التعليق على صحيح الإمام مسلم



المجلس رقم: (80)



قراءة وشرح وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الزعفران- 28/ 5/ 1440هـ، الموافق: 3/ 2/ 2019م



كتاب رقم: (13): كتاب العِدَّة



باب رقم: (5): باب في الإحداد



في هذا الباب بيان إحداد المرأة في العدة على الميت ومنه ترك الكحل. 



(والإحداد)؛ بمهملات مع كسر الهمزة من (أحَدَّ) الرباعي، ويقال فيه: (الحداد) بكسر الحاء من حد الثلاثي، ويروى (الجِداد) بالجيم من جدَدْتُ الشيء؛ أي: قطعته؛ لأنها قطعت نفسها من الزينة والطيب. وأمّا (الاستحداد) بالسين؛ فهو استعمال الحديد كالموسى في حلق الشعر وإزالته من العانة، كما هو معلوم؛ أي فمعناه لغة: المنع.



وشرعًا: امتناع المرأة من الزينة؛ أي: من استعمال الزينة في البدن؛ بترك لبس مصبوغ يقصد لزينة؛ كثوبٍ أصفرَ أو أحمرَ، ويترك حُلِيٌّ؛ من ذهب أو فضة أو غيرهما إن مُوّه بأحدهما، وإنما حَرُمَ عليها ذلك؛ لأنَّه يزيدُ في حسنها، كما قيل:



وما الحليٌّ إلا زينةٌ لنقيصةٍ ... يُتَمِّمُ من حُسنٍ إذا الحسنُ قصَّرا



فأمَّا إذا كان الجمال موفَّرًا ... كحُسْنِكِ لم يَحتْجْ إلى أنْ يُزَوَّرا



الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 301) وانظر شرح ابن بطال على صحيح البخاري (15/ 315)



وأورد تحته الحديث رقم: (863) عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ، قَالَ قَالَتْ زَيْنَبُ: (دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا)، ثُمَّ قَالَتْ:



(وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ؛ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"). قَالَتْ زَيْنَبُ:



(ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ)، ثُمَّ قَالَتْ:



(وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ؛ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا")، قَالَتْ زَيْنَبُ: سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ:



(يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟!) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ")، (1) قَالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِزَيْنَبَ:



(وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟!) فَقَالَتْ زَيْنَبُ:



(كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ؛ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ). (م4/ 202)، (م) (1488)، (1489)، ونحوه (خ) (5336)، (5337). 



شرح الحديث:



 (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ) أَبُو أَفْلح الْأنْصَارِيّ، (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ)؛ بنِ عبد الْأسد، وَهِي بنتِ أمِّ سَلمَة زوجِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهِي ربيبة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزعم ابْن التِّين؛ أَنَّهَا لَا رِوَايَة لَهَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد أخرج لَهَا مُسلم حَدِيثهَا: "كَانَ اسْمِي بَرَّةَ؛ فسماني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَيْنَب"، وَأخرج لَهَا البُخَارِيّ حَدِيثا ..



وَقَالَ أَبُو عمر: ولدتها أمهَا بِأَرْض الْحَبَشَة، وقدمت بهَا، وحفظت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ... وَكَانَت من أفقه نسَاء زمانها.



(أَنَّهَا)، أي: أن زينب (أَخْبَرَتْهُ) أخبرت حميداً (هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ)، الآتية الأول؛ عن أم حبيبة، والثاني؛ عن زينبَ بنتِ جحش، والثالث؛ عن أمِّها أمّ سلمة رضي الله تعالى عنهن (قَالَ) حميد (قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنتِ أبي سفيان الأموية رضي الله عنهما (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ)، صخر بن حرب الأموي رضي الله عنه، (فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ)، أي: طلبت طيبًا ذا صفرة هو خَلوق أو غيره، والخلوق؛ بفتح الخاء المعجمة؛ أخلاط من الطيب يتخذ من الزعفران وغيره كالورس، قاله الزبيدي في تاج العروس، (فَدَهَنَتْ) أمُّ حبيبة (مِنْهُ)، أي: من ذلك الطيبِ (جَارِيَةً)، عندها أي طلتها من ذلك الطيب تقليلًا وتخفيفًا لما في يديها، (ثُمَّ مَسَّتْ) أمُّ حبيبة (بِعَارِضَيْهَا)، أي: أفْضَت وألصقت أمُّ حبيبة بيديها إلى جانبي وجهها، فمسحتهما به؛ أي: بما بقي في يديها منه، قال النووي: وإنما فعلت ذلك؛ لدفع صورةِ الإحداد، مع دلالة الحديث على جوازه على غير الزوج في الجملة، والعارضان هنا؛ الخدان، وأصل العوارض الأسنان، وسميت الخدود عوارض؛ لأنها عليها من باب تسمية الشيء باسم مجاوره،



وقال السنوسي: هما الوجه من فوق الذقن إلى ما دون الأذن.



ثُمَّ قَالَتْ:



(وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ) في هذا الوقت؛ (غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ)، أي: لا يحلُّ ولا يجوز لها إحدادُها، والإحداد كما مرّ؛ ترك الزينة والطيب، (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ) من الليالي ولو نصف ليلة، وإنما قدرنا الليالي؛ لأنه ذَكَّرَ اسمَ العدد، وأكثر روايات البخاري: (فوق ثلاث ليال)، قال النووي: وفيه دلالة على جواز الإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام فما دونها، ولو أرادت أن تحدَّ على قرابة ثلاثة أيام فما دون، ولها زوج فله أن يمنعها؛ لأن الزينة حقُّه، وهذا الإحدادُ مباح لها لا واجبٌ عليها.



وقال القرطبي: ويستفاد منه أن المرأة إذا مات حميمُها؛ فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات قريبها في بقية يوم أو ليلة ألغتها، وحسبت من الليلة القابلة المستأنفة. اهـ من المفهم.



 (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) فتحُدّ عليه (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا") من الليالي، منصوب على الظرف، والعامل فيه "تحد" مقدرًا، وعشرًا معطوف عليه، أي: تحد عليه إلى انقضاء عدة الوفاة، قاله القرطبي...



قال العباد: [فهذا هو الحديث الأول من الأحاديث الثلاثة التي حدثت بها زينب بنت أبي سلمة رضي الله تعالى عنها، وفِيه: أن أم حبيبة تفعل هذا الفعل ليس من أجل أنها ترغب في أن تستعمل الطيب، وإنما من أجلِ أن تبتعد عن الشيء الذي فيه مخالفةٌ لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الإحداد، والامتناعِ من الطيب، فهي تقصد بذلك تنفيذَ وتطبيقَ السنة، وأنها لا تكون محِدَّة وممتنعة من الزينة والطيب من أجل ميت غير الزوج؛ لأن الزوج هو الذي يُحَدُّ عليه أربعة أشهر وعشراً، فتمتنع المرأة من الزينة ومن الطيب فيها، وأما غيره فليس لها أن تزيد على الثلاثة أيام التي هي أيام الحزن والمصيبة التي حلّت بأهل الميت.



وقوله: (تؤمن بالله واليوم الآخر) ذكر فيه الإيمان بالله عز وجل؛ لأنه هو الأساس، وذكر الإيمان باليوم الآخر؛ لأنه يوم الجزاء والحساب.



وفيه: التنبيه على امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فالإنسان أمامه ثواب وعقاب، فيستعد لذلك اليوم من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لذلك نصّ على الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله، والإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر هما من أصول الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر؛ خيره وشره، فقوله: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) هذا فيما يتعلق بالنواهي، ويأتي أيضاً في الترغيب: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، فذكر اليوم الآخر من أجل الترغيب ومن أجل تحصيل الثواب، ويذكر في الترهيب من أجل الحذر من العقاب.



وفيه: بيان أن العدة هي أربعة أشهر وعشر، وأن الإحداد إنما يكون أيضاً في العدة، ومن المعلوم أن العدة والإحداد إنما يبدأان من الوفاة، فلو لم تعلم المرأة بوفاة زوجها إلا بعد أن تمضي مدة من العدة فإنها تعتد الباقي، ولو لم يأت الخبر إلا بعد أربعة أشهر وعشر؛ فإنها تكون قد مضت عدتها ولا يلزمها أن تأتي بعدة جديدة، فالعدة هي أربعة أشهر وعشر من وفاة الزوج، سواء عُلم بذلك أو لم يُعلم، وإذا كان قد مضى بعض الوقت فإنها تعتد الباقي، أي: تجلس المرأة الباقي وتمتنع من الطيب والزينة في الباقي، ولو خرجت من العدة قبل أن تعلم بوفاة الزوج فإن العدة تكون قد انتهت ومضت]. شرح العباد على سنن أبي داود.



والحديث الثاني من الثلاثة ما ذكره بقوله: (قَالَتْ زَيْنَبُ) بنتُ أبي سلمة:



 (ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا)، رَجَّح الدارقطني أن هذه القصة وقعت عند وفاة أخيها عُبيد الله بن جحش، وكان قد توفي بالحبشة نصرانيًّا، وكانت زينبُ بنتُ أبي سلمة حينئذٍ في سنِّ من يضبط، ولا مانع أن يحزنَ المرء على قريبه الكافر، ولا سيما إذا تذكّر سوءَ مصيره، ولعلَّ الروايةَ التي وردت في بعض نسخ الموطأ بلفظ: "حين توفي أخوها عبد الله؛ كانت عبيد الله بالتصغير، فلم يضبطها الكاتب. كذا قال في الفتح [3/ 117 و 9/ 427].



 (فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ)، ثُمَّ قَالَتْ:



(وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ؛ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا").



[فهذا الحديث كما أنه جاء عن أم حبيبة فقد جاء أيضاً عن زينب بنت جحش؛ أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، إذاً فقد جاء عن اثنتين من أمهات المؤمنين.



وقولها: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر) هذا فيه بيان أنه قاله على المنبر، وهذا يدلُّ على إعلان السنن وتبيينِها على المنابر، وفي الخطب كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل]. شرح العباد على سنن أبي داود



الحديث الثالث:



(قَالَتْ زَيْنَبُ) بنتُ أبي سلمة: (سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية: "جَاءَت امْرَأَة من قُرَيْش"، وسماها ابْن وهب فِي موطئِهِ عَاتِكَةَ بنتَ نُعيمِ بنِ عبدِ الله، بنِ النحام كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم. (فَقَالَتْ) المرأةُ:



(يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا)؛ المغيرةُ المخزومي (وَقَدْ اشْتَكَتْ) وآلمت ورمِدت ( عَيْنُهَا)، قيل: يجوز فِيهِ وَجْهَان؛ ضَمُّ النُّون على الفاعلية على أَن تكون الْعين هِيَ المشتكية، وَفتحُهَا على أَن يكون فِي اشتكت ضميرُ الْفَاعِل وَهِي الْمَرْأَة، وروى: "عَيناهَا"، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم. و(أَفَنَكْحُلُهَا؟) بِضَم الْحَاء، أي: أفنكحُلُها أم نتركُها على حالها؟



(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا") تكحُلْنَها، قال ذلك (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا"، ثُمَّ قَالَ) لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما هو مصرح في رواية البخاري: ("إِنَّمَا هِيَ")، أي: عدَّةُ الوفاةِ في الشرع؛ ("أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ")، ليالٍ، والمراد تقليل المدّة، وتهوينُ الصبرِ عما منعت منه؛ وهو الاكتحال في العدة، والمعنى لا تستكثر مدتها، ومنعَ الاكتحال فيها فإنها مدة قليلة.



[وسبب منعها من الاكتحال أن الكحلَ من الزينة، وعليها أن تجتنبَ الزينة، فإذا كان هناك علاجٌ بغير الزينة فلا بأس به، فالمحذور هو أن تعالجَها بشيء من الزينة كالكحل، فدلّ هذا على أن المرأة تجتنبَ الزينة ولو كان ذلك لحاجة ولأمر يقتضيه الحال.



ثم قال: ("إنما هي أربعة أشهر وعشر")، يعني: أنها مدة قصيرة بالنسبة لما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهنّ كنّ في الجاهلية يمكثنَ سنةً كاملةً، وهنّ بحالٍ سيئةٍ من الابتعادِ عن الزينة، والابتعاد عن النظافة، فلا تأخذُ ولا تنتف ولا تقصُّ المعتدَّةُ شعراً، ولا تقلِّمُ ظفراً سنةً كاملة، ولا تستخدم ماء، فتكون على هيئة كريهةٍ وقبيحة، وأمّا الأربعةُ أشهر والعشر، فإنها مدةٌ قليلةٌ يقلِّلُها صلى الله عليه وسلم بالنسبة لما كان في الجاهلية]. شرح سنن أبي داود للعباد



قال الشوكاني: ("حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ") وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ؛ أَنَّهَا تُكْمَلُ خِلْقَةُ الْوَلَدِ، وَيُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ، فَجُبِرَ الْكَسْرُ إلَى الْعَقْدِ عَلَى طَرِيقٍ الِاحْتِيَاطِ، وَذَكَرَ الْعَشْرَ مُؤَنَّثًا؛ لِإِرَادَةِ اللَّيَالِي، وَالْمُرَادُ مَعَ أَيَّامِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَدْخُلَ اللَّيْلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَبَعْضِ السَّلَفِ تَنْقَضِي بِمُضِيِّ اللَّيَالِي الْعَشْرِ بَعْدَ الْأَشْهُرِ، وَتَحِلُّ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ.



("وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الْجَاهِلِيَّةِ")، إذا مات عنها زوجها تعتدُّ كامل الحول، ثم ("تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ") وتمامِه، والبعرة؛ بفتح الموحدة والعين وتسكن وهي روث البعير.



قال في القاموس: البعرة؛ رجيعُ ذي الخُفِّ والظُّلْفِ، واحدتها بالهاء، والجمع بعار.



وفي ذكر الجاهلية إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافه وهو كذلك.



قال العباد:



قيل: إن المقصود بذلك: أنها كانت إذا مضى الحولُ وقد بقيت على هذه الهيئة الكريهة، وصبرتْ على هذا الأذى وهذه المشقة، فإنها ترمي بالبعرة، وهذا معناه: أن هذه المدة التي قطعتها من أجل الوفاء للزوج لا تساوي هذه البعرة التي ترمي بها، وأنه شيء يسير، أي: أن هذا الذي عملته من المكث هذه المدةِ الطويلةِ في مسكنٍ ضيِّقٍ مظلمٍ صغيرٍ؛ لا يساوي شيئاً في جانب حقِّ الزوجِ والوفاء به، وأنَّ البقاء هذه المدة على هذه الهيئةِ لا يساوي هذه البعرة، وأنّ المدّةَ التي مضت سهلةٌ عليها، كهذه البعرة التي تَرمِي بها بيدها.



(قَالَ حُمَيْدٌ) بن نافع: (قُلْتُ لِزَيْنَبَ) بنت أبي سلمة: (وَمَا) المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (تَرْمِي) إحداكنّ (بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟!) أَي: بيني لي الـمُرَاد بِهَذَا الْكَلَام الَّذِي خوطبت بِهِ هَذِه الْمَرْأَة.



(فَقَالَتْ زَيْنَبُ) بنت أبي سلمة: (كَانَتْ الْمَرْأَةُ) في الجاهلية (إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا)، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وبالشين الْمُعْجَمَة؛ فسره أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته من طَرِيق مَالك: بِالْبَيْتِ الصَّغِير.



وَعند النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: الحفش الخُصُّ؛ بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالصاد الْمُهْملَة.



وَقَالَ الشَّافِعِي: الحفش؛ الْبَيْت الذَّلِيلُ الشعِثُ الْبناء.



وَقيل: هُوَ شَيْء من خوصٍ يشبه القُفَّةَ؛ تَجمع فِيهِ الْمُعْتَدَّة متاعها من غزل وَنَحْوه.



وَقيل: بَيت صَغِير حقير، قريبُ السُّمك.



وَقيل: بَيتٌ صَغِيرٌ ضيِّقٌ لَا يكَاد يَتَّسِع للتقلُّب.



وَقَالَ: أَبُو عبيد الحفش الدرج، وَجمعه أحفاش شبَّهَ بَيتَ الحادَّةِ فِي صغره بالدرج.



وَقَالَ الْخطابِيّ: سُمِّي حِفشًا لضيقه وانضمامه، والتحفُّش؛ الانضمام والاجتماع.



 (وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا)، وفي رواية: (فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا)؛ الْمُرَادُ بِالْأَحْلَاسِ: الثِّيَابُ، وَهِيَ بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حِلْسٍ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ: وَهُوَ الثَّوْبُ، أَوْ الْكِسَاءُ الرَّقِيقُ يَكُونُ تَحْتَ الْبَرْذَعَةُ.



وفي رواية: (أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا) هُوَ أَضْعَفُ مَوْضِعٍ فِيهِ؛ كَالْأَمْكِنَةِ الْمُظْلِمَةِ وَنَحْوِهَا، وَالشَّكُّ مِنْ الرَّاوِي.



("وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا)، من الدهان، (حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ)، كاملةٌ من وفاة زوجها، (ثُمَّ تُؤْتَى) تلك المرأةُ بضم أوله وفتح ثالثه، (بِدَابَّةٍ) بالتنوين، قال في القاموس: الدابَّةُ كلُّ ما يدبُّ على الأرض من الحيوان، وغَلَبَ على ما يُركب، ويقع على المذكّر.



وقوله: (حِمَارٍ) بالجر والتنوين؛ بدل مما قبله، (أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ)، أو للتنويع لا للشك، وإطلاقُ الدابَّةِ عليهما بطريق الحقيقة اللغوية، (فَتَفْتَضُّ بِهِ)، أي: فتتمسَّح بالشيء الذي أوتيت به من الدابة؛ قبلها وفرجها، (فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ) من ذلك الحيوان؛ أي: فقلّ افتضاضُها ومسحُها قبلَها بشيءٍ من ذلك الحيوان؛ (إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ) من حِفشِها وبيتها الخسيس، (فَتُعْطَى بَعْرَةً)، من بعار الإبل أو الغنم، (فَتَرْمِي) أمامها أو وراءها (بِهَا)، أي: بتلك البعرة،  (ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ)؛ أي: ترجع بعد رمي البعرة إلى (مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ)؛ من الزينة والحليّ.



قالوا: البعرة هي روث الغنم أو الإبل، وكانت ترميها عند تمام السنة، التي هي مدة إحداد المرأة لموت زوجها...



وفي رواية: (فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ)؛ الْبَعْرَةُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا.



وَفِي رِوَايَةِ ...: "تَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ أَوْ الْإِبِلِ، فَتَرْمِي بِهَا أَمَامَهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ إحْلَالًا لَهَا".



وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْبَابِ أَنَّ رَمْيَهَا بِالْبَعْرَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُرُورِ الْكَلْبِ؛ سَوَاءٌ طَالَ زَمَنُ انْتِظَارِ مُرُورِهِ أَمْ قَصُرَ، وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.



وَقِيلَ: تَرْمِي بِهَا مَنْ عَرَضَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، تُرِي مَنْ حَضَرَهَا أَنَّ مَقَامَهَا حَوْلًا أَهْوَنُ عَلَيْهَا مِنْ بَعْرَةٍ تَرْمِي بِهَا كَلْبًا أَوْ غَيْرَهُ...



قال العباد: [الحفش: هو مكان ضيقٌ تجلس فيه ولا تخرج، ولا تمسُّ طيباً ولا تأخذ شعراً، ولا تقلّم أظفاراً، وتكون في ذلك المكان أيضاً في حَرٍّ وفي عرق، وتبقى هذه المدة الطويلة، فتكون مثل الجيفة، فإذا مضى الحولُ أُعطيتْ طائراً أو حماراً أو شاة، فقلَّما تفتض بشيء إلا مات؛ أي: بسبب نَتْنِ رائحتها.



ومعنى تفتضُّ به: أي: تدلك به جسدها، فلشدَّة النتن الذي كان على جسدها خلال هذه السنة من أولها إلى آخرها؛ فإنها لو أخذت طائراً حيًّا ودلكت به جسدها فإنه يموت من شدة هذه الرائحة، وهذا واضح بالنسبة للطائر، وأما بالنسبة للحمار وللشاة؛ فلعلَّ المقصودَ به أنها لو فعلت ذلك برأسه فإنه يموت؛ لشدة الرائحة الكريهة.



(تَفْتَضّ) بِالْفَاءِ ثمَّ التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ثمَّ بضاد مُعْجمَة.



وَقَالَ الْخطابِيّ: من فضضت الشَّيْء إِذا كَسرته أَو فرقته؛ أَي: أَنَّهَا كَانَت تكسر مَا كَانَت فِيهِ من الْحداد بِتِلْكَ الدَّابَّة.



وَقَالَ الْأَخْفَش: مَعْنَاهُ تنظف بِهِ، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْفضة تَشْبِيها لَهُ بنقائها وبياضها.



وَقَالَ القتبي: سَأَلت الْحِجَازِيِّينَ عَنْهَا؟ فَقَالُوا: بِأَن الْمُعْتَدَّة كَانَت لَا تَغْتَسِل وَلَا تمس مَاء وَلَا تقلّم ظفرا، وَتخرج بعد الْحول بأقبح منظر، ثمَّ تفتض؛ أَي: تكسر مَا هِيَ فِيهِ من الْعدة بطائر تمسح بِهِ قُبُلَهَا وتنبذُه، فَلَا يكَاد يعِيش.



وَفَسرهُ مَالك بقوله: (تفتض بِهِ) تمسح بِهِ جلدهَا كالنشرة، كَمَا يَجِيء الْآن.



وَقَالَ ابْن وهب: تمسح بِيَدِهَا عَلَيْهِ وعَلى ظَهره.



وَقيل: مَعْنَاهُ تمسح بِهِ ثمَّ تفتض؛ أَي: تَغْتَسِل بِالْمَاءِ العذب حَتَّى تصير بَيْضَاء نقية كالفضة.



وَقَالَ الْخَلِيل: الفضض الـمَاء العذب، يُقَال: افتضضت بِهِ؛ أَي: اغْتَسَلت بِهِ.



وَقيل: تفتض؛ أَي تفارق مَا كَانَت عَلَيْهِ.



وَذكر الْأَزْهَرِي أَن الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، رَوَاهُ: تقبص، بِالْقَافِ وبالياء الْمُوَحدَة وَالصَّاد الْمُهْملَة. وَهُوَ الْأَخْذ بأطراف الْأَصَابِع...



وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون الْبَاء فِي تفتض بِهِ للتعدية، أَو زَائِدَة، يَعْنِي: تفتض الطَّائِر بِأَن تكسرَ بعضَ أعضاءه، وَلَعَلَّ غرضهنّ مِنْهُ الْإِشْعَار بإهلاك مَا كنَّ فِيهِ، وَمن الرَّمْي الِانْفِصَال مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ. انظر عمدة القاري للعيني (21/ 3، 5)، نيل الأوطار (6/ 347)، الكوكب الوهاج (16/ 301- 309)



فوائد وأحكام من الحديث وزوائده:



[1- وجوب الإحداد أربعة أشهر وعشراً، على المتوفى عنها زوجها.



2- أن تجتنب كل زينة، من لباس، وطيب، وحلي، وكحل وغيرها.



ومن الزينة هذه المساحيق والأصباغ، التي فُتِنَ بها الناس أخيرا، من (بودرة) و (منا كير) ونحو ذلك.



فالمقصود بذلك جمع الزينة بأنواع مظاهرها وأشكالها، من كل ما يدعو إلى الرغبة في المرأة.



3- أن تجتنب الكحل الذي يكون زينة في العين ولو لحاجة إليه.



ولا بأس بالتداوي، بما ليس فيه زينة، من كحل ليس له أثر و (قطرة) ونحوها. فالمدار في ذلك على الزينة والجمال.



4- يُسرُّ هذه الشريعة وسماحتها، حيث خففت آثار الجاهلية وأثقالها.



ومن ذلك ما كانت تعانيه المرأة بعد وفاة زوجها، من ضيق، وحرج، ومحنة، وشدة، طيلة عام.



فخفف الله تعالى هذه المدة، بتقصيرها إلى نحو ثلثها، وبإبطال هذا الحرج الذي ينال هذه المرأة المسكينة.



فأباح لها النظافة، في جسمها، وثوبها، ومسكنها، وأباح لها مخالطة أقاربها ونسائها في بيتها.



وحفظ للزوج حقه، باجتنابها ما يشهرها، من زينة، ويرغب بها في مدة، هي من حقوقه. والله حكيم عليم]. تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: 611)



5- [قال ابن المنذر: وحديث أمِّ حبيبة =رضي الله عنها= يدل على معان، فمنها؛ تحريُم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، وإباحةُ إحدادهن عليهم ثلاثًا، ...



6- ومنها؛ الدلالةُ على أنَّ المخاطَبَ بالإحداد من الزوجات مَنْ عِدَّتُهن الشهورُ دون الحوامل منهن.



7- وفيه: دليل على أنَّ المطلقةَ ثلاثًا لا إحداد عليها. قال ابن المنذر: هذا يدلُّ عليه ظاهر الحديث، وقد قاله بعض من لقيته من أهل العلم، فإن يكن فى ذلك إجماعٌ فهو مسلم له، وليس فيه إجماع؛ لأن الحسن البصرى كان لا يرى الإحداد.



8- ومنها: وجوبُ الإحدادِ على جميع الزوجات المسلمات، مدخولاً بهنّ أو غيرَ مدخول بهن؛ لدخولهنّ فى جملة من خوطب بالإحداد فى عدة الوفاة إذا كانت العدة بالشهور.



9- قال صاحب العين: الفضض ماء عذب تصيبه ساعتئذ، وتقول: افتضضته.



وقال غيره: كانت المرأة فى الجاهلية تفتض بالدابة، ثم تغتسل وتتنظف، ثم ترمى ببعرة من بعر الغنم، فترمى بها وراء ظهرها، ويكون ذلك إحلالاً لها، ومعنى رميها بالبعرة إعلام لها أن صبرها عامًا أهون عليها من رميها بالبعرة]. شرح ابن بطال على صحيح البخاري (15/ 315- 318)



10- [قوله: (فَقَلَّمَا تَفْتضُّ بشيءٍ إلَّا ماتَ) وهذا من عجائب التقدير، حيث يَجْري حسْب ظنونِ الناس، فإِنَّ ترتُّبَ الموتِ على الافتضاض مما لا يُعْقل فيه التسبيب، وهذا كجري النِّيل عند إلقاء جارية، كما وقع في زمن عمرَ، ولعلّ أهلَ الجاهلية كانوا يَزْعمُونها أَمْرًا سماويًّا، فسار التقدير أيضًا معهم...



وهذا كما أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ بعد فسادهم في الأرض يقولون: "لقد حاربنا مَنْ في الأرض، فلنحارب مَنْ في السماء، فتردُّ عليهم سهامُهُم مخضوبةً دَمًا"، فهذا أيضًا مماشاةُ التقدير، حَسَب ظنونهم الفاسدة، ويتعلّق به ما في الحديث القدسي: «أنا عند ظَنّ عبدي بي» ... إلخ]. فيض الباري على صحيح البخاري (5/ 612).



والله تعالى أعلم



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (6) ترك الطيب والصباغ للمرأة الحادّ.




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة