آيات من القرآن



فيمن يحبهم الرحمن



إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. (آل عمران: 102).



{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. (النساء: 1).



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}. (الأحزاب: 70، 71).



أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.



أعاذني الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين.



بعض الناس يفرح كثيرا إذا وجد المحبة من غيره، وجد الناس يحبونه، وجد أهله وعشيرته، وجد والديه وكبار القوم يحبونه، المحبة له منتشرة، فكيف إذا أحبنا الله يا عباد الله؟ وكيف نجلب محبة الله سبحانه وتعالى؟ لأن هناك أناسا يفعلون أفعالا لا يحبها الله، ولا يحبّ الله من يفعلها، وهناك بعض الأفعال نص عليها القرآن أن الله يحب هذه الأفعال، ويحب أصحابها.



فـهنيئا لمن يحبهم الله جل جلاله، وتعسا وشقاوة لمن لا يحبهم الله سبحانه وتعالى، فنعوذ بالله أن نكون ممَّن لا يحبهم الله؛ من أربابِ شهواتِ الأموال، فَرَبَا في قلوبهم حبُّ الربا، ونما في صدورهم كفرانُ النعم، فصاروا مع كلِّ كفَّارٍ أثيم، قال سبحانه: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}. (البقرة: 276)



[{كفّار} لنعم الله، لا يؤدي ما أوجب عليه من الصدقات =والزكوات=، ولا يسلم منه ومن شرِّه عبادُ الله، {أثيم}، أي: قد فعل ما هو سبب لإثمه وعقوبته]. ([1])



ونعوذ بالله أن نكون من أهل الاعتداء، نعوذ بالله أن نكون من المعتدين في أي شيء؛ حتى الاعتداء في الدعاء، فإنهم لا يحبهم الله، قال سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. (الأعراف: 55)



وكذلك مَنْ يحرمون ما أباح الله من المطعومات والمشروبات، والملبوسات والمسكونات، وسائر المباحات لا يحبهم الله، فنعوذ بالله أن نكون منهم، فالحلال بيّنٌ والحرام بيّن، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. (المائدة: 87)



والمسرفون في أحوالهم، المتجاوزون حدودَ أحكامهم لا يحبهم الله، {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. (الأنعام: 141)، وكذلك من أسرف في طعامه وشرابه ولباسه لا يحبه الله، {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. (الأعراف: 31)، [{وَلا تُسْرِفُوا} يعمُّ النهيَ عن الإسراف في الأكل، وهو مجاوزة الحد والعادة،



و =من الإسراف= أن يأكل صاحب الزرع أكلا يضر بالزكاة.



و=من= الإسراف في إخراج حق الزرع بحيث يخرج فوق الواجب عليه، ويضر نفسه أو عائلته أو غرماءه، فكل هذا من الإسراف الذي نهى الله عنه، الذي لا يحبه الله بل يبغضه ويمقت عليه]. ([2])



ولنحذر الاعتداءَ على الآمنين والمستأمنين، حتى في الجهاد والقتال، فالمعتدون لا يحبهم الله، {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. (البقرة: 190)



ولنحذر الظلمَ والعدوانَ، والانتقامَ من الأبرياء فالظالمون لا يحبهم الله، قال سبحانه: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}. (آل عمران: 140)



وقال سبحانه: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}. (آل عمران: 57)



والله سبحانه لا يحب الظلم في الخصومات والمنازعات، فالمظلومون {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ* وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}. (الشورى: 39- 43)



[{إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} الذين يجنون على غيرهم ابتداءً، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم]. ([3])



وأهل الكبر والتكبر على الله فلم يوحدوه، وأهل الاختيال والعجب، والعقوق للوالدين، والتفاخر والتعالي على عباد الله، وعدم الإحسان إلى اليتامى والمساكين والضعفاء، لا يحبهم الله، قال سبحانه لعباده: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}. (النساء: 36)



[{إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا}، أي: معجبا بنفسه متكبرًا على الخلق، {فَخُورًا} يثني على نفسه ويمدحها على وجه الفخر والبطر على عباد الله، فهؤلاء ما بهم من الاختيال والفخر يمنعهم من القيام بالحقوق =فلا يحبهم الله=]. ([4])



أخي في دين الله، {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}. (لقمان: 18)



[{مُخْتَالٍ فَخُورٍ}، أي: متكبر فظ غليظ، معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه]. ([5])



إنهم المستكبرون على الله وعلى عباد الله، {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ* لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}. (النحل: 22، 23)



ولا يحب الله أهلَ الخيانة والخونة، وأهلَ الدسائس والدسيسة بين المسلمين، قال سبحانه: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}. (النساء: 107)، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}. (الأنفال: 58)، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}. (الحج: 38)



[{إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ}، أي: خائن في أمانته التي حمله الله إياها، فيبخس حقوق الله عليه، ويخونها، ويخون الخلق.



{كَفُورٌ} لنعم الله، يوالي عليه الإحسان، ويتوالى منه الكفر والعصيان، فهذا لا يحبه الله، بل يبغضه ويمقته، وسيجازيه على كفره وخيانته، ومفهوم الآية، أن الله يحب كل أمين قائم بأمانته، شكور لمولاه]. ([6])



ولنحذر عباد الله؛ أهلَ الخصومة والعناد، والفساد والإفساد، ومن يتمادى في عزته بالإثم إذا ذُكِّر بالله العظيم جل جلاله، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}. (البقرة: 204- 206)



[وإذا كان لا يحب الفساد، فهو يبغض العبد المفسد في الأرض، غاية البغض، وإن قال بلسانه قولا حسنا]. ([7])



وأكثر الأمم فسادا وإفسادا في الأرض هم اليهود، قال سبحانه: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}. (الإسراء: 4)



فها هم قد أفسدوا في مرتهم الأخيرة، وعَلَوا في الأرض علُوًّا كبيرا،



وها هم يعجبُ الناسَ قولهُم، ويزعمون أنهم يحترمون القوانينَ الدولية وهم أوَّلُ من يخترقها وينتهكها،



ويتظاهرون بالتزاماتهم بالعهود وهمْ ألدُّ الخصام،



ويسعون في الأرض فسادا،



وفي أرض فلسطين يهلكونَ الحرثَ والنسل،



وتأخذهم العزة بالإثم إذا أدانتهم منظمةٌ حقوقية،



أو انتقدتهم مؤسسةٌ دولية،



إنهم فسدوا وأفسدوا حتى في عقائدهم تجاه خالقهم سبحانه،



فمن ذلك، وصفُهم اللهَ بالنقص:



{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}. (المائدة: 64)



[{وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} فلا يتآلفون، ولا يتناصرون، ولا يتَّفقون على حالة فيها مصلحتهم، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم، متعادين بأفعالهم، إلى يوم القيامة.



{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ} ليكيدوا بها الإسلام وأهله، وأبدوا وأعادوا، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم {أَطْفَأَهَا اللَّهُ} بخذلانهم وتفرق جنودهم، وانتصار المسلمين عليهم.



{وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا}، أي: يجتهدون ويجدون، ولكن بالفساد في الأرض، بعمل المعاصي، والدعوة إلى دينهم الباطل، والتعويق عن الدخول في الإسلام.



{وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم على ذلك]. ([8])



أيها المفسد في الأرض، اتقِ الله {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}. (القصص: 77)



يا من ملَّكك الله مالاً لا تفسد [{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ}، أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند الله، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات.



{وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}، أي: لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك.



{وَأَحْسِنْ} إلى عباد الله {كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} بهذه الأموال.



{وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ} بالتكبر والعمل بمعاصي الله والاشتغال بالنعم عن المنعم.



{إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} بل يعاقبهم على ذلك، أشد العقوبة]. ([9])



أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.



الخطبة الآخرة



الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، ولا عدوان إلا على الظالمين، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:



بعد أن تكلمنا عن بعض ما لا يحبه الله، ولا يريده بل يبغضه ويكرهه من الأفعال والقائمين بها، نتكلم عن من يحبهم الله ويحب أفعالهم.



فأما من يحبه الله الرحمن الرحيم، فهو مَن عاش في طهارةِ الأبدان والثياب من القاذورات والنجاسات.



وطهارةِ القلوب والصدور بأطيب الأخلاقِ وأحسن الآداب.



وطهارة الجوارح والأعضاء، ففارق النزوات والشهوات، امتثالا لربِّ الأرض والسموات، قال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}. (البقرة: 222)



إنه يحب التوابين من خطاياهم، والمتطهرين من ذنوبهم والنجاسات، قال سبحانه: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}. (التوبة: 108)



[{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} الطهارة المعنوية، كالتنزه من الشرك والأخلاق الرذيلة، والطهارة الحسية كإزالة الأنجاس ورفع الأحداث]. ([10])



يا عبد الله! إن كنت تريد أن تكون ممن يحبهم الرحمن، فكن من أهل الإنفاق والإحسان، قال سبحانه: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. (البقرة: 195)



فلنكن من أهل الإحسان والتقوى، وأهلِ الإيمان والأعمال الصالحة، حتى يحبنا الله، قال سبحانه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. (المائدة: 93)



ولنكن من أهل الوفاء بعهودهم والقضاء لديونهم، واتّقَوا الله في معاشهم، فلتكن كذلك حتى يحبك الله، {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}. (آل عمران: 76)



ولنكن من أهل العدل والإنصاف في أهليهم وما ولوا، وأهل القسط في أحكامهم ولو على أنفسهم يحبك الله، قال سبحانه واصفا لغير المسلمين:



{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. (المائدة: 42)



فلنكن من العادلين والمقسطين في الخصومات، المناصرين للعدل والحق، قال سبحانه:



{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. (الحجرات: 9، 10).



فلنكن من المقسطين والعادلين مع الدول والحكومات التي لا تظاهرنا العداء، فلم تعتدِ علينا، ولم تقاتلنا ولم تهجرنا، ولم تخرجنا من أوطاننا، هذه الدول وتلك الحكومات لا مانع شرعا من المعاملة الحسنة معهم، وبرهم والإقساط إليهم، فقد قال الله سبحانه وتعالى:



{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. (الممتحنة: 8)



فلنكن من أهل الصبر والمصابرة في الجهاد وقتال المعتدين، قال سبحانه:



{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}. (آل عمران: 146)



فلنكن من أهل الإحسان في جهادنا، فلنحسن التوكل على الله، ولنحسن الدعاء ولنحسن القول، قال سبحانه: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ* فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. (آل عمران: 147، 148)



فلنكن من أهل التوكل على الله، إخوةً في دين الله متراحمين، لا احتقار بيننا، ولا فظاظةَ وغلظةً في القلوب، بل رحمةٌ ولينُ جانب، وعفوٌ واستغفار واعتذار من بعضنا لبعض، فبتوكلنا على الله ننال محبة الله، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. (آل عمران: 159)



فلنكن يا عباد الله إن أردنا محبة الله، إن أردنا أن يحبنا الله فعلينا أن نكون من أهل الطاعة لله، والاتباعِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها تجلب محبة الله، فمن أعرض عن الطاعة والاتباع لا يحبُّه الله جلّ جلاله {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}. (آل عمران: 31، 32)



اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.



اللَّهُمَّ إِنّا نَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الـمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الـمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لنا وَتَرْحَمَنا، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنا غَيْرَ مَفْتُونين، وَنَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ.



اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين.



اللهم وفقنا دائما وأبدا إلى ما تحبه وترضاه، وأصلح أئمتنا وأصلح أمتنا يا رب العالمين لما تحبه وترضاه.



اللهم وحد صفوفنا، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم أزل الغل والحقد والحسد والبغضاء من صدورنا، وانصرنا على عدوك وعدونا، برحمتك يا أرحم الراحمين.



وأقم الصلاة؛ {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}. (العنكبوت: 45).



جمعها وخطبها



فضيلة شيخنا أبو المنذر/ فؤاد بن يوسف أبو سعيد جعلنا الله وإياه ممن يحبهم الرحمن.



مسجد الزعفران- المغازي- الوسطى- قطاع غزة- فلسطين.



24 جمادى الآخرة 1440هـ،



وفق: 1/ 3/ 2019م.




 






([1]) تفسير السعدي (ص: 117).





([2]) تفسير السعدي (ص: 276).





([3]) تفسير السعدي (ص: 760).





([4]) تفسير السعدي (ص: 178).





([5]) تفسير السعدي (ص: 842).





([6]) تفسير السعدي (ص: 539).





([7]) تفسير السعدي (ص: 93).





([8]) تفسير السعدي (ص: 238).





([9]) تفسير السعدي (ص: 623).





([10]) تفسير السعدي (ص: 352).





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة