النبع الجاري



شرح صحيح الأدب المفرد للبخاري



جمع وإعداد وشرح



صاحب الفضيلة/ الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



المسعود- 28/ 6/ 1440هـ، وفق: 5/ 3/ 2019م



المجلس رقم: (35): الباب رقم: (44): بَابُ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرحم– (53)



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد؛



درس اليوم هو الدرس الخامس والثلاثون من شرح (صحيح الأدب المفرد)، ووصلنا إلى الباب الرابع والأربعين (باب من لا يرحم لا يرحم).



في هذا الباب يبين المصنف -البخاري رحمه الله- أن قاسيَ القلب، غليظ الطبع؛ فلا يرحم خلق الله، فلا يستحق الرحمة من الله جل جلاله، وأورد تحته ثلاثة أحاديث؛ أو حديثين وأثرا عن عمر رضي الله عنه.



الحديث الأول:



هو الموفي للـ(70/ 95) (صحيح) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ".



التخريج:



(خ) (5997)، (6013)، (م) 65- (2318)، (حم) (19244).



الشرح:



(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ)، فما هو اسمه؟ ارفع من سعيد الياء ليصبح سعدا، فاسمه هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، أبو سعيد الخدري (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ): [(من لا يَرْحَم)؛ =هذا على التعميم=، بالبناء للفاعل وحذف المفعول لقصد؛ التعميم أي: =لا يرحم= كلّ أحدٍ =يعني لا يوجد عنده رحمة، لا للإنسان ولا للطير ولا للحيوان،= (لا يُرحَم)؛ بالبناء للمفعول؛ أي: لا تناله رحمة الله =سبحانه وتعالى=، أو ينزِعُ الله من قلوب العباد الرحمةَ له، فلا تقع الرحمة له في قلبِ أحد =منهم=]. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 427).



***



الحديث الثاني:



(71/ 96، 97) (صحيح) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ".



التخريج:



(خ) (7376)، (حم) (19166).



الشرح:



(عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ جابر البجلى =يقال له=: أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله، اليماني، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [(لا يرحمُ الله)، =أي:= في الآخرة (من لا يرحمُ الناس) =في الدنيا= من مؤمن وكافر، =المسلم مطلوب منه أن يرحم المؤمن لإيمانه، ويرحمَ الكافر لإخراجه من كفره ومعصيته،= ويرحم بفتح أوله في الموضعين]. شرح القسطلاني (10/ 360).



وفي طريق أخرى بلفظ: "مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يرحمه الله".



التخريج:



(م) 66- (2319)، (ت) (1922)، (حم) (19161)، (حب) (465) (تخريج مشكلة الفقر: 108).



[(من لا يرحم الناس) في غير ما نهى الرحمة فيه =يعني هناك أمور الله سبحانه وتعالى أمرنا إذا قمنا بها ألا نرحم فيها=، كـالمحدود لنهي الله عن ذلك {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهمَا رَأْفَةٌ} فلا رحمة عند إقامة الحد، وكذلك في الجهاد في سبيل الله، {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}. (الأنفال: 12)، الجهاد لا يحتاج إلى الرحمة، لكن الرحمة نحتاجها أين؟ إذا وقع أسيرا، هذا أنت هنا ترحمه،= (لا يرحمه الله) فإنما يرحم الله من عباده الرحماء]. التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (10/ 427).



[(من لا يرحم لا يرحم)؛ يجوز أن تكون من موصولة أو شرطية، وحذف المفعول ليتناول كل حيوان كما ترجم عليه، ويوافقه رواية الطبراني عن ابن مسعود: «ارْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ». (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ)، مستدرك الحاكم (4/ 277)، (7631)، وصححه الذهبي.



وأما رواية مسلم؛ "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله"، فلعله أشار إلى الاهتمام بمن شأنه الشرف]. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري، لأحمد بن إسماعيل بن عثمان بن محمد الكوراني الشافعي، ثم الحنفي، (المتوفى: 893هـ)، (9/ 419).



***



أما الحديث الثالث فهو أثر عن عمر =بن الخطاب= رضي الله تعالى عنه:



وهو المرقوم بـ(72/ 99) (حسن الإسناد) عَنْ أَبِي عُثْمَانَ؛ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا، فَقَالَ الْعَامِلُ: (إِنَّ لِي كَذَا وكذا، الْوَلَدِ، مَا قبلتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ!) فَزَعَمَ عمرُ، أَوْ قَالَ عمرُ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يرحمُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا أَبَرَّهُمْ).



التخريج:



أخرجه الدينوري رحمه الله في (المجالسة وجواهر العلم: 6/ 325، 326)، وإسناده هذا فيه ضعف، مع أن الذي معنا صحيح، لكنهما يتشابهان في الألفاظ، وهو بـرقم: (2709) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ؛ قَالَ:



(اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَجُلا عَلَى عَمَلٍ، فَرَأَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُقَبِّلُ صَبِيًّا لَهُ)، =العاملُ المسئولُ وليُّ الأمر على تلك المنطقة من جهة عمر رأى عمرَ يقبل صبيًّا له،= فَقَالَ:



(تُقَبِّلُهُ وَأَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟! لَوْ كُنْتُ أَنَا مَا فَعَلْتُهُ). =هو يحتقر تقبيل الأطفال= فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:



(فَمَا ذَنْبِي إِنْ كَانَ قَدْ نُزِعَ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةُ؟! إِنَّ اللهَ لا يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ إِلا الرُّحَمَاءَ). قَالَ:



(وَنَزَعَهُ عَنْ عَمَلِه)ِ، =ما دام لا يرحم لماذا يبقى في العمل؟ سواء كان وزيرا له، أو قائما بأعماله في منطقة ما،= وَقَالَ:



(أَنْتَ لا تَرْحَمُ وَلَدَكَ؛ فَكَيْفَ تَرْحَمُ النَّاسَ؟!). قال الشيخ مشهور: [إسناده ضعيف جدا].



الشرح:



عَنْ أَبِي عُثْمَانَ هو عبدُ الرحمن بنُ ملٍّ بنِ عمرو، أبو عثمان النهديُّ الكوفيّ (سكن البصرة)، من الطبقة (2) من كبار التابعين، توفي (95هـ)، وقيل: بعدها؛ =يروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه=؛ (أَنَّ عُمَرَ بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا)، =جعله عاملا له مسئولا على منطقة، كالمحافظ مثلا أو ما شابه ذلك،= فَقَالَ الْعَامِلُ:



(إِنَّ لِي كَذَا وكذا، الْوَلَدِ)، أي: عندي عدد كثير؛ ذكورٌ وإناثٌ من البنين والبنات، (مَا قبَّلتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ!) فتقبيلهم فيه دناءة، وقلة مروءة، هذا في نظره هو، وهو لا يريد أن يكون دنيئا، التقبيل قد يكون فيه إهانة للنفس، تقبيل الأطفال فهو لا يريد أن يكون، والحقيقة غير ذلك.



فَزَعَمَ عمرُ، أَوْ قَالَ عمرُ رضي الله عنه:



(إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يرحمُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا أَبَرَّهُمْ)، الله سبحانه وتعالى لا يرحمُ قساةَ القلوب، ولا يرحم غلاظَ الطباع، بل لا يرحم من عباده إلا أكثرهم برًّا وعطاء ماديا؛ جُودًا وكرما، ومعنويًّا؛ رحمةً لعباد الله ومخلوقاته، ومعاملةً فيما بينهم.



انتهى الباب الرابع والأربعون، وهذا الباب تابع للأول أيضا في الرحمة، وهو:



الباب رقم: (45) باب الرحمة مائة جزء- (54)



في الباب الخامس والأربعين (باب الرحمةِ مائة جزء) أراد البخاري رحمه الله من إيراده وإيراد الحديث أدناه؛ إثباتَ صفة الرحمة لله سبحانه وتعالى، وأن الله أرحم بعباده من أنفسهم، فأورد تحته الحديث:



(73/ 100) (صحيح) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ =رضي الله عنه= قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: "جعلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جزءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا واحداً، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يتراحمُ الخلقُ؛ حَتَّى ترفعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ".



التخريج:



الحديث متفق عليه عند البخاري ومسلم، (خ) (6000)، (م) 17- (2752)، وغيرهما.



الشرح:



عن [(أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول...:



("جعلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الرَّحْمَةَ")، أي: جزَّأ الله الرحمة التي يرحم بها عباده في الدنيا والآخرة (مِائَةَ جزءٍ")، الله سبحانه جزأها مائة جزء، (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ)، جزءًا من تلك المائة أمسكها عنده وهي مدخرة للمؤمنين في الآخرة، (وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ) من تلك المائة (جُزْءًا واحداً، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ) الذي أنزله الله في الأرض؛ (يتراحمُ الخلقُ) فيما بينهم بعضهم بعضًا؛ سواء مسلمين أو كافرين، سواء حيوانات أو طيور أو غيرها، في البر أو في البحر، تراحمٌ موجودٌ من هذه الجزء الواحد، فكيف لو أنزل جزئين أو ثلاثة أو أربعة، لا؛ ادخرها للمؤمنين في الآخرة، (حَتَّى ترفعَ الْفَرَسُ)، وفي رواية: "الدابةُ" (حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ) ومخافة (أَنْ تُصِيبَهُ") وتؤذيه بذلك الحافر الذي وقع عليه.



قال المناوي رحمه الله:



الفرسُ وغيرها من الدوابِّ كالحمار والبغل، خُصَّ بالفرس؛ لأنه أشد الحيوان المألوف إدراكًا. أهـ.



يعني عنده من الإدراك ما لا يوجد في الحيوانات الأخرى، الفرس ويعرف صاحبه، وربما لو مات صاحبه في مكان بعيد عنه هو موجود ومات، يذهب الفرس إلى أهل الرجل، ويخبرهم بحركات معينة حتى يدلهم على صاحبه، وقصصٌ كثيرة عند كبار السن تؤكد هذا الأمر.



قال النووي رحمه الله:



هذه الأحاديث من أحاديث الرجاء والبشارة للمسلمين، قال العلماء:



لأنه إذا حصل للإنسان من رحمة واحدة في هذه الدار، المبْنْيةِ على الأكدار، =حصل له= الإِسلامُ والقرآنُ والصلاة، والرحمة في قلبه، وغير ذلك مما أنعم الله تعالى به، فكيف الظنُّ بمائة رحمة في الدار الآخرة، وهي دار القرار، ودار الجزاء، والله أعلم. أهـ منه.



قال القرطبي رحمه الله:



ومقتضى هذا الحديث؛ أن الله تعالى علم أنّ أنواعَ النِّعم التي يُنعم بها على خلقه، فجعلها مائة نوع، فأرسل منها فيهم في هذه الدار نوعًا واحدًا؛ من هذه الرحمة انتظمت به مصالحهم، وحصلت به مرافقهم، فإذا كان يوم القيامة؛ كمُل لعباده المؤمنين ما بقي في عِلْمه؛ وهو التسعة والتسعون، فكملت الرحمةُ كلُّها للمؤمنين.



وهو المشار إليه بقوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}. (السجدة: 17).



وهو الذي صرح به النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال لهم: "إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ بله ما أطلعكم عليه". رواه مسلم (2825).



يعني هناك أشياءٌ في الجنة غير التي أطلعنا الله عليها عن طريق القرآن والسنة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.



وعند هذا يفهم معنى قوله سبحانه وتعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}. (الأحزاب: 43).



فإن رحيمًا من أبنية المبالغة، التي لا شيء أبلغ منها.



ويفهم من هذا؛ أن الكافرين لا يبقى لهم في النَّار رحمة، كلُّ الرحمة تكون منصبَّةً على المؤمنين.



الكفار في الآخرة ليس لهم رحمة، ولا تنالهم نعمة؛ لا من جنس رحمات الدنيا، ولا من جنس غيرها، إذا كَمُل كلُّ ما عَلِمَ الله من الرحمات للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله سبحانه وتعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الآية. أهـ من المفهم]. بتصرف من (الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم) (25/205، 206).



***



وهذه مجموعة من الأحاديث النبوية في الرحمة والرحماء:



1- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ قَالَ: (أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ؛ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ)، =ولدٌ من أولادها، من أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم قُبض يعني مات، أو في النزع= (فَأْتِنَا)، =تستغيث بأبيها أن يكون موجودا، ليبين لها إن كان هناك أمور شرعية يفعلها=.



(فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلاَمَ)، =أرسل لابنته ولم يذهبْ إليها عليه الصلاة والسلام، أرسل يقول سلم على البنت مثلا= وَيَقُولُ:



«إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ»، =هل رضيت بهذا الكلام؟ لا لم تقبل، ولم تكتف بهذا الكلام=،



(فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ)؛ =ابنته؛ ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تقسم عليه وتحلف= (ليَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ)؛ =أي: هذا الطفل في آخر حياته ينازع،=



-(قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ- فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)، =كأنه شنٌّ، هذا صوت حشرجة الطفل، الناتجة عن نَفَسِه دخولا وخروجا، كأنه إناءٌ من جلد قديم، وفيه شيء من الحصى ومع الخض والحركة يصدر صوت من الجلد، يعني يخرج صوتا، وهذا هو صوت الطفل وهو يحتضر، فلما رأى الطفل ابن ابنته بكى فاضت عيناه= فَقَالَ سَعْدٌ:



(يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟!) =يعني أنت تأمرنا بالصبر وتبكي، فعرفهم أن البكاء لا يخالف الصبر، ما دام فيه ضبط للسان فلا صراخ ولا عويل، وضبط لليد فلا لطمَ خدودٍ، ولا شقَّ جيوبِ ولا نتفَ شعرٍ، فهذا كله منهي عنه، لكن البكاء والدموع هذا رحمة الله،= فَقَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». (خ) (1284)، (5655).



2- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ =رضي الله عنه=، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (م) 19- (2752).



3- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنَ الجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ». (خ) (6469).



4- وعَنْ سَلْمَانَ =الفارسي رضي الله عنه=، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ =وعلى آله وصحبه= وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"، =الرحمة الواحدة لو وزعها ربنا سبحانه وتعالى فستسعُ ما بين السماء والأرض،= فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ". (م) 21- (2753).



5- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِيٍّ". (ت) (1923)، (د) (4942)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (7467)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (2261).



6- وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حَبِيبٍ الثَّقَفِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خَابَ عَبْدٌ وَخَسِرَ، لَمْ يَجْعَلُ اللهُ فِي قَلْبِهِ رَحْمَةً لِلْبَشَرِ". أخرجه الدولابي (1/ 173)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق) (7/ 113 / 2)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (3205)، الصَّحِيحَة: (456). فالذي خسر وخاب الذي لم يرحم المسلمين.



7- وَعَنْ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ فَأَرْحَمُه)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ". (حم) (15630), (ك) (7562)، صَحِيح الْجَامِع: (7055)، والصحيحة: (26).



8- وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله =تعالى= عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَحِمَ وَلَو ذَبِيحَةَ عُصْفُورٍ، رَحِمَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (طب) (8/ 234 ح7915)، (خد) (381) انظر صَحِيح الْجَامِع: (6261)، والصحيحة: (27).



يعني يجوز أن تذبحَ العصفورَ وأن تذبح الشاة؛ لكن وأنت تذبحُ تذكر الله وترحم، ليس بقسوة؛ كأن تذبحها بسكين كالَّة غير حادّة، فمن الرحمة بالذبيحة أن تعرضَها على الماء، ولا تمنعْها من الأكل حتى تستوفي حقها، ثم بعد ذلك اذبحها.



ومن الرحمة بالذبيحة ألاّ يذبح أمَّها قبل أن تنتهي من رضاع صغيرها، يعني صغيرها في سن الرضاعة فلا يذبح الأم، لكنّ ذبْحَ العجلِ أو الخروفِ الصغير مع وجود أمِّه جائز؛ لكن ليس أمامها، هكذا قال العلماء، أما أن تذبح الأم وتترك هذا الصغير من سخل أو خروف أو عجل أو ما شابه ذلك، هذا ما لا ينبغي، أما لو ذبحت الصغير جائز، فهذه لا تنافي الرحمة إن شاء الله سبحانه وتعالى.



لكن إذا ذبحت فلا تذبح أفراخ الحمام ونحوها أمام أمهاتها هذا لا ينبغي، فهذا من باب الرحمة.



فالحيوان يدرك ويعرف الموت، ويعرف الهلاك، لذلك إذا أخذت السكين وشحذتها على حجر، فخرج لها صوت تفرُّ الحيوانات والدجاج وما شابه ذلك، فهذا الصوت معروف أنه للهلاك.



فمن لم يرحم خلقَ اللهِ في أرضه؛ لا يرحمه الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.



أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.



اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



ملحق:



فوائد وأحكام:



1- في الأحاديث [الرحمة التي قدرها (مائة جزء)، فهي هنا صفة فعل، لا صفة ذات؛ فإن صفة الذات لا تتعدد]. نقله الألباني عن (فتح الباري: 10/ 432).



[قال ابن أبي جمرة ما حاصله: كما حصله في "الفتح": إن الرحمة رحمتان: رحمةٌ من صفة الذات وهي التي لا تتعدد. ورحمةٌ من صفة الفعل وهي المشار إليها هنا]. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/ 433).



2- [أن هذه الرحمة مخلوقة، فأما رحمة الله التي هي صفة من صفاته فقديمة غير مخلوقة؛ فكلُّ ما يتراحم به أهل الدنيا؛ حتى البهائم في رفعها حوافرها عن أولادها؛ لئلا تؤذيَهنَّ فإنه عن جزء مثبت في العالم فمن تلك الرحمة، وإن الله سبحانه أعدَّ تسعًا وتسعين رحمة ادَّخرها ليوم القيامة؛ ليضم إليها هذه الرحمة الأخرى، ثم يثبتها قلوب عباده ليرحم بعضهم بعضًا، يكون كلّ ما تراحم به المتراحمون مذ قامت الدنيا إلى يوم القيامة جزءًا من مائة جزء من الرحمة التي حددها الله عز وجل في قلوب عبادة يومئذ؛ ليعفو المظلوم عمَّن ظلمه، رحمةً له مما يرى من هول ذلك اليوم، فيعود شفيعًا فيه، وسائلا في حقِّه، كالمشتوم عمّن شتمه، والمغصوب عمَّن غصبه، والمؤذي عن من آذاه.



3- وأن قوله: (يرحم بها عباده)، فإنه لما يوضع في قلوبهم تلك الرحمة؛ كان وصفه رحمةً للظالم والمظلوم معًا؛ ليهب هذا لهذا، ولو أنه سبحانه يولي رحمة عبادة من غير سؤال من المظلوم ولا شفاعة من المجني عليه؛ لكان يكون في ذلك انكسارٌ للمظلوم، واستمرارٌ لبعد انتصاره،...



4- أنه سبحانه وتعالى يظهر يوم القيامة عن كلِّ صفة من صفاته ما لم يكن ولا يكون طوق أحد، ولا قدرةَ مخلوق بالغة مبلغَ كنه، وصفها فمنها رحمته وعفوه، وتمام الحديث مصداق لهذا الشرح، وهو قوله: ("فلو يعلم الكافر كلّ الذي عند الله من الرحمة، لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكلِّ الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار")]. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 74، 75).



4- [يجوز التفريق بين البهيمة وولدها إذا استغنى الولد عن لبن الأم، أما إذا لم يستغن فإن فرق بالذبح بأن ذبح الولد وترك الأم جاز، وإن ذبح الأم وترك الولد لا يجوز كما قاله السبكي، وإن فرق ببيع ونحوه فإنه لا يجوز لعدم استغناء الولد عن لبن الأم]. شرح البخاري للسفيري أو المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية (2/ 52)



5- وفي الختام؛ أين الرحمة من أعضاء الإنسان، وأين الرأفة؟ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: (إِنَّ الْعَقْلَ فِي الْقَلْبِ، وَالرَّحْمَةَ فِي الْكَبِدِ)، (وَالرَّأفَةَ فِي الطِّحَالِ، وَالنَّفَسَ فِي الرِّئَةِ). (خد) (547)، انظر صَحْيح الْأَدَبِ الْمُفْرَد: (425).



-أثبت علماء الطب الحديث أن الذي يشرب الخمر يتشمَّع كبدُه، وينزع الله من قلبه الرحمة على أولاده. ع-



والله تعالى أعلم



وفي المجلس القادم رقم: (36): الحديث إن شاء الله تعالى عن الباب رقم: (46): بَابُ الْوَصَاةِ بِالْجَارِ- (55).




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة