علم الأولين والآخرين



في إياك نعبد وإياك نستعين



 



صاحب الفضيلة



الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:



قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه في مجموع الفتاوى (8/ 76):



[قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ، جَمَعَ عِلْمَهَا فِي الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ: التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ، وَجَمَعَ الْأَرْبَعَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَعِلْمَ الْقُرْآنِ فِي الْمُفَصَّلِ، وَعِلْمَ الْمُفَصَّلِ فِي الْفَاتِحَةِ، وَعِلْمَ الْفَاتِحَةِ فِي قَوْلِهِ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}].



إن الله جمع علم الأولين علم التوراة والإنجيل، علم الزبور والصحف، صحف إبراهيم وموسى، علم الأنبياء، علم الرسل عليهم الصلاة والسلام في القرآن الكريم، وجمع علم القرآن الكريم في المفصل، ما معنى المفصل؟ السور التي في آخر المصحف، من سورة (ق) إلى آخر سورة الناس.



علم الأولين في القرآن في المفصل، وجمع علم المفصل في الفاتحة، فالفاتحة فيها علم المفصل، والقرآن فيه علم الأولين.



وجمع علم الفاتحة في: {إياك نعبد وإياك نستعين}.



إذن علم الأولين والآخرين في هذه الآية: {إياك نعبد وإياك نستعين}،



إذا صلحت العبادة لله سبحانه وتعالى، فوحدناه توحيد العبودية والألوهية،



واستعنا به على أمورنا في الدنيا والآخرة،



صلحت دنيانا وأخرانا بهاتين الكلمتين، {إياك نعبد}، توحيد {وإياك نستعين}.



فكلّ الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.



وعدد الرسل فوق الثلاثمائة وأربعةَ عشر رسولا،



وأمَّا الأنبياء فمائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، أرسلهم الله عز وجل إلى عباده،



فالرسل أخص، والرسل على عدة أهل بدر، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم عدتهم عدة الرسل الذين أرسلهم الله إلى أقوامهم.



فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: (أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهو فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَمْ وَفَاءُ عِدَّةِ الْأَنْبِيَاءُ؟) قَالَ: ("مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا"). (طب) (7871)، (ك) (4166)، انظر المشكاة: (5737)، وهداية الرواة: (5669)



قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ؟) (حب) (361)، انظر صحيح موارد الظمآن: (81)، (1745)،



 قَالَ: ("ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا"). (حم) (22288)، (طب) (7871)، انظر الصَّحِيحَة: (2668)،



 قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ كَانَ أَوَّلُهُمْ؟) قَالَ:



("آدَمُ")، قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللهِ أَنَبِيٌّ مُرْسلٌ؟) قَالَ:



("نَعَمْ! خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَكَلَّمَهُ قِبَلًا"). (حب) (361)، (حم) (22288).



قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: [وجملة القول: إن عدد الرسل المذكورين في حديث الترجمة صحيح لذاته، وأن عدد الأنبياء المذكورين في أحد طرقه، وفي حديث أبي ذر من ثلاث طرق، فهو صحيح لغيره. (الصحيحة) (6/ 1/363،358)]. موسوعة الألباني في العقيدة (8/ 140)



فعلم الأولين والآخرين في عبادة الله سبحانه وتعالى،



فإذا صلحت وحسنت العبادة، وأخلصها العبد لله صلحت الدنيا،



وبالتالي صلحت الآخرة، فبعبادة الله سبحانه وتعالى يستقيم الناس، وتصلح أحوالهم،



وبالكفر بالله سبحانه وتعالى قد تصلح أحوالهم إلى حد ما، لكن لا تصلح آخرتهم،



لذلك يحكم على الكافر -والعياذ بالله- الذي ينكر وجود الله سبحانه وتعالى،



أو ينكر رسله وما شابه ذلك، قال عنهم الله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}. (الأعراف: 179).



يأكل ويشرب مثل الأنعام، يعني ماذا نستفيد من البهائم؟ البهائم يستفاد منها من حليبها، {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ}. (النحل: 7)، والأنعام فيها فوائد كثيرة جدًّا دنيوية، وقد تستفيد منها لدينك يا عبد الله، تركب الدابة لتوصلك إلى المسجد مثلا، أو تحجّ عليها أو ما شابه ذلك.



وكذلك غير المسلم -الذي لم يؤمن بالله ولا برسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بدينه سبحانه وتعالى- قد تستفيد منه البشرية في الصناعات والتقدُّم والرُّقِيّ...



لكن هذا لا يمنع أن يَحكمَ عليه الله عز وجل بأنه كالأنعام؛ لأنه لا يدري عن آخرته شيئا، نسأل الله السلامة.



{إياك نعبد وإياك} ففي عهد النبوة وما بعدها؛ وبهذه الكلمة: {إياك نعبد وإياك نستعين} كان للأمة ما كان من رفعةٍ، ومجدٍ وعزٍّ وتوسّع، في علوم الدنيا والدين، في كلا الأمرين دنيا ودين، كان لهم السبق في كلِّ الأمور.



بينما كان ما حولهم ممن لا يعبدون الله حقَّ العبادة، ولا يؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يعيشون في الظلمات، ظلمات الجهل والتأخر والتخلف، لذلك يسمُّون أوروبا في العصور الوسطى وما قبل؛ عصر الظلمات، وما تحضرت أوروبا إلا متأخِّرا.



لكن ابتعدت عن الدين؛ لأنهم رأوا في الدين الذي يُقدَّم إليهم ليس بذاك الدين الحقيقي، بل هو دين كهنوتي، الدين الذي كان يتملك في رقاب الناس ويستذلهم.



بينما هذا الدين الإسلامي أخرج الناس من عبودية البشر والعباد، إلى عبودية الله سبحانه وتعالى، {إياك نعبد وإياك نستعين}.



والعبادة؛ ما معنى عبد؟ العبد هو من يؤمر فيطيع، حتى لو أثقل عليه؛ عبد، هذا عند البشر، وأنت عبد لله سبحانه وتعالى، لا يجبرك على شيء، إذا صليت بحريتك واختيارك، وإذا صليت صليت باختيارك، باندفاع داخلي منك، طاعةً لله عز وجل.



وإذا حججت فأنفقت المال، وأتبعت النفس، فهذه عبودية لله سبحانه وتعالى.



إذن عبوديتك لله؛ فيها الطاعة وفيها المحبة لهذا الفعل، أمّا إذا كان فيها شيء ناقص من هذا فلا يكون عبدا، كالذي يطيع عدوَّه القاهرَ له؛ لأنه يخاف منه لكنه لا يحبه، نحن نخاف من الله عز وجل ونحبّه، خوف مع محبة، عبودية لله سبحانه وتعالى.



{إياك نعبد وإياك نستعين}، فلا نستعين بغيرك، العبد الحقيقي لا يستعين بغير الله عز وجل، في أي شيء؟ في الأمور التي لا يستطيع أحدٌ من خلق الله أن يؤديَها إليك، فتستعين بالله سبحانه وتعالى.



وهذا لا يمنع من الاستعانة بغير الله في الأمور الطبيعية التي يستطيعها العبد، كأن تقول: يا فلان تعال أعني على رفع هذا الثقل على ظهري، أو ساعدني في بناء بيتي، أو ما شابه ذلك، فالمساعدة هذه والمعاونة جائزة.



لكن الاستعانة الحقيقية التي لا يقدر أحد من الخلق أن يقدمها لك، هذه تطلبها من الله سبحانه وتعالى، فلا تطلبها من نبي مرسل، ولا من ملك مقرب، ولا من صالح من الصالحين، تطلبها من الله سبحانه، وحده لا شريك له.



{إياك نعبد وإياك نستعين}، مثال على ذلك؛ الطلب على هذا {اهدنا الصراط المستقيم}، أنت تستعين بالله أن يهديك الصراط المستقيم، فلو أن أحدا طلب الهداية من غير الله ما كان صادقا في قوله: {إياك نستعين}، ما كان صادقا لأنه الهداية لا تكون إلا من الله، لا تكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال الله في حقه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. (القصص: 56).



فالاستعانة هذه مهمة جدا، في أمورك التي تسيرك في عبادتك، فلا تستعِن بالله.



ثم إذا انصرف الخلق عنك، ذهبت إلى الكُبراء لحلِّ مشكلتك؛ إلى المسئولين، يقدرون على حلّها، لكنهم تقاعسوا عنها، وتركوك فتوجه إلى الله، استعن بالله في قضاء هذه الحاجة التي يستطيعون فعلها، لكن قصروا عنك فيها، وانظر إلى النتيجة، أكثِرْ من الاستغفار، أكثر من الدعاء، أكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الذي يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ يُكفَى همُّه ويُغفر ذنبه.



عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أُكْثِرُ الصَلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟)، فَقَالَ: ("مَا شِئْتَ")، قُلْتُ: (الرُّبُعَ؟!) قَالَ: ("مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ")، قُلْتُ: (النِّصْفَ؟) قَالَ: ("مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ")، قُلْتُ: (فَالثُّلُثَيْنِ؟) قَالَ: ("مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ")، قُلْتُ: (أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟!) قَالَ: ("إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ"). (ت) (2457)، (ك) (3578)، صَحِيح الْجَامِع: (7863)، الصَّحِيحَة: (954)، صَحِيح التَّرْغِيبِ (1670).



 فأبيُّ بن كعب يكثر كم الدعاء، فيقول: كَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ دُعَائِي صَلَاةً عَلَيْك؟



فبين له صلى الله عليه وسلم أنه إِذَا صَرَفَ جَمِيعَ أَزْمَانِ دُعَائِه فِي الصَّلَاةِ عَلَيه صلى الله عليه وسلم؛ أُعْطِيَ مَرَامَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. انظر تحفة الأحوذي (6/ 249).



فإذا وقعت في همٍّ فأكثر من الصلاة عليه، صلى الله عليه وسلم، يُكفى همك ويغفر ذنبك، أمران أحدهما دنيوي، والآخر ديني، يغفر ذنبك ديني، ويُكفَى همُّك دنيوي، همومك كلها تذهب بالصلاة عليه، صلى الله عليه وسلم، اجعل لك وردا يوميا عشر مرات تصلي عليه صباحا، وعشر مساء إن قل، وإن زدت فهو خير وأفضل لك يا عبد الله، {إياك نعبد وإياك نستعين}.



لذلك نجد أن كثيرا من الناس يظن أن بينه وبين الله في الأمور التي لا يستطيعها أحد واسطة، يجعل له وسيلة، الوسيلة الحقيقية هي صدق توجه قلبِك إلى الله سبحانه وتعالى، الوسيلة الحقيقية بينك وبين الله عملك الصالح، صدقة لفقير ومسكين، أو مسح رأس يتيم، دعوة صالحة لأخيك المسلم في ظهر الغيب، هذه كلها وسائلك إلى الله.



لكنّ الأشخاصَ والأفرادَ وما شابه ذلك، تأخذ من علومهم إن كان عندهم علوم، تأخذ من أعمالهم إن كانت لهم أعمال تقتدي بهم، هذه واسطتك.



فالاستعانة بالله سبحانه وتعالى تحتاج فيها إلى الصدق مع الله سبحانه وتعالى، وتتوكل عليه، وثق تماما أن الأمر الذي تريده؛ في الأزل مكتوبٌ قضاؤه، أو مكتوبٌ حرمانك منه، وإعطاؤك شيء أفضل منه.



إياك أن تقول: دعوت ثم دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي، هنا لا يستجاب لك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهُ قَالَ: ("لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ") قِيلَ: (يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟!) قَالَ: ("يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ"). (م) 92- (2735).



بل استمر على الدعاء والطاعة، ولعل الله عز وجل لا يعطيك ما تريد لكن يعطيك أفضل، سواء في الدنيا يدفع عنك مصيبة كبيرة، بدل أن يؤتيك ما طلبت من دعاء، أو يؤجله إلى يوم القيامة، فتتمنى يوم القيامة أن أُجِّلت كل الدعوات التي دعوتها؛ لأن الدنيا انتهت، ويبقى يوم القيامة للمتقين؛ منازل ودرجات، ورفعة مقامات وحسنات، وغرف من فوقها غرف مبنية؛ لهؤلاء الناس، {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ}. (الزمر: 20).



أختم كلامي عن بعض الناس من المؤمنين الصالحين؛ مَنْ كتب الله له منازلَ في الجنة عاليةً جدا، لكن عند الحساب، أعماله وطاعاته لا تفي له بأن يصل هذه المنازل، لا تفي له لينال تلك الدرجات، هو مقصر في الطاعات، مقصر في العبادات، يعبد الله عز وجل بالفرائض، وبعض السنن وبعض التطوعات لكن مشغول بأمور الدنيا والله يحبه، والله يريد له الخير، فكيف لهذا الإنسان يصل إلى الدرجات العلى، مع أن كل إنسان له درجة معينة بعمله، هذا يكون أمر آخر، وهو الابتلاء...



الابتلاء في النفس بالمرض بالهموم بالمصائب الدنيوية، مرض أو مصيبة في الأهل فيصير عنده الهموم، مرض في الأولاد، ذهاب في الأموال، ابتلاء من الله نقص من الأنفس والثمرات، وبشر الصابرين، فهذا الإنسان ما نال ما كتب له عند الله عز وجل من درجات ومنازل بالطاعات، ولكنه نالها بصبره على المصائب الدنيوية، لأنه استعان بالله عز وجل في رفع الكرب، ورفع الهم، ورفع الدين، ورفع الهموم التي عنده بالله سبحانه وتعالى، فاستعانته هذه ووقوع ما عليه من هموم ومصائب، حتى الشوكة يشاكها كما ورد في الحديث كتبت له تلك المنازل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: (لَمَّا نَزَلَتْ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}؛ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)، فَقَالَ: ("قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا، وَفِي كُلِّ"). (ت) (3038) (م) (2574)، (حم) (7386).



("مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوْ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا"). (م) (2574)، (ت) (3038)، (ن) (11122)، (حم) (7386).



-(قَارِبُوا)، أَيْ: اِقْتَصِدُوا، فَلَا تَغْلُوا وَلَا تُقَصِّرُوا، بَلْ تَوَسَّطُوا. (وَسَدِّدُوا)، أَيْ: اِقْصِدُوا السَّدَادَ وَهُوَ الصَّوَابُ. و(النَّكْبَة): مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْحَوَادِثِ. تحفة الأحوذي (7/ 359).-



فلا تتعجب يا عبد الله! عندما يموت الإنسان وتعرض عليه أعماله، فيجد ما له من ثواب أو عقاب، يكشفُ له الحجاب، وإذا به -وهو ميت- تأتيه الحسنات والمنازل العاليات، ارتفعت له درجة أو درجتان أو ثلاثة، وما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، من أين لي هذا يا رب؟ فيقال: بدعوة ولدك الصالح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ اللهَ عز وجل لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟! فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ"). (حم) (10610)، (جة) (3660)، صَحِيح الْجَامِع: (1617)، الصَّحِيحَة: (1598).



إذن؛ العبد بعد موته يكون قد ترك خيرًا هو سبب فيه، فرعٌ منه، شعبةٌ منه، ذريةٌ صالحةٌ دعت له بظهر الغيب، فنفعته عند الله سبحانه وتعالى.



إنّ الله جمع علم الأولين والآخرين في القرآن الكريم، وجمع علمَ القرآنِ الكريم في المفصّل، وجمع علم المفصل في الفاتحة، وجمع علم الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين.



فاللهم إياك نعبد وإياك نستعين.



اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



بارك الله فيكم



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة