التعليق على صحيح الإمام مسلم



المجلس رقم: (85)



قراءة وشرح وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الزعفران- 10/ 7/ 1440هـ، الموافق: 17/ 3/ 2019م



كتاب رقم: (14): كتاب اللعان



باب رقم: (2): باب في إنكار الولد ونزع العرق



الكتاب الرابع عشر هو كتاب (اللعان)، وانتهينا من شرح الباب الأول مع أحاديثه الستة، واليوم مع الباب الثاني في إنكار الولد، وعدم الاعتراف به، ونزع العرق والشبَهِ من الأجداد والجدات، وفيه حديث واحد:



(871) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ)، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ("هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟!") قَالَ: (نَعَمْ!) قَالَ: ("مَا أَلْوَانُهَا!") قَالَ: (حُمْرٌ!) قَالَ: ("فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟!") قَالَ: (نَعَمْ!) قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("فَأَنَّى هُوَ؟!) قَالَ: (لَعَلَّهُ يَا رَسُولَ اللهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ!) فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ("وَهَذَا لَعَلَّهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ"). (م4/ 212)، (م) (1500)، (خ) (5305)، (6847)، (7314)، وغيرهما.



الشرح:



شرح الحديث بزوائده:



(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) =عبد الرحمن بن صخر= رضي الله عنه قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ) =اسمه ضمضم بن قتادة= (مِنْ بَنِي فَزَارَةَ) =قبيلة مشهورة= (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ) =أي: على خلاف لوني، أراد بذلك التعريض بنفي الولد عن نفسه، كما ثبت في رواية=: (وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ) =وبقوله=: فَـ (إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَمْ يَكُنْ فِينَا أَسْوَدُ قَطُّ) =يعني: وأنا أبيض وأمُّه بيضاء، فمن أين جاءه السواد؟ هذا محلُّ إشكال، والمراد إظهارُ الشكّ في كون الولد منه.=



(-وَكَأَنَّهُ يُعَرِّضُ أَنْ يَنْتَفِيَ مِنْهُ-)، =أي: يقصد نفيه بالتعريض، والتعريض ضدُّ التصريح.=



(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم): ("هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟") قَالَ: (نَعَمْ!) قَالَ: ("فَمَا أَلْوَانُهَا؟") قَالَ: (حُمْرٌ)، =الحمْرُ بسكون الميم؛ جمعُ أحمر، أما الحُمُر: بضم الميم؛ فجمع حمار؛ ولذلك بعض الناس يغلط؛ إذ يقول: خير لك من حُمُر النَّعَم -بضم الميم- فهل النَّعَم لها حُمُر؟ فالصواب: حُمْرُ النعم بالسكون؛ جمع أحمر وحمراء=.



قَالَ: ("هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟") =أي: هل في إبلك ما لونه كلون الرماد، يُجمع على وُرْق؛ كحُمْر وأحمر، ومؤنثه ورقاء كحمراء، وقال القرطبي: الأورق؛ الأسمر الذي يميل إلى الغبرة.=



قَالَ: (إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا)، =جمع أورق، وقيل: الأورق؛ هو الذي فيه سواد ليس بصاف، ومنه قيل: للرماد أورق=، قَالَ: ("فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟!") =أي؛ فمن أين أتاها أي أتى إبلك ذلك الأورق؟=



قَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ) (أُرَاهُ) =وأظنه= (عِرْقٌ نَزَعَهُ)، =أو قال الرجل: (عسى أن يكون نزعه عرق)، أي: أصل من أصوله؛ أي: لعلّ عرقَه وأصلَه جذبَه في الشبه؛ يعني: جذبه عرقٌ من آبائه أو أمهاته، أو أجداده أو جداته، فالأعرابي فاهمٌ هذا؛ أنه ربما يكون عرق سابق ينتزع ويجذب هذا الذي حصل من هذه الناقة الحمراء.



والمعنى؛ لعلّ أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور، فاجتذبه إليه فجاء على لونه.=



قَالَ =صلى الله عليه وسلم=: ("فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ")، =أي: ("وهذا") الغلام الأسود الذي ولَدته امرأتُك ("عسى أن يكون نزعه") وجذبه إليه ("عرق") من عروقه؛ أي: أصلٌ أسود من أصوله، أي: كان أحدٌ من جداته أو أجداده، من قِبَلِ أبيه أو أمِّه أسود، فنزعه هذا العرق.



و"لعل" هنا للتوقُّع، يعني: كما أنك تتوقَّعُ أنَّه نزعه عرق، أي: الجملُ الأورق، فكذلك هذا الولد يُتَوقَّع أنه نزعه عرق.=



(فَمِنْ أَجْلِهِ قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا: "لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَنْتَفِيَ مِنْ وَلَدٍ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ؛ إِلَّا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ رَأَى فَاحِشَةً").



=(ولم يرخِّص) صلى الله عليه وسلم (لَه)؛ أي: لذلك الرجل، أي: لم يجوّز له (في الانتفاء منه)؛ أي: في انتفاء الولد منه؛ أي: في نفي الولد عنه الذي قصده تعريضًا.=



 الحديث بزوائده: (خ) (5305)، (6847)، (7314)، (م) (1500)، (ت) (2128)، (جة) (2003)، (2003)، (د) (2261)، (2260)، (س) (3478)، (3479)،  (3480)، (حم) (7189) (7190)، (7264)، (7760)، (9298).



انظر (فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام) لابن عثيمين، ط المكتبة الإسلامية (5/ 102، 103)، الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 363).



***



فوائد وأحكام:



1- من فوائد الحديث: أنّ خلافَ اللون من أسباب الشكِّ والتهمة؛ لأن الأصل عدم مخالفة الولد لأبيه وأمِّه في اللون، وكذلك في الأشباه؛ "لكن لعله نزعه عرق".



2- ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله: "هل لك من إبل؟" حتى استدرجه واعترف هو نفسُه؛ بأن هذا الولد ربما يكون نزعه عرق.



3- ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمفتي أن يراعيَ حالَ المستفتي؛ فمثلًا إذا كان صاحب إبل ذَكر له شيئًا يتعلق بالإبل وطبائعها، وإذا كان صاحبَ غنم فكذلك، وإذا كان صاحب تجارة فكذلك، وإذا كان صاحب نَسَب أو غير ذلك فهو هكذا... فكون المفتي يَضْرِب الأمثالَ للشخص بما يناسب حاله، هذا يعتبر من البلاغة، ومن حسن التعليم.



4- ومن فوائد الحديث: أن الإجابة بـ"نعم" كافية دون إعادة السؤال، لقوله: "نعم" واعتبر مجيبًا للرسول صلى الله عليه وسلم، ...



5- ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يزيل الشكَّ باليقين، وألاّ يكون متردِّدًا في الأمور بل يوردُ على نفسه، ما يوجبُ طردَ هذا الشكّ، وجه ذلك: أن هذا الأعرابي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وأجابه بجواب يزيل منه الشبهة، وهذا أمر ينبغي للإنسان أن يستعمله في جميع مجريات حياته، من أجل أن يطمئنَّ، وتستريحَ نفسُه، ولا يبقي كأنَّه في زجاجة، يعني: أنه يطرد الشكَّ وأسبابَه بما يتبين له.



ولكنْ؛ هل معنى ذلك أن الإنسان يبحث أو يعرض؟



هذا حسب ما تقتضيه الحال، قد يكون من أسباب إزالةِ الشكِّ؛ أن تبحثَ حتى تصلَ إلى اليقين.



وقد يكون من أسباب الشكِّ أن تُعرِضَ ولا تلتفت إليه، ومن الإعراض؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما شكا إليه الصحابةُ ما يجدون في نفوسهم، قال: "إذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولَيَنْتَهِ" يعني؛ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويُعرض ولا يلتفت إليه، وبهذا تكون الراحة؛ وإلا فإن الشيطان يريد من بني آدم أن يكونوا دائما على قلق وعلى حزن: {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا وليس بضآرهم شيئًا إلا بإذن الله}. (المجادلة: 10).



6- ومن فوائد الحديث: في رواية مسلم: أن الرجل لا يعرِّض بزنا امرأته، وإنما يعرض بانتفاء الولد فقط، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرخِّصْ له في الانتفاء منه، وبيَّن السبب في ذلك؛ أنه ربما يكون نزعه عرق، وليس من رجل أجنبي.



7- ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجوز للإنسان أن ينتفي مما ولَدت زوجته، ولكن هذا ليس بجائز على الإطلاق؛ بل إنما يجوز إذا رآها تزني، وولدت من يمكن كونه من الزاني.



وأمّا إذا رآها تزني، وولدت مَن لا يمكن أن يكون من الزوج، فإنه يجبُ عليه أن ينفيَ الولد، إذا كان لا يمكن أن يكون من الزوج، ... كأن تلد لدون ستة أشهر.



أمَّا مجرَّد اللون واختلاف الشَّبه، فإن ذلك لا يجوز للإنسان أن ينتفي من ولده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعله نزعه عرق".



8- قوله: (إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَمْ يَكُنْ فِينَا أَسْوَدُ قَطُّ) استدل به الجمهور على أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، ولا يجب به الحدُّ حتى يصرحَ بالنفي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعدّه قاذفًا، ... فالحدود تندرئ بالشبهات، والله أعلم.



9- وفي هذا الحديث فوائد: منها: إن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرد الظن وأن الولد يلحق به ولو خالف لونه.



10- ومنها: صحة القياس، والاعتبار بالنظير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس اختلاف الألوان في الآدميين باختلافها في الإبل.



11- ومنها: أن الرجل ينبغي له أن يشاور شيخَه، أو أستاذه في أمور أسرته وأهله.



12-  ومنها: أنّ الاحتياط للأنساب وإلحاقها بمجرد الإمكان.



13- وفيه: أن التعريض اللطيف إذا لم يقصد به الشتم، وكان لضرورة أو شكوى، أو استفتاء لا حدَّ فيه.



14- الفرق بين التصريح والتعريض والكناية؛ أن التصريح أن يقصد الشيءَ باللفظ الموضوع له، والكناية؛ أن يقصد الشيء بلفظ محتمل له ولغيره، والتعريض؛ أن يقصد الشيء بلفظ لم يوضع له ولا يحتمله...



15- (ومنها): أن فيه ضرب المثل، وتشبيه المجهول بالمعلوم؛ تقريبًا لفهم السائل...



16- (ومنها): أن فيه تقديمَ حكم الفراش على ما يُشعِر به مخالفةَ الشبَه.



17- (ومنها): أن فيه الاحتياط للأنساب، وإبقائها مع الإمكان، والزجر عن تحقيق ظنّ السوء.



18- أمَّا الاعتماد في النفي على تحليل الجينات الوراثية فلا يصح، فقد جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشر بشأن البصمة الوراثية:



لا يجوز شرعا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان.



ومن العلماء من أجازها للضرورة.



انظر (فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام) لابن عثيمين ط المكتبة الإسلامية (5/ 103- 105)، (الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم) (16/ 360- 364) (ذخيرة العقبى في شرح المجتبى) (29/ 155- 162)، فتاوى الشبكة الإسلامية [تَارِيخُ الْفَتْوَى] (12 جمادي الأولى 1430هـ).



وللمزيد من الشرح والفوائد انظر: شرح النووي على مسلم (10/ 133، 134)، فتح الباري لابن حجر (9/ 442- 444)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (20/ 294)، طرح التثريب في شرح التقريب (7/ 118- 120)




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة