التعليق على صحيح الإمام مسلم



المجلس رقم: (84)



قراءة وشرح وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الزعفران- 3/ 7/ 1440هـ، الموافق: 10/ 3/ 2019م



كتاب رقم: (14): كتاب اللعان



باب رقم: (1): باب في الذي يجد مع امرأته رجلاً



الحديث الخامس والسادس



هذا الكتاب رقم: (14)، كتاب اللعان، من (مختصر صحيح مسلم) للمنذري، وما زلنا في الباب الأول؛ (بابٌ في الذي يجد مع امرأته رجلاً)، ووصلنا إلى الحديث الخامس:



(869) عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما؛ (أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ). (م4/ 208)، (م) 8- (1494)، (خ) (6748)



الشرح:



 (نافع عن ابن عمر أَنَّ رَجُلًا) هو عويمر العجلاني (لَاعَنَ امْرَأَتَهُ)، أي: زوجته خولة بنت عاصم بن عدي، أو بنتَ أخيه على الخلاف المارِّ لاعَنها (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمَا) تنفيذًا لما أوجب الله تعالى بينهما؛ من المباعدة بنفس الملاعنة، وتمسَّك بظاهره الحنفية فقالوا: إنما يكون التفريق من الحاكم كما سبق مع ما فيه (وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ) الملاعنة لتحقُّقِ كونِه منها؛ فترثُه ويرثها. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 337)



والحديث يفيد التفريقَ بين المتلاعنين تفريقا أبديًّا لا رجعة فيه، والتحاقُ الولد عند الملاعنة بأمّه، فيرثها وترثه، ويدعَى بأمه لا بأبيه.



الحديث السادس:



(870) عَنْ مُحَمَّدٍ -وهو ابن سيرين- قَالَ: (سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه وَأَنَا أُرَى أَنَّ عِنْدَهُ مِنْهُ عِلْمًا) فَقَالَ: (إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، وَكَانَ أَخَا الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ في الْإِسْلَامِ)، قَالَ: (فَلَاعَنَهَا) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ، سَبِطًا، قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ؛ فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ، جَعْدًا، حَمْشَ السَّاقَيْنِ؛ فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ") قَالَ: (فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا، حَمْشَ السَّاقَيْنِ). (م4/ 209)، (م) 11- (1496)، (س) (3468).



الشرح:



(عن محمد) بن سيرين (قال): (سألت أنسَ بنَ مالك) رضي الله عنه عن أصل اللعان، ... (وأنا)، أي: والحال أني (أُرَى) بضم الهمزة؛ أي: أظنّ (أن عنده)؛ أي: عند أنس (منه.. علمًا)؛ أي: أن عنده علمًا بسبب اللعان وأوّلِ مشروعية.



(فقال) لي أنس في بيان سببه وأوّل من شرع عليه: (إنّ هلالَ بنَ أمية) -بضم الهمزة وفتح الميم والياء المشددة المفتوحة- الأنصاريّ الواقفيّ؛ نسبة إلى بني واقف، شهد بدرًا رضي الله عنه، وهو ... أحدُ الثلاثةِ الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، فتِيبَ عليهم، والباقيان كعبُ بن مالك، ومرارةُ بن الربيع، فهلال هذا (قذف امرأتَه) خولةَ بنتَ قيسٍ أو بنتَ عاصم (بشَرِيكِ بنِ سَحْمَاء) -بفتح السين وسكون الحاء المهملتين- وهي أمُّه، واسم أبيه؛ عبدةُ بنُ مغيث بن الجَّدِّ بن عجلان البلوي، حليفُ الأنصار، شهد مع أبيه أُحدًا، وسَحْمَاء أمه، عُرف بها، وهو أخو البراء بن مالك لأمه اهـ من هامش القرطبي.



وذكر مقاتل في تفسيره؛ أنّ والدةَ شَريك التي يقال لها: سَحْماء كانت حبشيَّةً، وقيل: كانت يمانية...



ويقال: إن شَريكَ بنَ سحماء بعثه أبو بكر الصديق رسولًا إلى خالد بن الوليد باليمامة، كذا في الإصابة، (وكان) شريكُ بنُ سحماء (أخا البراءِ ابنِ مالك لأمِّه)؛ لأن البراء ولدته سَحْمَاءُ أيضًا، وكان البراءُ أخًا لأبٍ لأنس بن مالك، وكان البراءُ رجلًا شجاعًا مقدامًا، مجاب الدعوة.



(وكان) هلالُ بنُ أمية (أوّلَ رجلٍ لاعن في الإسلام)، وهذا هو القول المحقَّق، وقد تقدم في شرح حديث سَهْل بنِ سعْد؛ أن آية اللعان إنما نزلت في هلال بن أميّة، ولما كانت قصة عويمر العجلاني قريبةً منه، ربما ذكروها في سبب النزول...



(قال) أنسُ بن مالك: (فلاعَنَها)؛ أي: فلاعن هلالٌ امرأتَه.



(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَبْصِرُوهَا")، أي: أبصروا امرأةَ هلالٍ وانظروا ولدَها، وامرأةُ هلال قد ظَهَرَ كذبُها بالأمارات والقرائن، وغلبَ على ظنِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كاذبة، فلعلَّه صلى الله عليه وسلم أرادَ تبرئةَ هلالِ بنِ أمية رضي الله عنه في أنظار العامَّة؛ لأنه من الصحابة البدريين الأجلاّء، ولذلك أمرهم بالنظر في شَبَهِ الولد؛ لئلاّ يبقى في صدور الناس ما يَتّهِمون به هلالًا بالكذب، وتظهر براءتُه بالأمارات الظاهرة، إن لم تظهر بالبينة والقضاء، والله أعلم.



("أَبْصِرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ")، أي: بالولدِ ("أَبْيَضَ، سَبِطًا")، أي: مسترسلَ الشعرِ، منبسطَه ("قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ")؛ أي: فاسدَهما بكثرة دمع أو حمرة أو غير ذلك، ("فَهُوَ")، أي: الولد ("لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ")؛ لشبهه به.



("وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ")؛ أي: أسودَ كالكُحل؛ =وأكحَل= من الكَحَل بفتحتين؛ وهو سواد في أجفان العين خِلْقةً، (جَعْدًا)، أي: منقبض الشعر، (والجعْد) بفتح الجيم وسكون العين؛ إذا وُصف به الشعر، فهو ضدُّ السبط يعني هو ما كان فيه التواء.



وإذا وُصف به الرَّجُل فهو معصوبُ الخَلْق، شديدُ الأسْر، أو القصير الـمُردّد، أو البخيل.



فإذا أردنا بالسبط في الفقرة الأولى المسترسلَ الشعر، فالمرادُ ها هنا ضدُّه.



وإن أردنا بالسبط هناك تامَّ الخلق، فالمرادُ هنا القصيرُ المتردِّدُ، والله سبحانه وتعالى أعلم.



("حَمْشَ السَّاقَيْنِ")، بفتح الحاء وسكون الميم، ويقال: أحمش الساقين معناه؛ دقيقُ الساقين، من الحموشة وهي الدقة، (فَهُوَ) أي ذلك الولد، ("لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ") لشبهه به.



(قال) أنس: (فَأُنْبِئْتُ)؛ أي: أُخبِرت (أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا، حَمْشَ السَّاقَيْنِ)، يعني على خلاف شبه هلالِ بن أمية.



وقَالَ عِكْرِمَةُ: (فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ، وَكَانَ يُدْعَى لِأُمِّهِ وَمَا يُدْعَى لِأَبٍ). (حم) (2131)... أي: أنَّ ولدَها صار بعد ذلك أميرًا على مصرٍ من الأمصار؛ لا البلد المشهور، وانظر فتح الباري في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت راجمًا امرأة.." إلخ.



قال القرطبي: وقوله صلى الله عليه وسلم: "أبصروها" مع ذكر النعوت المتقدمة في هلال وفي شريك؛ يدلّ على أنّ هذا كانَ منه تفرُّسًا وحدسًا لا وحيًا، ولو كان وحيًا لكان معلومًا عنده، وفيه ما يدلُّ على إلغاءِ حكمِ الشَّبَهِ في الحرائر كما هو مذهب مالك. أهـ من المفهم...



(فائدة): وتمامُ هذه القصة ما أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا}. (النور: 4)، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَنْصَارِ:



(أَهَكَذَا أُنْزِلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:



"يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؟!" قَالُوا: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا تَلُمْهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إِلَّا بِكْرًا، وَمَا طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ قَطُّ، فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِه)ِ، فَقَالَ سَعْدٌ:



(وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ، وَأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي قَدْ تَعَجَّبْتُ؛ أَنِّي لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعًا قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَهِيجَهُ وَلَا أُحَرِّكَهُ، حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَوَاللَّهِ لَا آتِي بِهِمْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ)، قَالَ:



(فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا، حَتَّى جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ عِشَاءً، فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَرَأَى بِعَيْنَيْهِ، وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ، فَلَمْ يَهِجْهُ، حَتَّى أَصْبَحَ، فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ:



(يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي عِشَاءً، فَوَجَدْتُ عِنْدَهَا رَجُلًا، فَرَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ، وَسَمِعْتُ بِأُذُنَيَّ)، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ، فَقَالُوا:



(قَدِ ابْتُلِينَا بِمَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، الْآنَ يَضْرِبُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَيُبْطِلُ شَهَادَتَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ)، فَقَالَ هِلَالٌ:



(وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي مِنْهَا مَخْرَجًا!) فَقَالَ هِلَالٌ:



(يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ أَرَى مَا اشْتَدَّ عَلَيْكَ مِمَّا جِئْتُ بِهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ)



فَوَاللَّهِ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ بِضَرْبِهِ؛ إِذْ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ عَرَفُوا ذَلِكَ فِي تَرَبُّدِ جِلْدِهِ يَعْنِي، فَأَمْسَكُوا عَنْهُ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الوَحْيِ، فَنَزَلَتْ:



{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ}. (النور: 6) الْآيَةَ كُلَّها، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ:



"أَبْشِرْ يَا هِلَالُ! فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا" فَقَالَ هِلَالٌ:



(قَدْ كُنْتُ أَرْجُو ذَاكَ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:



 "أَرْسِلُوا إِلَيْهَا"، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهَا، فَجَاءَتْ، فَتَلَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا، وَذَكَّرَهُمَا، وَأَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، فَقَالَ هِلَالٌ:



(وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ صَدَقْتُ عَلَيْهَا)، فقالَتْ:



(كَذَبَ)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:



"لَاعِنُوا بَيْنَهُمَا"، فَقِيلَ لِهِلَالٍ:



(اشْهَدْ)، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْخَامِسَةِ، قِيلَ:



(يَا هِلَالُ! اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكَ الْعَذَابَ)، فَقَالَ:



(لَا وَاللَّهِ لَا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا)، فَشَهِدَ فِي الْخَامِسَةِ:



( أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ)، ثُمَّ قِيلَ لَهَا:



(اشْهَدِي أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ؛ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ)، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قِيلَ لَهَا:



(اتَّقِ اللَّهَ! فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكِ الْعَذَابَ)، فَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ:



(وَاللَّهِ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي)، فَشَهِدَتْ فِي الْخَامِسَةِ:



(أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَلَا تُرْمَى هِيَ بِهِ، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ، وَلَا قُوتَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ، وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا، وَقَالَ:



("إِنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ")، أبيضَ ("أُرَيْسِحَ")، خفيف الأليتين، ("حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالٍ")، ("وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا، جُمَالِيًّا")، عظم الخلق كالجمل ("خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ"، فَجَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ، جَعْدًا، جُمَالِيًّا، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:



 "لَوْلَا الْأَيْمَانُ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ" قَالَ عِكْرِمَةُ:



(فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ، وَكَانَ يُدْعَى لِأُمِّهِ وَمَا يُدْعَى لِأَبٍ). (حم) (2131).



 قال القرطبي: وقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن".



وفي البخاري (4747): «لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ»، يفهم من ذلك؛ أنَّ الحكمَ إذا وقع على شروطِه لا يُنقَض وإن تبين خلافه، هذا إن لم يقعْ خللٌ أو تفريط في شيء من أسبابه.



فأمّا لو فرَّطَ الحاكمُ فغلطَ، وتبيَّن تفريطَه وغلطَه بوجه واضح، نُقِض حكمُه، وهذا مذهب الجمهور.



وفيه؛ أنَّ ذكرَ الأوصاف المذمومة للضرورة والوصف بها للتعريف ليس بغيبة. اهـ من المفهم.



قال القرطبي: وظاهر هذا الحديث أنّ هلالًا لما صرَّح بذكر شَريك؛ أنه قذفه، ومع ذلك فلم يحدّه النبي صلى الله عليه وسلم له، وبهذا قال الشافعي:



إنه لا حدّ على الرامي لزوجته إذا سمَّى الذي رماها به ثم التعَن لهما.



وعند مالك؛ أنه يحدّ ولا يكتفى بالتِعانه؛ لأنه إنما التعن للمرأة، ولم يكن له ضرورة إلى ذكره، بخلاف المرأة فهو إذًا قاذف له فيحدّ... من المفهم. بتصرف من (الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم) (16/ 343- 347)، وانظر المفهم (4/ 300- 303).



فوائد وأحكام:



 1- بيانُ سببِ نزول آياتِ الملاعَنة وتفسيرِها تفسيراً عملياًّ، فإنّ هذه الآياتِ نزلت في قصة هلال بن أمية وزوجته على الأصح كما رجحه النووي، ولما نزلت طبق النبي صلى الله عليه وسلم الملاعنة المذكورة في الآية عليهما تطبيقاً عملياً كما في الحديث.



2- دلّ الحديث على أن القذف بالزنا من الكبائر، وأنَّ من قذف زوجته بذلك لزمه أحد أمرين:



إمَّا البينة؛ وهي أربعة شهداء ...، أو اللعان، فإن عجز عن إقامة البينة، وامتنع عن اللعان، حُدَّ حَدَّ القذف ثمانين جلدةً، وحُكِم بفسقه، ورَدِّ شهادته، وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور، لحديث الباب، ولعموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.



وقال أبو حنيفة: إن عجز عن البيّنة لزمهُ اللعان، فإن لم يلاعن حُبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيحدُّ للقذف.



وإذا امتنعت المرأة عن الملاعنة أقيم عليها حدُّ الزنا وهو قول مالك والشافعي، وذهب أحمد.



وأبو حنيفة إلى أنها تحبس حتى تلاعنَ أو تقرّ بالزنا فتحدُّ...



3- يفرّق بينهما فرقة مؤبّدة، ويفسخُ نكاحهما فسخاً يقتضي التحريم؛ كالرضاع عند مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف، فلا تحلُّ له أبداً، لما جاء في حديث سهل: (فمضت السنة بعدُ في المتلاعنين أن يفرَّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً). أخرجه أبو داود (2250)، والبيهقي والدارقطني، (قط: ج3 ص276 ح116) انظر الصَّحِيحَة: (2465)، فلا يجتمعان ولو أكذب أحدهما نفسه.



وقال أبو حنيفة: الفرقة الناشئة عن اللعان طلاق بائنٌ لا يتأبَّد بها التحريم، ...



وحاصل الخلاف؛ أن مالكاً والشافعيَّ وأحمدَ في رواية، يرون أنَّ اللِّعان يستوجبُ الفسخ والفرقةُ الأبدية بين الزوجين بنفس اللعان، إمَّا بعد فراغ الرجل من شهادته كما يقول الشافعي، أو بعد فراغ المرأة من شهادتها كما يقول مالك.



أما أبو حنيفة فإنه يرى أنَّ اللِّعانَ يستوجب الطلاقَ البائن، ولا يتم الطلاقُ إلّا إذا أوقعه الزوج على نفسه، أو أوقعه الحاكم عليه نيابة عنه.



4- أنّ الولدَ إذا نفاه الزوجُ أُلحِقَ بأمّه، ونُسب إليها، وانقطع نسبُه بأبيه وميراثُه منه، واقتصرت علاقته على أمِّه فيرثُها وترثه، وبه قال مالكٌ ومن وافقه من أهل العلم، والدليلُ على انقطاعِ نسبِ الولدِ من أبيه، وإلحاقِه بأمّه؛ حديث ابن عمر؛ (أن رجلاً لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتفى من ولدها، ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وألحق الولد بالمرأة). أخرجه البخاري، ومالك في (الموطأ).



وإنما يؤثر اللعان في رفع حدِّ القذف، وثبوتِ زنا المرأة، فله أن يعتمد اللعان لانتفائه.



وذهب الحنابلة إلى أن الولد يلحق بأمّه ولو لم ينفِه الزوج؛ لما جاء في حديث سهل؛ (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن لا يُدعى ولدُها لأبٍ)، ولم يذكر فيه أن الزوج قد نفاه.



وأجيب عن ذلك بما جاء في بعض الروايات من حديث سهل: (أنها كانت حاملاً، فأنكر حملها)، أخرجه البخاري.



5- بيانُ ألفاظِ الملاعَنة، وكيفيتُها؛ أن يبدأ الإِمامُ بالزوج فيقيمه، ويقول له: قل أربع مرات: (أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا)، ويشير إليها إن كانت حاضرة، ولا يحتاج مع الحضور إلى تسميتِها، وإن كانت غائبة أسماها ونسبها، فقال: (امرأتي فلانة بنت فلان)، فإذا شهد أربع مرات أوقفه الحاكم، وقال له:



(اتق الله فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكل شيء أهون من لعنة الله)، ويأمر رجلاً يضع يده على فيه قبل الخامسة، حتى لا يبادر بالخامسة، فإذا رآه يمضي في ذلك قال له قل:



(إن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا).



ثم يأمر المرأة بالقيام، ويقول لها: قولي:



(أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا)، وتشير إليه، وإن كان غائباً أسمته ونسبته، فإذا كررت ذلك أربع مرات، أوقفها، ووعظها كما ذكرنا في الرجل، ويأمر امرأة تضعُ يدها على فمها، فإن رآها تمضي على ذلك قال لها: قولي:



(وأنّ غضب الله عليَّ إن كان زوجي هذا من الصادقين).



ثم إن هذه الشهادات الخمس شرط، فإنَّ أخَلَّ بواحدة منها، لم يصح اللعان، ولو أبدل لفظ أشهد بقوله: أحلف فإنه لا يعتدُّ بها عند الحنابلة، وللشافعي وجهان.



والصحيح أنّه لا يصح، كما أفاده ابن قدامة.



6- الجمهور على أن اللعانَ يمينٌ لا شهادة، كما أفاده الحافظ خلافاً لأبي حنيفة... بتصرف من (منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 63- 66).



7- قَوْلُهُ: (لَاعَنَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ) هُوَ عُوَيْمِرٌ الْعِجْلَانِيُّ، وَزَوْجَتُهُ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ الْعِجْلَانِيَّة،ُ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ. تحفة الأحوذي (4/ 327).



[وأخرج ابن أبي حاتم في (التفسير) عن مقاتل بن حيان، قال: لما سأل عاصم عن ذلك ابتلي به في أهل بيته، فأتاه ابن عمه، تحته ابنة عمه، رماها بابن عمه؛ المرأة والزوج والخليل بنو عمِّ عاصم]. البدر التمام شرح بلوغ المرام (8/ 139).



 [وهذا هو الذي قذف به امرأته هلال بن أمية، ولا يمتنع أن يُتَّهمَ شريكُ بنُ سحماء بالمرأتين معًا، ولا سيما مع قربه من امرأة عويمر واختلاطه بهلال بن أمية، فقد ذكر البيهقي في (الخلافيات) من مرسل ابن سيرين؛ أنه كان يأوي إلى منزل هلال]. البدر التمام شرح بلوغ المرام (8/ 141).



8- (أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَلَا تُرْمَى، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ، وَلَا قُوتَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ، وَلَا مُتَوَفَّى عَنْهَا).



9- صفة المتهم بزوجة هلال بن أمية:



أَكْحَلُ العَيْنَيْنِ، أَدْعَجُهما، والأدعجُ: شديد سواد العين مع سعتها. ورجل أدعج: أسود. أَعْيَنُ. أي واسع العين.



ذو أَلْيَتَيْنِ، سَابِغُ الأَلْيَتَيْنِ، عَظِيمُهما،



خَدَلَّجُ أي ضخمُ السَّاقَيْنِ،



رَبْعٌ،



آدَمُ؛ أي شديد السمرة. كَثِيرُ اللَّحْمِ، أَوْرَقُ أي أسمر، إِلَى السَّوَادِ،



جُمَالِيٌّ، أي عظيمُ الخلقة كأنه الجمل في القَدْر، أَسْوَدُ، أَسْحَمُ؛ والأسحم -بالحاء المهملة- شديد السواد، وقال الداودي: أو يميلُ إليها.



خَدْلٌ والخَدْل: الغليظ من الرجال.



جَعْدٌ، قَطَطُ الشَّعْرِ،



أَسْوَدُ اللِّسَانِ،



قَالَ عَاصِمٌ: (فَلَمَّا وَقَعَ أَخَذْتُهُ إِلَيَّ، فَإِذَا رَأْسُهُ مِثْلُ فَرْوَةِ الْحَمَلِ الصَّغِيرِ، ثُمَّ أَخَذْتُ)، قَالَ يَعْقُوبُ: (بِفُقْمَيْهِ، فَإِذَا هُوَ أُحَيْمِرٌ مِثْلُ النَّبْقَةِ، وَاسْتَقْبَلَنِي لِسَانُهُ أَسْوَدُ مِثْلُ التَّمْرَةِ). قَالَ: فَقُلْتُ: (صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم).



فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ  وهي نفس صفة من اتُّهِمَ بزوجة عويمر.



صفة هلال بن أمية:



وَكَانَ مُصْفَرًّا، حَمْشًا، حمشُ الساقين، وأحمش الساقين؛ أي: دقيقهما،



أُصَيْهِبَ، والأصيهب: تصغير الأصهب وهو الأشقر، والأصهب من الإبل: الذي يخالط بياضه حمرة، أَبْيَضَ.



 قَلِيلَ اللَّحْمِ،



 أُرَيْصِحَ، بالصاد والحاء المهملتين تصغير الأرصح، والصاد بدل من السين، والأصل الأرسح. والأرصع بالصاد والعين المهملتين بمعناه، فعلى هذا قد أبدل السين صادا العين حاء، وهو خفيف الأليتين.



أُثُيْبِجَ، تصغير الأثبج وهو الناتئ الثَّبَجِ؛ وهو ما بين الكتفين،



 قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ، [وقضيء العين؛ بالقاف والضاد المعجمة مهموزًا، فعيل هو فاسد العين]. البدر التمام شرح بلوغ المرام (8/ 153).



وَهذه صفات هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ.



صفة عويمر:



أُحَيْمِرُ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، قَصِيرٌ، أَحْمَرُ، والمرادُ بالأحمر هنا هو الأبيض الذي فيه حمرة. والوَحَرَة بفتح الحاء المهملة: دويبة كالعظاءة، تلصقُ الأرض، وأراد المبالغة في قصره.



فجاءت المرأتان المتهمتان بمولدين، كل منها كان على غير صفة زوجيهما، بل على صفة ذلك الخليل الذي رميتا به.



والله تعالى أعلم




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة