دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري



المجلس رقم: (120)



شرح وقراءة وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



أهل السنة- 25/ 5/ 1440هـ، وفق: 31/ 1/ 2019م



كتاب رقم: (8): كتاب الصلاة



باب رقم: (18): باب الصَّلاَةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ



قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْجَمْدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا؛ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ.



وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى سَقفِ الْمَسْجِدِ بِصَلاَةِ الإِمَامِ.



وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الثَّلْجِ.



(بابُ) حكمِ (الصلاةِ في السُّطوح) بضم السين جمع سَطح، (والـمِنبَر) بكسر الميم وفتح الموحدة، (والخَشَب) بفتحتين أو بضمتين.



(قال أبو عبد الله) محمد بنُ إسماعيلَ البخاريُّ: (ولم يرَ الحسنُ) البصريُّ (بأسًا أن يُصَلَّى) بضم الياء وفتح اللام المشددة (على الجَمْد) بفتح الجيم وضمها وسكون الميم ثم دال مهملة، ... وهو الماء الجامد من شدةِ البرد، (والقناطر) ([1]) ... وهو ما ارتفع من البنيان، ... (وإن جرى تحتها بولٌ أو فوقَها أو أَمَامها)، أي: القناطر، وهمزة أَمامها مفتوحة، أي: قدّامها، (إذا كان بينهما)؛ أي: بين المصليّ وأَمامَ القناطر (سُترٌة) مانعةٌ من ملاقاةِ النجاسة.



(وصلّى أبو هريرة) رضي الله عنه، ... (على سقفِ المسجد) ...: على ظهر المسجد (بصلاةِ الإمام) وهو أسفل، ... يُكره عندنا =أي: الشافعية= والحنفية؛ ارتفاعُ كلٍّ من الإمام والمأموم على الآخر إلاّ لحاجة؛ كتعليمِ الإمامِ المأمومين صفةَ الصلاة، وكتبليغِ المأمومين تكبيرَ الإمام، فيستحبُّ ارتفاعُهما لذلك.



(وصلّى ابنُ عمرَ) بنِ الخطاب (على الثلج) بالمثلثة والجيم.



وأورد تحته حديثين:



الحديث الأول رقم: (377) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟) فَقَالَ: (مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي؛ هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلاَنٌ مَوْلَى فُلاَنَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، كَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ، فَهَذَا شَأْنُهُ).



قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: (سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ)، قَالَ: (فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ، فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ). قَالَ: فَقُلْتُ: (إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا كَثِيرًا فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ)؟ قَالَ: (لاَ).



الشرح:



... عن (أبي حازم)؛ سلمةَ بنِ دينار (قال): (سألوا سهل بن سعد) بسكون العين الساعديّ (من أي شيء المنبر) النبوي المدني، ولأبي داود ([2]): "أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَقَدْ امْتَرَوْا فِي المِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ"، (فقال) سهل: (ما بقي بالناس) وفي رواية من الناس، ...: في الناس (أعلمُ مني)، أي: بذلك؛ (هو من أثل الغابة) بالغين المعجمة والموحدة؛ موضع قرب المدينة من العوالي، والأَثْل: بفتح الهمزة وسكون المثلثة؛ شجر كالطرفاء لا شوك له، وخشبه جيّد يُعمَل منه القِصاع والأواني، وورقه أشنان يغسل به القصّارون.



=هذا المنبر= (عَمِله ... فلاٌن) بالتنوين هو ميمون. قال الحافظ ابن حجر: وهو الأقرب فيما قاله الصغاني، أو باقوم فيما قاله الغافقي؛ وهو بموحدة فألف فقاف فواو فميم؛ الرومي مولى سعيد بن العاص، أو باقول باللام فيما رواه عبد الرزاق، أو قبيصة المخزومي (مولى فلانةَ) بعدم الصرف للتأنيث والعلمية؛ أنصارية وهي عائشة فيما قاله البرماوي كالكرماني، ورواه الطبراني بلفظ: وأمرت عائشة فصنعت له منبره، لكن سنده ضعيف، وقيل: مينا بكسر الميم أو هو صالح مولى العباس، ويحتمل أن يكون الكلُّ اشتركوا في عمله (لرسول الله)؛ أي: لأجله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقام عليه)، أي: على المنبر (رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين عُمِلَ وُوِضَع) بالبناء للمفعول فيهما، (فاستقبل) عليه السلام (القبلة، كبّر) بغير واو جواب عن سؤال، كأنه قيل: ما عمل به بعد الاستقبال؟ قال: كبّر، وفي بعض الأصول: وكبّر بالواو، وفي أخرى فكبّر بالفاء، (وقام الناس خلفه، فقرأ) عليه السلام (وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرَى) نصب على أنه مفعول مطلق بمعنى الرجوع إلى خلف؛ أي: رجع الرجوعَ الذي يعرف بذلك، وإنما فعل ذلك؛ لئَلاَّ يولِّيَ ظهرَه القبلةَ، (فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى، حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه).



ولاحظ في قوله: على الأرض معنى الاستعلاء، وفي قوله: بالأرض معنى الإلصاق.



فوائد وأحكام:



1- في هذا الحديث؛ جوازُ ارتفاعِ الإمام على المأمومين، وهو مذهب الحنفية والشافعية وأحمد والليث، لكن مع الكراهة. وعن مالك المنع، وإليه ذهب الأوزاعي.



2- وأن العمل اليسيرَ غيرُ مبطل للصلاة.



3- قال الخطابي: وكان المنبرُ ثلاثَ مراقي، فلعله إنما قام على الثانية منها، فليس في نزوله وصعوده إلاّ خطوتان.



4- وجواز الصلاة على الخشب، وكرهه الحسن وابن سيرين، كما رواه ابن أبي شيبة عنهما.



5- وأن ارتفاع الإمام (1/403) لغرض التعليم غيرُ مكروه.



6- ومن الفوائد: [أَن فِيهِ الدّلَالَة على مَا ترْجم لَهُ؛ وَهِي الصَّلَاة على الْمِنْبَر، وَقد علل، صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسلم، صلَاته عَلَيْهِ وارتفاعه على الْمَأْمُومين بالاتباع لَهُ والتعليم، ... وَعَن أَصْحَابنَا =الأحناف= عَن أبي حنيفَة؛ جَوَازه إِذا كَانَ الإِمَام مرتفعاً مِقْدَار قامة، وَعَن مَالك: تجوز فِي الِارْتفَاع الْيَسِير.



7- وَمِنْهَا: أَن الْمَشْي الْيَسِير فِي الصَّلَاة لَا يُفْسِدهَا ...، الْمَشْي فِي الصَّلَاة خطْوَة أو خطوتين ... إِذا كَانَ لمصْلحَة ... لَا تفْسد صلَاته وَلَا تكره أَيْضا، ...



8- وَمِنْهَا: أَن فِيهِ اسْتِحْبَابَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَر، وَكَونِ الْخَطِيب على مُرْتَفع كمنبر أَو غَيره.



9- وَمِنْهَا: أَن فِيهِ تَعْلِيمَ الإِمَامِ الْمَأْمُومين أَفعَال الصَّلَاة، وَأَنه لَا يقْدَح ذَلِك فِي صلَاته، وَلَيْسَ من بَاب التَّشْرِيك فِي الْعِبَادَة، بل هُوَ كرفع صَوته بِالتَّكْبِيرِ ليسمعهم.



10- وَمِنْهَا: أَن فِيهِ أَن الْعَالمَ إِذا انْفَرد بِعلم شَيْء يَقُول ذَلِك ليؤديه إِلَى حفظه...]. عمدة القاري (4/ 104).



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ).



1- (علي بن عبد الله) المديني.



2- (سفيان) بن عُيينة.



3- (أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار.



4- (سهل بن سعد) بسكون العين الساعديّ.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ).



ورواته ما بين بصري ومكّي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والسؤال، ...



(قال) ... (أبو عبد الله)، أي: البخاري، (قال علي بن عبد الله) بن المديني: (سألني أحمد بن حنبل) الإمام الجليل الذي وصفَه ابنُ راهويه؛ بأنه حُجَّةٌ بين اللهِ وبين عباده في أرضه، المتوفّى ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين، (رحمه الله عن هذا الحديث. قال) ... (فإنما) ... (أردت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أعلى من الناس فلا) ... (بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث)، أي: بدلالة هذا الحديث.



(قال)، أي: علي بن المديني: (فقلت) أي لابن حنبل ...: (إن سفيان) ... (بن عيينة كان يُسأل) بالبناء للمفعول (عن هذا كثيرًا، فلم)، أي: أفلم (تسمعه منه؟ قال: لا) صريح في أن أحمد بن حنبل لم يسمع هذا الحديث من ابن عيينة.



***



الحديث الثاني برقم: (378) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ فَجُحِشَتْ سَاقُهُ -أَوْ كَتِفُهُ- وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ)، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا».



(وَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ)، فَقَالُوا: (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا!!) فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ».



الشرح:



(عن أنس بن مالك) رضي الله عنه:



(أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سقط عن فرس) في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة، وفي رواية: (عن فرسه)، (فَجُحِشَت ساقُه) بضم الجيم وكسر الحاء المهملة والشين المعجمة؛ أي: خُدِشَت، أو أشدّ منه قليلاً (أو) جُحِشت (كتفه) شك من الراوي، وفي رواية ...: فجحش شقّه الأيمن، وهو أشمل، ... وفي رواية...: انفكّت قدمه، (وآلى من نسائه)؛ أي: حلف لا يدخل عليهنّ (شهرًا)، لا أنه حلف لا يقربهنّ أربعة أشهر فصاعدًا.



(فجلس) عليه الصلاة والسلام (في مَشْرُبَة) بفتح الميم وسكون المعجمة وضم الراء وفتحها في غرفة (له) معلَّقة (دَرَجَتُها من جُذوعٍ) بضم الجيم والمعجمة والتنوين بغير إضافة، ...: من جذوع النخل؛ أي: ساقها.



(فأتاه أصحابه يعودونه) بالدال المهملة، (فصلّى بهم) حال كونه (جالسًا وهم قيام) جملة اسمية حالية، (فلما سلم) من صلاته، (قال: "إنما جعل الإمام") إمامًا ("ليؤتم")؛ أي ليُقتدي ("به")، وتُتَّبَع أفعاله، والمفعول الأوّل وهو قوله: الإمام؛ قائم مقام الفاعل.



("فإذا كبَّر") الإمامُ ("فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا") بفاء التعقيب المقتضيةِ لمشروعيةِ متابعةِ المأموم الإمامَ في الأفعال.



("وإن صلّى ... قائمًا فصلُّوا قيامًا") مفهومه؛ وإن صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا، وهو محمول على العجز، أي: إذا كنتم عاجزين عن القيام كالإمام.



والصحيح أنه منسوخ بصلاتهم في آخر عمره عليه الصلاة والسلام قيامًا وهو قاعد؛ خلافًا لأحمد...



(ونزل) عليه الصلاة والسلام من المشربة (لتسعٍ وعشرين) يومًا، (فقالوا: يا رسول الله إنك آليت شهرًا! فقال) عليه الصلاة والسلام: ("إن الشهر")، أي: المحلوف عليه ("تسع وعشرون") يومًا، وفي رواية: "تسعةٌ وعشرون".



فوائد وأحكام:



1- استنبط منه؛ أنه لو نذر صوم شهر معيَّنٍ، أو اعتكافَه فجاءَ تسعًا وعشرين لم يلزمه أكثر من ذلك، بخلاف ما لو قال: شهرًا فعليه ثلاثون إن قصد عددًا، وإلاّ فشهر بالهلال.



2- ومن الفوائد: [جَوَاز الصَّلَاة على السَّطْح وعَلى الْخشب؛ لِأَن الْمشْرُبَة بِمَنْزِلَة السَّطْح لما تحتهَا، وَالصَّلَاة فِيهَا كَالصَّلَاةِ على السَّطْح...



3- وَمِنْهَا: أَن فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْيَمين؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، آلى =أي حلف وأقسم= أَن لَا يدْخل على نِسَائِهِ شهرا.



4- وَمِنْهَا: أَن الشَّهْر لَا يَأْتِي كَامِلا دَائِما، وَإِنّ مَن حلَف على فعل شَيْء أَو تَركِه فِي شهر كَذَا، وَجَاء الشَّهْر تسعا وَعشْرين يَوْمًا، يخرج عَن يَمِينه، فَلَو نذر صَوْم شهر بِعَيْنِه فجَاء الشَّهْر تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا، لم يلْزمه أَكثر من ذَلِك، وَإِذا قَالَ: عَليّ صَوْم شهر من غير تعْيين، كَانَ عَلَيْهِ إِكْمَال عدد ثَلَاثِينَ يَوْمًا.



5- وَمِنْهَا: مَا احْتج أَحْمد وَإِسْحَاق وَابْن حزم وَالْأَوْزَاعِيّ وَنَفر من أهل الحَدِيث: أَن الإِمَام إِذا صلى قَاعِدا يُصَلِّي من خَلفه قعُودا.



وَقَالَ مَالك: لَا تجوز صَلَاة الْقَادِر على الْقيام خلف الْقَاعِد لَا قَائِما وَلَا قَاعِدا.



وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو ثَوْر وَجُمْهُور السّلف: لَا يجوز للقادر على الْقيام أَن يُصَلِّي خلف الْقَاعِد إلاَّ قَائِما.



وَقَالَ المرغيناني: الْفَرْض وَالنَّفْل سَوَاء. وَالْجَوَاب عَن الحَدِيث ... فقالوا: إِنَّه مَنْسُوخ، وناسخه صَلَاة النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِالنَّاسِ فِي مرض مَوته قَاعِدا وهم قيام، وَأَبُو بكر رَضِي اتعالى عَنهُ، قَائِم يعلمهُمْ بِأَفْعَال صلَاته بِنَاء على أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ الإِمَام، وَأَن أَبَا بكر كَانَ مَأْمُوما فِي تِلْكَ الصَّلَاة...



6- وَمِنْهَا: أَن فِي قَوْله: (إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ) دَلِيلا على وجوب الْمُتَابَعَة للْإِمَام فِي الْأَفْعَال ... الظَّاهِرَة. ...



7- وَمِنْهَا: ... قَالَ الْمَاوَرْدِيّ، فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام قبل فرَاغ الإِمَام مِنْهَا: لم تَنْعَقِد صلَاته، وَلَو ركع بعد شُرُوع الإِمَام فِي الرُّكُوع، فَإِن قارنه أَو سابقه فقد أَسَاءَ وَلَا تبطل صلَاته، فَإِن سلم قبل إِمَامه بطلت صلَاته؛ إلاَّ أَن يَنْوِي الْمُفَارقَة، فَفِيهِ خلاف مَشْهُور.



8- وَمِنْهَا: أَن الْفَاء فِي قَوْله: (فاركعوا)، وَفِي قَوْله: (فاسجدوا) تدلُّ على التعقيب، وتدل على أَن الْمُقْتَدِي لَا يجوز لَهُ أَن يسْبق الإِمَام بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود، حَتَّى إِذا سبقه فيهمَا وَلم يلْحقهُ الإِمَام فَسدتْ صلَاته.



9- وَمِنْهَا: أَن فِيهِ اسْتِحْبَابَ الْعِبَادَة عِنْد حُصُول الخدشة وَنَحْوهَا.



10- وَمِنْهَا: أَن فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة جَالِسا عِنْد الْعَجز. وَالله أعلم]. عمدة القاري (4/106، 107)



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ).



1- (محمد بن عبد الرحيم)، ابن أبى زهير أبو يحيى البزاز البغدادى، المعروف بصاعقة، ولد (185)هـ، من الطبقة (11) أوساط الآخذين عن تبع الأتباع، توفي (255)هـ.



2- (يزيد بن هارون) بن زاذى، وقيل: ابن زاذان بن ثابت، السلمى أبو خالد الواسطى، ولد (117)هـ، وقيل: (118)هـ، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (206)هـ.



3- (حميد الطويل) بضم الحاء، ابن أبى حميد الطويل البصرى، أبو عبيدة، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي: (142)هـ، ويقال: (143)هـ.



4- (أنس بن مالك) رضي الله عنه.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ).



ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بغدادي وواسطي وبصري،...



باب رقم: (19): بابٌ إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ الْمُصَلِّي امْرَأَتَهُ إِذَا سَجَدَ



هذا (بابٌ) بالتنوين (إذا أصابَ ثوبُ المصلّي امرأتَه إذا سجد) فهل تفسد صلاته أم لا؟



وأورد تحته الحديث رقم: (379) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ).



قَالَتْ: (وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ).



الشرح:



(عن) أُم المؤمنين (ميمونة) رضي الله عنها (قالت):



(كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلّي وأنا حِذَاءه) بكسرُ المهملة وبالمعجمة وبالنصب ... على الظرفية، ...: وحذاؤه بالرفع على الخبرية، (وأنا حائض) جملة (1/404) اسمية حالية، (وربما أصابني ثوبُه إذا سجد).



(قالت) ميمونة: (وكان) عليه الصلاة والسلام (يصلّي على الخمرة) بضم الخاء المعجمة وسكون الميم؛ سجادة صغيرة من سعف النخل تزمل بخيوط، وسميت خمرة؛ لأنها تستر وجه المصلّي عن الأرض، كتسمية الخمار لسترة الرأس.



فوائد وأحكام:



1- استنبط منه جواز الصلاة على الحصير، لكن رُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز؛ أنه كان يؤتى بترابٍ فيوضع على الخمرة، فيسجد عليه؛ مبالغةً في التواضع والخشوع.



2- وأن بدنَ الحائضِ وثوبَها طاهران.



3- وأن الصلاة لا تبطل بمحاذاة المرأة.



 4- و[فِيهِ جَوَاز مُخَالطَة الْحَائِض...



5- إِذا أصَاب ثوبُ الْمُصَلِّي الْمَرْأَةَ لَا يضر ذَلِك صلَاته، وَلَو كَانَت الْمَرْأَة حَائِضًا.



6- جَوَاز الصَّلَاة على الْخمْرَة من غير كَرَاهَة، وَعَن ابْن الْمسيب: الصَّلَاة على الْخمْرَة سنة...]. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (4/ 108)



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ).



1- (مسدّد) هو ابن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدى، أبو الحسن البصرى، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي (228)هـ.



2- (خالد) هو ابن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان أبو الهيثم، المزنى الواسطى، ولد (110)هـ، من الطبقة (8) من الوسطى من أتباع التابعين، توفي (182)هـ.



3- (سليمان الشيباني) ابن أبى سليمان: فيروز، أبو إسحاق، الكوفى، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي (140)هـ، تقريبا.



4- (عبد الله بن شداد) هو ابن الهاد، الليثى، أبو الوليد، المدنى، من الطبقة (2) من كبار التابعين، توفي (81)هـ، وقيل: بعدها بـالكوفة.



5- أُمُّ المؤمنين (ميمونةُ) رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ).



ورواته الخمسة؛ ما بين بصري وواسطي، وكوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة، ورواية التابعي عن التابعي عن الصحابية...



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ (20): باب الصَّلاَةِ عَلَى الْحَصِيرِ.







([1]) [القَنْطَرَةُ: الجِسْر، وما ارْتَفَعَ من البُنْيانِ]. القاموس المحيط.





([2]) (د) (1080)، ورواه أيضا (خ) (917)، (س) (739).






  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة