إِثْبَات حَيَاةِ البَرْزَخِ فِي القُبُوْرِ وَالأَجْدَاث



جمع وإعداد



صاحب الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الحلقة الثالثة



حياة البرزخ في القرآن:



وقد جمعت أكثر من عشر آيات قرآنية تدلُّ إمَّا صراحةً على حياة البرزخ، وإما بالإشارة استدلّ منها العلماء على إثبات الحياة البرزخية، وما فيها من عذاب القبر أو نعيم:



1) قال سبحانه: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}. (البقرة: 154).



قال السعدي رحمه الله: [وفي الآية، دليل على نعيم البرزخ وعذابه، كما تكاثرت بذلك النصوص]. تفسير السعدي (ص: 75). فالحياة البرزخية حياة لا نشعر بها، {... بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}؛ لأنها من عالم الغيب.



2- قال جلّ جلاله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}. (آل عمران: 169- 171)



[قوله تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ}، فالقوم الذينَ لم يلحقوا بهم لا بد وأن يكونوا في الدُّنْيا، واستبشارهم بمن يكون في الدنيا ولا بد وأن يكون قبل القيامة، والاستبشار لا يكون إلا مع الحياةِ، فدل على كونهم أحياءً قبل يوم القيامة]. اللباب في علوم الكتاب (6/ 48).



[وفي هذه الآيات إثباتُ نعيمِ البرزخ، وأنّ الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضا، وتبشير بعضهم بعضا]. تفسير السعدي (ص: 157)، وانظر (الجامع لأحكام القرآن) القرطبي (المتوفى: 671هـ)، تفسير البحر المحيط (1/ 390)، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، لأبي العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي (المتوفى: 1224هـ): (1/ 435)، وهذا كله يكون بعد الموت.



3- {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}. (آل عمران: 185).



ليس فيها نصُّ على البرزخ، ولكن كما قال المفسرون: [وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ وعذابه، وأن العاملين يجزون فيه بعض الجزاء مما عملوه، ويقدَّم لهم أنموذجٌ مما أسلفوه، يفهم هذا من قوله: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، أي: توفية الأعمال التامة، إنما يكون يوم القيامة، وأما ما دون ذلك فيكون في البرزخ، -فالبرزخ ليس هناك توفية كاملة بل التوفية الكاملة تكون يوم القيامة؛ بل قد يكون قبل ذلك في الدنيا كقوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. (السجدة: 21)]. تفسير السعدي (ص: 160)، وانظر تفسير البيضاوي (2/ 126)، روح المعاني (2/ 357)، فتح القدير للشوكاني (1/ 467)، البحر المحيط في التفسير (3/ 460)، تفسير أبي السعود= إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (2/ 123).



4) قال سبحانه: {... وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}. (الأنعام: 93).



[{وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ}، أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكُرَبه الشنيعة؛ لرأيت أمرا هائلا وحالة لا يقدر الواصف أن يصفَها.



{وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم وقلقها، وتعصيها للخروج من الأبدان: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}، أي: العذاب الشديد، الذي يهينُكم ويذلُّكم، والجزاء من جنس العمل، فإن هذا العذاب {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} من كذبكم عليه سبحانه، وردِّكم للحقّ، الذي جاءت به الرسل.



{وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}، أي: تَرَفَّعون عن الانقياد لها، والاستسلام لأحكامها.



وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه، فإن هذا الخطابَ، والعذابَ الموجه إليهم، إنما هو عند الاحتضار وقبيل الموت وبعده.



وفيه دليل، على أن الروح جسم، -كما نقول الملائكة جسم، لكن ليس كالأجسام، وكذلك الروح جسم ليس كالأجسام-، يدخل ويخرج، ويخاطب، ويساكن الجسد، ويفارقه، فهذه حالهم في البرزخ.



وأما يوم القيامة، فإنهم إذا وردوها؛ ورَدَوُها مفلسين، فرادى بلا أهل ولا مال، ولا أولاد ولا جنود، ولا أنصار، كما خلقهم الله أول مرة، عارين من كلِّ شيء]. تفسير السعدي (ص: 264)، وانظر تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 355)، فتح القدير للشوكاني (2/ 160).



5) قال الله سبحانه وتعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}. (إبراهيم: 27).



[يخبر سبحانه وتعالى أنه يثبت عباده المؤمنين، أي: الذين قاموا بما عليهم من إيمان القلب التام، الذي يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها، فيثبتهم الله في الحياة الدنيا عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة على تقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومراداتها.



وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي والخاتمة الحسنة.



وفي القبر عند سؤال الملكين، للجواب الصحيح، إذا قيل للميت: "من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟" هداهم للجواب الصحيح بأن يقول المؤمن: "الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي". صلى الله عليه وسلم.



{وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} عن الصواب في الدنيا والآخرة، وما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم.



وفي هذه الآية دلالة على فتنة القبر وعذابه، ونعيمه، كما تواترت بذلك النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة، وصفتها، ونعيم القبر وعذابه]. تفسير السعدي (ص: 425، 426)، وانظر تفسير ابن رجب الحنبلي (1/ 590)، تفسير ابن كثير ت سلامة (4/ 494).



6) قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}. (طه: 124).



هذه الآية فسرها حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}، قَالَ: ("عَذَابُ الْقَبْرِ"). (حب) (3119)، (صحيح الموارد) (1751)، فالمسألة فيها نص.



 [{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي}، أي: كتابي الذي يتذكَّر به جميع المطالب العالية، وأن يتركه على وجه الإعراض عنه، أو ما هو أعظم من ذلك، بأن يكون على وجه الإنكار له، والكفر به -والعياذ بالله-، {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}، أي: فإن جزاءه، أن نجعل معيشته ضيقة –فيها- مشقة، ولا يكون ذلك إلاَّ عذابا.



وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، وأنه يضيق عليه قبره، ويُحصر فيه ويعذَّب، جزاءً لإعراضه عن ذكر ربه، وهذه إحدى الآيات الدالة على عذاب القبر...



والذي أوجب لمن فسرها بعذاب القبر فقط من السلف، وقصرها على ذلك -والله أعلم- آخر الآية.



وأن الله ذكر في آخرها عذاب يوم القيامة.



وبعض المفسرين، يرى أن المعيشة الضنك، عامة في دار الدنيا، بما يصيب المعرض عن ذكر ربه، من الهموم والغموم والآلام، التي هي عذاب معجل، وفي دار البرزخ، وفي الدار الآخرة، لإطلاق المعيشة الضنك، وعدم تقييدها.



{وَنَحْشُرُهُ}، أي: هذا المعرض عن ذكر ربه -يحصل له حشر- {يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} البصر على الصحيح، كما قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا}]. تفسير السعدي (ص: 515، 516)، وانظر تفسير السمعاني (3/ 361)، تفسير الطبري= جامع البيان ت شاكر (18/ 394).



7) قال سبحانه: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. (المؤمنون: 99، 100).



[يخبر -سبحانه و- تعالى عن حال من حضره الموت، من المفرِّطين الظالمين، أنه يندم في تلك الحال، إذا رأى مآله، وشاهد قبح أعماله، فيطلب الرجعة إلى الدنيا، لا للتمتُّع بلذاتها، واقتطافِ شهواتها؛ وإنما ذلك يقول: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} من العمل، و -فيما- فرطت في جنب الله.



-وهنا كلمة- {كَلا}، -كلمة ردع وزجر-، أي: لا رجعة له ولا إمهال، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون، {إِنَّهَا}، كما ورد في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا}؛ أي: مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا {كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا}، أي: مجرد -كلمة، مجرد- قول باللسان، لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم، وهو أيضا غير صادق في ذلك، فإنه لو رد -إلى الدنيا؛ إلى الذنوب والخطايا والكفر ونحو ذلك-؛ لعادَ لـما نهي عنه.



{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، -وهذا نصٌّ في هذه الآية على حياة البرزخ، وكلمة وراء من الأضداد يعني تأتي بمعنيين خلف وأمام، والمقصود بها هنا- أي: من أمامهم وبين أيديهم برزخ، و –البرزخ- هو الحاجز بين الشيئين، فهو هنا: الحاجز بين الدنيا والآخرة، وفي هذا البرزخ، يتنعَّم المطيعون، ويعذَّب العاصون، من موتهم إلى يوم يبعثون، أي: فليعدوا له عدته، وليأخذوا له أهبته]. تفسير السعدي (ص: 559)، وانظر تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 31)، تفسير ابن كثير ت سلامة (5/ 495).



8) قال سبحانه: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. (السجدة: 21).



 [أي: ولنذيقن الفاسقين المكذبين، نموذجًا -أي نوعا، ومثالاً- من العذاب الأدنى، وهو عذاب البرزخ، فنذيقهم طرفًا منه، قبل أن يموتوا، إما بعذابٍ بالقتل ونحوه، كما جرى لأهل بدر من المشركين، وإما عند الموت، كما في قوله -سبحانه و- تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}، ثم يكمل لهم العذاب الأدنى في برزخهم.



وهذه الآية من الأدلة على إثبات عذاب القبر، ودلالتها ظاهرة، فإنه قال: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى}، أي: بعض وجزء منه، -ليس عذابا كاملا- فدلّ على أن ثَمَّ عذابًا أدنى قبل العذاب الأكبر، وهو عذاب النار]. تفسير السعدي (ص: 656)، وانظر تفسير الطبري= جامع البيان ت شاكر (20/ 191)، تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 356).



 [وَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي ظَاهِرِ الْآيَةِ...]. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (7/ 461).



(وَأخرج هناد عَن أبي عُبَيْدَة فِي قَوْله {ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى} قَالَ: عَذَاب الْقَبْر). الدر المنثور في التفسير بالمأثور (6/ 555)



9) قال سبحانه: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. (الزمر: 42).



[يخبر -سبحانه و- تعالى أنه المتفرد بالتصرف بالعباد، في حال يقظتهم ونومهم –سبحانه-، وفي حال حياتهم وموتهم، فقال: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} وهذه الوفاة الكبرى، وفاة الموت.



وإخباره أنه يتوفى الأنفس وإضافة الفعل إلى نفسه، لا ينافي أنه قد وكَّل بذلك ملكَ الموت وأعوانُه، كما قال -سبحانه و- تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}، -وقال سبحانه-: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ}؛ لأنه تعالى يضيف الأشياء إلى نفسه، باعتبار أنه الخالق المدبّر، ويضيفها إلى أسبابها، باعتبار أنَّ من سننه -سبحانه و- تعالى وحكمته أن جعل لكل أمر من الأمور سببا.



وقوله: {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} وهذه الموتة الصغرى، -فالنوم موتة صغرى-، أي: ويمسك النفس التي لم تمت في منامها، {فَيُمْسِكُ} من هاتين النفسين النفس {الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ}، وهي نفس من كان مات، أو قضي أن يموت في منامه.



{وَيُرْسِلُ} النفس {الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}، أي: إلى استكمال رزقها وأجلها.



{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} على كمال اقتداره، وإحيائه الموتى بعد موتهم.



وفي هذه الآية دليل على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره -أي مادته- جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبَّرة، يتصرّف الله فيها في الوفاة والإمساك والإرسال، وأن أرواح الأحياء والأموات تتلاقى في البرزخ، فتجتمع، فتتحادث، فيرسل الله أرواح الأحياء، ويمسك أرواح الأموات]. تفسير السعدي (ص: 725، 726)، تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 101).



10) قال سبحانه -وتعالى-: {... وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ* النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}. (غافر: 45، 46).



[أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا)، قال: يعرضون عليها صباحا –و- مساء، ويقال لها -أو لهم-: يا آل فرعون هذه منازلكم؛ توبيخا ونقمة وصغارا لهم]. الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (4/ 261).



[وفي البرزخ {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} فهذه العقوبات الشنيعة، التي تحلُّ بالمكذبين لرسل الله، المعاندين لأمره]. تفسير السعدي (ص: 739)، تفسير ابن كثير ت سلامة (7/ 146)، تفسير السمعاني (5/ 23)، تفسير القرطبي (15/ 319).



11) قال سبحانه: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ* يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ* وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}. (الطور: 45- 47).



[لما ذكر الله عذاب الظالمين في القيامة، أخبر أن لهم عذابا دون عذاب يوم القيامة، وذلك شامل لِعذاب الدنيا، بالقتل والسبي والإخراج من الديار، و-شامل- لِعذاب البرزخ والقبر، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}، -لأنه يرى في القبر جثثا هامدة، أو جثث متآكلة، فلذلك لا يعلمون حياة القبر وحياة البرزخ-؛ أي: فلذلك أقاموا على ما يوجب -شدة- العذاب، وشدة العقاب]. تفسير السعدي (ص: 818)، تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 356)، تفسير البغوي معالم التنزيل، محقق وموافق المطبوع (11/ 3)، تفسير الطبري (22/ 486).



12) قال سبحانه: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}. (التكاثر: 1، 2).



[دلَّ قوله: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}، أن –حياة- البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية؛ أن الله سماهم -الناس الذين هم في القبور، {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}، سماهم- زائرين، ولم يسمهم مقيمين -وهم الأموات-]. تفسير السعدي (ص: 934)، وانظر تفسير الطبري= جامع البيان ت شاكر (24/ 580)، تفسير ابن كثير ت سلامة (8/ 474).



قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (4/ 282): [بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تُنعَّم النفس وتعذَّبُ منفردةً عن البدن، وتعذَّب متَّصِلةً بالبدن، والبدنُ متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للرُّوحِ مفردة عن البدن].



يعني العذاب والنعيم عموما ثلاثةُ أنواع؛



فقد يعذَّب الجسد فقط، فإذا تعذّب الجسد فقط أو تنعم كما يحدث الآن فالروح تتعذب أو تتألم تبعا، فمن وُخِزَ بإبرة فالألمُ يحس به الجسد، والرح تتبعه في التألُّم، وإذا تذوق العسل فتتنعم الروح تبعا للجسد.



وقد تعذَّب الروحُ فقط أو تتنعّم، فيتعذّب أو يتنعم الجسد الذي لا نعلم كيفيته تبعا للروح، وهذا ما يحدث في البرزخ؛ فيتعذب البدن وإن كان متناثرا أو متآكلا أو ذراتٍ أو بَدَنٌ الله أعلم به، يتعذبُ أو يتنعم تبعا.



أمَّا أن يُعذَّب الروحُ والجسد معًا، فإمَّا يكون النعيمُ الكاملُ، والعذابُ الكامل، هذا يكون يوم القيامة، بحيث لا انفصال بين الروح والبدن.



وقال رحمه الله -في موضع آخر- (4/ 262): [وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ ما بين الموت إلى يوم القيامة؛ هذا قول السلف قاطبةً وأهلِ السنة والجماعة، وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليلٌ من أهل البدع].




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة