دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري



المجلس رقم: (121)



شرح وقراءة وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



أهل السنة- 3/ 6/ 1440هـ، وفق: 7/ 2/ 2019م



كتاب رقم: (8): كتاب الصلاة



باب رقم: (20): باب الصَّلاَةِ عَلَى الْحَصِيرِ



وَصَلَّى جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا.



وَقَالَ الْحَسَنُ: (تُصَلِّي قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَهَا، وَإِلاَّ فَقَاعِدًا).



(بابُ) حكمِ (الصلاةِ على الحصير)؛ وهي ما اتُخذ من سَعَفِ النَّخْل وشبهِه، قدْر طولِ الرجلِ وأكبر، والنكتة ([1]) في هذه الترجمة؛ الإشارةُ إلى ضعف حديث ابن أبي شيبة وغيرِه، عن يزيد بن المقدام عن أبيه عن شريح بن هانئ أنه سأل عائشة: (أكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلّي على الحصير، والله تعالى يقول: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرًا}). (الإسراء: 8)، فقالت: (لم يكن يصلّي على الحصير)؛ لضعف يزيد بن المقدام، أو ردَّه؛ لمعارضةِ ما هو أقوى منه.



(وصلّى جابر) ... بن عبد الله، (وأبو سعيد) الخدري، ... (في السفينة) كلٌّ منهما حال كونه (قائمًا)، ...: أو قيامًا، بالجمع وأراد التثنية.



وأدخل المؤلّف هذا الأثر هنا؛ لما بينهما من المناسبة بجامع الاشتراك في الصلاة على غير الأرض؛ لئلا يُتَوَهَّمَ من قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذٍ: "عفّر وجهك في التراب". ([2])، اشتراطُ مباشرةِ المصلّي الأرضَ.



(وقال الحسن) البصري ... خطابًا لمن سأله عن الصلاة في السفينة: هل يصلّي قائمًا أو قاعدًا؟



فأجابه: (تصلّي) حال كونك (قائمًا ما لم تشق على أصحابك) بالقيام، (تدور معها)؛ أي مع السفينة حيثما دارت، (وإلاّ) بأن كان يشقّ عليهم (فقاعدًا)؛ أي: فصلّ حال كونك قاعدًا؛ لأنّ الحرج مرفوع.



نعم! جوّز أبو حنيفة الصلاةَ في السفينة قاعدًا مع القدرة على القيام، ...



وأورد تحته الحديث الموفي للـ(380) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ)، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ». قَالَ أَنَسٌ: (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا. فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ).



الشرح:



(عن أنس بن مالك)؛ (أن جدّته)، أي: جدّة إسحاق لأبيه، وبه جزم ابن عبد البرّ وعياض وعبد الحق، وصحّحه النووي واسمها (مُلَيكَةُ) بضم الميم بنتُ مالك بن عدي، وهي والدةُ أمِّ أنسٍ؛ لأنَّ أمَّه؛ أمُّ سليم أمُّها مُليكةُ المذكورة.



أو الضميرُ في جدّتها يعود على أنس نفسِه، وبه جزم ابن سعد وابن مندة وابن الحصار، وهو مقتضى ما في النهاية لإمام الحرمين لحديث إسحاق بن أبي طلحة عن أنس عند أبي الشيخ في فوائد العراقيين؛ قال: أرسلتني جدّتي.



 =فالجدةُ مليكةُ= (دعت رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لطعام)؛ أي: لأجل طعام (صنعته) مليكة جدّة إسحاق أو ابنتها أُم سليم والدة أنس (له) عليه الصلاة والسلام (فأكل منه، ثم قال: "قوموا فلِأُصلّيَ") بكسر اللام وضم الهمزة وفتح الياء، على أنها لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، واللام ومصحوبُها خبر مبتدأ محذوف؛ أي: قوموا فقيامكم؛ لأن أصليَ لكم.



ويجوز أن تكون الفاء زائدة على رأي الأخفش واللام متعلِّقة بقوموا. ([3])



=«قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ»=، في رواية الأصيلي؛ فالأصلُ بكسر اللامِ وحذفِ الياء؛ على أن اللام للأمر، والفعل مجزوم بحذفها، ... ("لكم")؛ أي: لأجلكم، وإن كان الظاهر أن يقول: بكم، بالموحدة، والأمر في قوله "قوموا"؛ ... هو أمر لهم بالائتمام، لكن أضافه إلى نفسه؛ لارتباط تعليمهم بفعله اهـ.



فإن قلت: لَمِ بدأ في قصة عتبان بن مالك بالصلاة قبل الطعام، ([4]) وهنا بدأ به قبل الصلاة؟



أُجيب: بأنه بدأ في كلٍّ منهما بأصل ما دعي لأجله، أو دعي لهما، ولعلَّ مليكةَ كان غرضُها الأعظمُ الصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدّمة لها.



(قال أنس) رضي الله عنه: (فقمت إلى حصيرٍ لنا قد اسودّ من طول ما لُبِس) بضم اللام وكسر الباء الموحدة؛ أي: استعمل، ولُبْسُ كلِّ شيء بحسبه، (فنضحته)، أي: رششته (بماء) تليينًا له أو تنظيفًا.



(فقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على الحصير (وصففت واليتيم) هو ضُمَيرة بن أبي ضُمَيرة؛ بضم الضاد المعجمة وفتح الميم؛ مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما في تجريد الصحابة للذهبي، وفي رواية غير المستملي والحموي...



واليتيم، بالرفع ... عطفًا على الضمير المرفوع، وبالنصب... على المفعول معه، أي: وصففت أنا مع اليتيم (وراءه، والعجوز)؛ أي: أُم سليم المذكورة (من ورائنا، فصلّى لنا)؛ أي: لأجلنا (رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركعتين ثم انصرف) من الصلاة وذهب إلى بيته.



فوائد وأحكام:



1- قد استنبط المالكية من هذا الحديث؛ الحنثُ بافتراش الثوب المحلوف على لبسه. وأجاب الشافعية؛ بأنه لا يسمى لُبسًا عرفًا والأيمان منوطة بالعرف، وحمل اللُّبس هنا على الافتراش إنما هو للقرينة، ولأنه المفهوم.



2- وفيه مشروعيةُ تأخُّرِ النساء عن صفوف الرجال، وقيام المرأة صفًا وحدها إذا لم يكن معها امرأة غيرها.



3- و[فِيهِ: إِجَابَة الدعْوَة؛ وَإِن لم تكن وَلِيمَة عرس وَالْأكل من طعامها.



4- وَفِيه: جَوَاز النَّافِلَة جمَاعَة، ...



5- وَفِيه: أَن الْأَفْضَل أَن تكون النَّوَافِل فِي الْبَيْت؛ لِأَن الْمَسَاجِد تبنى لأَدَاء الْفَرَائِض.



6- وَفِيه: الصَّلَاة فِي دَار الدَّاعِي وتبرُكُّهُ بهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّه أَرَادَ تَعْلِيم أَفعَال الصَّلَاة مُشَاهدَةً مَعَ تبركهم، فَإِن الْمَرْأَة قَلّما تشاهد أَفعاله فِي الْمَسْجِد، فَأَرَادَ أَن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غَيرهَا.



7- وَفِيه: تنظيفُ مَكَان الْمصلى من الأوساخ، وَمثله التَّنْظِيف من الكناسات والزبالات.



8- وَفِيه: قيام الطِّفْل مَعَ الرِّجَال فِي صفٍّ وَاحِد.



9- ويستنبط مِنْهُ؛ أَن إِمَامَة الْمَرْأَة للرِّجَال لَا تصح؛ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مقَامُهَا مُتَأَخِّرًا عَن مرتبَة الصَّبِي، فبالأولى أَن لَا تتقدمهم، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، ...



10- وَفِيه: أَن الْأَفْضَل فِي نوافل النَّهَار أَن تكون رَكْعَتَيْنِ، ...



11- وَفِيه: صِحَة صَلَاة الصَّبِي الْمُمَيز. ...



12- وَفِيه: الصَّلَاة على الْحَصِير وَسَائِر مَا تنبته الأَرْض، وَهُوَ إِجْمَاع...



13- وَفِيه: أَن الأَصْلَ فِي الْحَصِير وَنَحْوه الطَّهَارَة، وَلَكِنّ النَّضْحَ فِيهِ إِنَّمَا كَانَ لأجل التليين أَو لإِزَالَة الْوَسخ...



14- وَفِيه: أَن الْإِثْنَيْنِ يكونَانِ صفا وَرَاء الإِمَام، وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة؛ إلاَّ ابْن مَسْعُود، فَإِنَّهُ قَالَ: يكون الإِمَام بَينهمَا...



15- وَفِيه: أَن الْمُنْفَرد خلفَ الصَّفّ تصح صلَاته؛ بِدَلِيل وقُوف الْعَجُوز فِي الْأَخير، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَمَالك، وَقَالَ أَحْمد وَأَصْحَاب الحَدِيث: لَا يَصح لقَوْله: (لَا صَلَاة للمنفرد خلف الصَّفّ) . قُلْنَا؛ أُرِيد بِهِ نفي الْكَمَال...]. عمدة القاري (4/111، 112)



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ).



1- (عبد الله) بن يوسف التنيسي، أبو محمد الكلاعى المصرى، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي (218)هـ.



2- (مالك) بن أنس المدني، هو إمام الأئمة.



3- (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري، النجارى المدنى، أبو يحيى، من الطبقة (4) طبقة تلى الوسطى من التابعين، توفي (132)هـ، وقيل: بعدها.



4- (أنس بن مالك).



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ).



وفيه التحديث والإخبار والعنعنة... ورواته مدنيون خلا شيخ البخاري فمصري.



***



باب رقم: (21): باب الصَّلاَةِ عَلَى الْخُمْرَةِ



(باب الصلاة على الخمرة) بضم الخاء كما سبق.



=والخُمرة: [هِيَ مقدارُ مَا يَضَع الرجُل عَلَيْهِ وجْهه فِي سُجُودِهِ مِنْ حَصِير أَوْ نَسِيجة خُوص وَنَحْوِهِ مِنَ النَّباتِ، وَلَا تَكُونُ خُمْرَة؛ إِلَّا فِي هذا المقدار، وسُمِّيت خُمْرَة؛ لِأَنَّ خُيوطَها مَسْتُورة بِسَعَفِها]. النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 77)=



وأورد تحته الحديث (381) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ).



الشرح:



 (عن) أُم المؤمنين (ميمونة) رضي الله عنها (قالت):



(كان النبي) ... (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على الخمرة)، وقد سبق هذا الحديث قريبًا بغير سنده السابق مع الاختصار كما رواه عن شيخه أبي الوليد مع اختلاف استخراج الحكم فيه.



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ)



1- (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي، الباهلى، البصرى، ولد (133)هـ تقريبا، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (227)هـ.



2- (شعبة) بن الحجاج، بن الورد العتكى، أبو بسطام الواسطى ثم البصرى، من الطبقة (7) من كبار أتباع التابعين، توفي (160)هـ، بـالبصرة.



3- (سليمان الشيباني) ابن أبى سليمان: فيروز، أبو إسحاق، الكوفى، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي (140)هـ، تقريبا.



4- (عبد الله بن شداد) هو ابن الهاد، الليثى، أبو الوليد، المدنى، من الطبقة (2) من كبار التابعين، توفي (81)هـ، وقيل: بعدها بـالكوفة.



5- أُمُّ المؤمنين (ميمونة) رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ).



بصري وواسطي وكوفي ومدني، وتابعي عن تابعي عن صحابية.



والإسناد السابق: (379) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، وهذا الإسناد: (381) حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ.



[وَفَائِدَة تكراره اخْتِلَاف بعض رجال الْإِسْنَاد كَمَا ترى، وَبَيَان مقصد شَيْخه عِنْد نَقله الحَدِيث، وَاخْتِلَاف اسْتِخْرَاج الْأَحْكَام مِنْهُ، وَلكُل من مشايخه مَقْصُود غير مَقْصُود الآخر]. عمدة القاري (4/ 113).



***



باب رقم: (22): باب الصَّلاَةِ عَلَى الْفِرَاشِ



وَصَلَّى أَنَسٌ عَلَى فِرَاشِه



وَقَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْجُدُ أَحَدُنَا عَلَى ثَوْبِهِ.



(باب) حكم (الصلاة على الفراش) من أيّ نوع كان هو جائز سواء كان ينام عليه مع امرأته أم لا. (وصلّى أنس) هو ابن مالك (على فراشه) ... (وقال أنس: ... كنّا نصلّي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيسجد أحدنا)، أي: بعضنا (على ثوبه)؛ أي: الذي لا يتحرك بحركته؛ لأن المتحرك بحركته كالجزء منه...



وأورد تحته ثلاثة أحاديث؛



الحديث الأول: (382) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: (كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلاَىَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَىَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا). قَالَتْ: (وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ).



الشرح:



... (1/406) ... (عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها قالت):



(كنت أنام بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، أي: أنام أمامه (ورجلاي في قبلته) جملة حالية؛ أي: في موضع سجوده، (فإذا سجد) عليه الصلاة والسلام (غمزني) بيده، أي: مع حائل.



=أقول: قال ذلك لأنه شافعي المذهب، الذي يقول بنقض الوضوء من ملامسة المرأة، والحديث ليس فيه ذكر للحائل.=



قالت= (فقبضت رجلَيَّ) بفتح اللام وتشديد الياء بالتثنية، ... (فإذا قام) عليه الصلاة والسلام (بسطْتُهما) بالتثنية ... (قالت) عائشة رضي الله عنها؛ معتذرة عن نومها على هذه الهيئة: (والبيوتُ يومئذ)، أي: وقت إذ (ليس فيها مصابيح)، أي: إذ لو كانت لقبضت رجليها عند إرادته السجود، ولما أحوجته للغمز.



فوائد وأحكام:



1- واستنبط الحنفية من هذا الحديث عدم نقض الوضوء بلمس المرأة.



وأُجيب: باحتمال أن يكون بينهما حائل من ثوب أو غيره أو بالخصوصية.



وأُجيب: بأن الأصلَ عدمُ الحائل في الرِّجلِ واليد عرفًا، وبأن دعوى الخصوصية بلا دليل، وبأنه عليه الصلاة والسلام في مقام التشريع لا الخصوصية.



2- =فيه ضيق البيوت وعدم سعتها، وإلا لما احتاج صلى الله عليه وسلم أن يغمز رجل عائشة رضي الله عنها.



3- [فِيهِ جَوَاز صَلَاة الرجل إِلَى الْمَرْأَة، وَأَنَّهَا لَا تقطع صلَاته، ...



4- فِيهِ اسْتِحْبَاب إيقاظ النَّائِم للصَّلَاة.



5- أَن الْمَرْأَة لَا تبطل صَلَاة من صلى إِلَيْهَا، وَلَا من مرت بَين يَدَيْهِ، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْفُقَهَاء سلفا وخلفاً، مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، وَمَعْلُوم أَن اعتراضها بَين يَدَيْهِ أَشد من مرورها، وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه يقطع مُرُور الْمَرْأَة وَالْحمار وَالْكَلب، وَقَالَ أَحْمد: يقطعهَا الْكَلْب الْأسود، وَفِي قلبِي من الْحمار وَالْمَرْأَة شَيْء. وَالْجَوَاب: عَن حَدِيث قطع الصَّلَاة بهؤلاء من وَجْهَيْن: إِن الـمُرَاد من الْقطع: النَّقْص، لشغل الْقلب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، وَلَيْسَ الـمُرَاد إِبْطَالهَا؛ لِأَن الْمَرْأَة تغير الْفِكر فِيهَا، وَالْحمار ينهق، وَالْكَلب يهوش، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَشْيَاء آيلةٌ إِلَى الْقطع أطلق عَلَيْهَا الْقطع.



6- أَن الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة غير قَادِح.



7- جَوَاز الصَّلَاة إِلَى النَّائِم، وَكَرِهَهُ بَعضهم، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: "لَا تُصَلُّوا خَلْفَ النَّائِمِ، وَلَا الْمُتَحَدِّثِ". (د) (694)، (جة) (959)، (هق) (3330)، وحسنه الألباني في الإرواء (375)



8- فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة على الْفراش، ...]. بتصرف من عمدة القاري (4/ 114، 115).=



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ).



1- (إسماعيل) بن عبد الله بن أبي أُوس المدني ابن أُخت الإمام مالك بن أنس.



2- (مالك) إمام دار الهجرة المدني.



3- (أبو النضر) بفتح النون وسكون المعجمة؛ سالم بن أبى أمية القرشى التيمي، أبو النضر المدني، مولى عمر بن عُبَيد الله بن معمر التيمي، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي (129هـ)، روى له (ع)، ثقة ثبت نبيل، وكان يرسل.



4- (أبو سلمة) بفتح اللام عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف المدني من الوسطى من التابعين.



5-(عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ).



ورواته الخمسة مدنيون، وفيه التحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة والقول، ... وفيه تابعيان عن صحابية.



الحديث الثاني: (383) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ؛ (أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَهْيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الْجَنَازَةِ).



... عن (عروة) بن الزبير بن العوّام (أن عائشة) رضي الله عنها (أخبرته)؛ (أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلّي) في حجرتها، (وهي بينه وبين القِبلة)، أي: والحال أن عائشة بينه عليه الصلاة والسلام وبين موضع سجوده، (على فراش أهله)، وهي معترضة بينه وبين موضع القبلة، (اعتراض الجنازة) بكسر الجيم وقد تفتح، ... أي: اعتراضًا كاعتراض الجنازة؛ بأن تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة يساره، كما تكون الجنازة بين يدي المصلّي عليها.



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ؛ (أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ).



1- (يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا.



2- (الليث) بن سعد.



3- (عقيل) بضم العين ابن خالد بن عَقيل بفتح العين.



4- (ابن شهاب) الزهري.



5- (عروة) بن الزبير بن العوّام.



6- (عائشة) رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ؛ (أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ).



ورواة هذا الحديث الستة ما بين مصري ومدني، وفيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد والعنعنة، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابية، ...



***



الحديث الثالث: (384) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ؛ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى الْفِرَاشِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ).



الشرح:



... (عن عروة) بن الزبير بن العوّام؛ (أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلّي وعائشة) رضي الله عنها (معترضة بينه) عليه الصلاة والسلام (وبين القبلة على الفراش الذي ينامان عليه) فيه تقييد الفراش بكونه الذي ينامان عليه، بخلاف الرواية السابقة، فإنها بلفظ فراش أهله، وهي أعمّ من أن يكون هو الذي ناما عليه أو غيره، وفيه إشارة إلى أن حديث أبي داود عن عائشة كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يصلّي في لُحُفنا لم يثبت عنه.



فوائد وأحكام:



واستنبط منه؛ أن الصلاة إلى النائم لا تكره، وأن المرأة لا تُبطِل صلاة مَن صلّى إليها، أو مرّت بين يده كما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة والشافعي، وغيرُهم من جمهور السلف والخلف، لكن يكره عند خوف الفتنة بها، واشتغالِ القلب بالنظر إليها.



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ).



1- (عبد الله بن يوسف) التنيسي، أبو محمد الكلاعى المصرى، توفي (218)هـ.



2- (الليث) بن سعد المصري.



3- (يزيد) بن أبي حبيب؛ سويد الأزدى، أبو رجاء المصرى، من صغار التابعين، توفي (128هـ).



4- (عراك) بكسر العين ابن مالك الغفارى الكنانى المدنى، من الطبقة (3) من الوسطى من التابعين، توفي بعد (100هـ) فى خلافة يزيد بن عبد الملك، روى له (ع) ثقة، قال عمر بن عبد العزيز: ما أعلم أحدا أكثر صلاة منه، وقال أبو الغصن ثابت: كان يصوم الدهر.



5- (عروة) بن الزبير بن العوّام بن خويلد القرشى، أبو عبد الله المدنى، ولد فى أوائل خلافة عثمان، من (3) من الوسطى من التابعين، توفي (94هـ) على الصحيح.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ).



رواته ما بين مصري ومدني، وفيه رواية ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه التحديث والعنعنة وصورته صورة المرسل، لكنه محمول على أنه سمع ذلك من عائشة بدليل الرواية السابقة.



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (23): باب السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرّ.




 






([1]) [النكتة: هي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان، من: نكت رمحه بأرض، إذا أثر فيها وسميت المسألة الدقيقة: نكتة؛ لتأثير الخواطر في استنباطها]. التعريفات للجرجاني (ص: 246).





([2]) هو عند الترمذي وأحمد موجه لأفلح فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: (رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَامًا لَنَا يُقَالُ لَهُ: أَفْلَحُ إِذَا سَجَدَ نَفَخَ)، فَقَالَ: "يَا أَفْلَحُ، تَرِّبْ وَجْهَكَ". (ت) (381)، (حم) (26572) (حم) (26744)، قال الأرناؤوط: إسناده ضعيف، وعند ابن حبان: "يَا رَبَاحُ، تَرِّبْ وَجْهَكَ". (حب) (1913)، (الضعيفة) (5485).





([3]) [وفي رواية: "فلأصلّيْ" بكسر اللام على أنه لام كي، وسكون الياء على لغة التخفيف.



أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح.



وللأربعة" "فلأصلّي" بفتح اللام مع سكون الياء على أن اللام لام ابتداء للتأكيد. (يتبع...



... تابع)، أو هي لام الأمر فتحت على لغة بني سليم، وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح كقراءة قنبل: مَن يتّقي ويصبر...]. شرح القسطلاني (1/405)





([4]) مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ،... فذكر حديثا وفيه (... فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْت)َ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ» قَالَ: (فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ. (خ) (425)، (خ) (1186)، (م) 263- (33)، [قال القتيبي: الخزيرة؛ لحم يقطَّع صغارًا، ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة.



وسمعت الأزهري يقول: سمعت عبد الله بن عروة الفقيه يقول: سمعت أيا الهيثم يقول: إذا كان من دقيق فهو حريرة، وإذا كان من نخال فهو خزيرة]. الغريبين في القرآن والحديث الهروي (المتوفى: 401هـ)، (2/ 550)





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة