَرُ =إذن تُرَى= حَيْثُ يَرَاهَا، وَهِي خَارِجَة.



وَدلّ الْقُرْآن على أَنَّهَا تنْتَقِلُ من مَكَان إِلَى مَكَان، حَتَّى تبلغ الْحُلْقُوم؛ =يعني تخرج من الأقدام حتى ترتفع في الجسد وتصل إلى الحلقوم= فِي حركتها.



وَجَمِيع مَا ورد من الأدلة الدَّالَّة على تلاقي الأرواحِ وتعارفِها، وأنها أجنادٌ مجندة؛ إلى غير ذَلِك ... =يؤكد الحياة البرزخية.=



وَقد شَاهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الأرواح لَيْلَة الاسراء، عَن يَمِين آدم وشماله، وَأخْبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنّ نَسمَة؛ =أي الروح النفس= الْمُؤمن طَائِرٌ يعلُق =أي يأكل ويرتع= فِي شجر الْجنَّة، وَأَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طيرٍ خُضْر، وَأخْبر تَعَالَى عَن أَرْوَاح آل فِرْعَوْن؛ أَنَّهَا تعرض على النَّار غدوًّا وعشيا]. (توضيح المقاصد شرح الكافية الشافية نونية ابن القيم)، لأحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد بن حمد بن عبد الله بن عيسى، (المتوفى: 1327هـ)، (1/ 108، 109).



لذلك يعرض على أهل القبور منازلهم ومقاعدهم في الآخرة صباحا ومساء عرضا لا ينقطع: فقد ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ("إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ"). (خ) (1379).



وفي الحياة الدنيا الأجساد تتنعم وتتعذب والأرواح تبعٌ لها كما قلنا.



وأما في الآخرة؛ فالعذاب والنعيم يقع على الأرواح والأجساد معا.



أما بعد الموت؛ فكلام الأموات يدلُّ على نوعٍ من الحياة؛ لكنّا لا نعلم كنهها ولا حقيقتها، وهي حياةُ البرزخ، ومن ذلك مخاطبةُ الميِّتِ لمن يحمله، بكلامٍ لا نسمعه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ("إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً؛ قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ؛ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا! أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟! يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ"). (خ) (1314).




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة