الضوابط الشرعية



لعَلاقة المرأة المسلمة مع محارمها والأجانب



جمع وإعداد



صاحب الفضيلة



الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الحلقة الرابعة



حادي عشر: المرأة مع المرأة:



قال العلماء: عورةُ المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة، هذه قالوها، أما ما علا ذلك أو سفل منه فليس بعورة. هذا بين النساء، فعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ("لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ"). ([1])، وقد سبق أن لباس المرأة مع المرأة ولباسها مع محارمها من الكف إلى القدم، ويجوز التشمير للحاجة.



ثاني عشر: المرأة مع معلِّمها وشيخِها ومديرِها ومسئولِها:



ما الذي يكون بينهم من ضوابط اللباس والكلام والخلوة؟



فالتلميذةُ مع مدرسيها، والعاملة مع أرباب عملها، والمعلمة مع طلابها ومرؤوسيها، والطبيبة مع مرضاها وبين زملائها، لا بد من الحشمة والوقار، فلا يبدو شعرٌ، ولا يوصفُ عضوٌ، ولا تخضعُ بقول، لقوله سبحانه: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا}. (الأحزاب: 32)، فأكثر من الوجه والكفين لا يجوز إظهاره باتفاق العلماء، واختلفوا في الوجه والكفين، وعند الفتن، لا تكشف أيضا شيئا من جسمها؛ لأنها عورة، فَـقد ثبت عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ، وَإِنَّهَا لَا تَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى اللهِ مِنْهَا فِي قَعْرِ بَيْتِهَا"). ([2])



ثالث عشر: سُفَر المرأة:



تحتاج المرأة إلى السفر لحجٍّ أو عمرة، أو علاج أو زيارة أرحام، ونحو ذلك، في بلد آخر، والإسلام جعل لها ضابطا في ذلك الأمر، فلضعف المرأة وقلة حيلتها، أوجب الشرع لها أن يخرج معها محرمها أو زوجها، حفاظا عليها، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («لاَ تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»). ([3])، وفي رواية: ("لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ؛ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ زَوْجُهَا"). ([4])



فإن تعذر فمع [نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ؛ وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ إِذَا أُمِنَ الطَّرِيقُ: أَوَّلُ أَحَادِيثِ الْبَاب؛ لِاتِّفَاقِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَنِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ، وَعَدَمِ نَكِيرِ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِكَ...]. ([5])



وقد ثبت في صحيح البخاري أنه؛ (أَذِنَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ). ([6])



نساء النبي صلى الله عليه وسلم حَجَجْنَ وليس معهن محرم، وهذا دليل على هذا الأمر.



سؤال: يعني يجوز سفر النساء للحج وليس معها محرم ولا زوج؟



الجواب: لم نعلم أحدا من الصحابة رضي الله عنهم أنكر على عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم من إقرارهم بعثَ نساءِ النبي معهم إلى الحج، فالمرأة إن لم تجد لها محرما أو زوجا يحج معها؛ فلا مانع أن تكون مع رفقة آمنة؛ مع نسوة ثقات أو مع رجال ثقات.



رابع عشر: المرأة عند موتها:



إذا ماتت المرأة تحتاج إلى غاسلة تغسلها، فلا تغسِلها إلا من وراء حائل على عورتها المغلظة؛ وهي من السرة إلى الركبة، وتَلُفُّ على يدها خرقة، حتى لا تمسَّ هذه العورة المغلظة عند غسلها.



يعني تغسل الغاسلة المرأة المتوفاة وهي مغطاة بالثياب.



ولا ينبغي تواجد أكثر من واحدة تعين الغاسلة، إلا ما لا بد منه؛ أي لا ينبغي أن يكون مجموعة نساء، لا فائدة منهن، فقط الغاسلة ومن تحتاجه الغاسلة.



والمرأة لا يغسلها محرمٌ كأبيها وابنها وأخيها ونحوِهم. ولا يغسلها أجنبيٍّ عنها.



فإذا ماتت امرأة بين الرجال ليس بينهم امرأة، يمَّمَها محرمها. في سفر أو كذا محرمها أو أبوها أو أخوها، يمسك يديها ويضعهما على التراب ويمسح وجهها وكفيها، ويكفنونها.



أما الزوجان؛ فيجوز لكلٍّ منهما تغسيل الآخر، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها وأرضاها، قَالَتْ: (رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْبَقِيعِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ: وَا رَأْسَاه!)، فَقَالَ: ("بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ وَا رَأْسَاهُ!") ثُمَّ قَالَ: ("مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَقُمْتُ عَلَيْكِ، فَغَسَّلْتُكِ، وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ، وَدَفَنْتُكِ"). ([7])



وهذا الدليل يبين أنَّ فعلَ النبي صلى الله عليه وسلم وقولَه هذا يدل على الجواز.



وكذا [أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ؛ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَغْسِلَ زَوْجَهَا إِذَا مَاتَ، =ليس وجوبا بل جائز،= وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ؛ أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ تَغْسِلَهُ أَسْمَاءُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ =ابن المنذر؛ وهو صاحب الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف=: وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ مِنْهُمْ مُنْكَرٌ، =وهذا رد على من يمنع ويحرم ذلك كبعض الأحناف=، وَإِنَّ أَبَا مُوسَى غَسَلَتْهُ امْرَأَتُهُ]. ([8])



سؤال: هل هناك أجرٌ لمن يغسل، أو يحضر التغسيل؟



الجواب: نعم! هناك ثواب عظيم لمن يغسل، أو تغسل الميت، بشر أن يحفظ الأسرار.



سؤال: ما قولك يا شيخنا فيمن يقول: أنَّ العقدَ يُفسخَ بالوفاة؟



الجواب: عقد الزواج للمتوفاة ينتهي أمره بالنسبة للوطء والإتيان، وطء الميتة محرم، لكن مسّها وتقبيلها، أو هي تقبل زوجها وهو ميت، فهذا كله جائز إن شاء الله.



خامس عشر: المرأة في سن اليأس:



المرأة اليائسة من الزواج، وغير المرغوب فيها، أطلق عليه الشرع لفظ القواعد من النساء، فقال جل جلاله: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. (النور: 60).



قال السعدي في تفسيره: [{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ}، أي: اللاتي قعدْنَ عن الاستمتاع والشهوة.



{اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا}، أي: لا يطمعنَ في النكاح، ولا يُطمعُ فيهنّ، وذلك لكونها عجوزا لا تشتهى، أو دميمة الخلقة لا تشتهي ولا تُشتهى.



{فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ}، أي: حرج وإثم، {أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}، أي: الثياب الظاهرة، كالخمار ونحوه، الذي قال الله فيه للنساء:



{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} فهؤلاء، يجوز لهن أن يكشفن وجوههن لآمن المحذور منها وعليها، ولما كان نفيُ الحرج عنهن في وضع الثياب، ربما توهم منه جواز استعمالها لكل شيء، دفع هذا الاحتراز بقوله: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ}، أي: غير مظهرات للناس زينة، من تجمل بثياب ظاهرة، وتستر وجهها، ومن ضرب الأرض برجلها، ليعلم ما تخفي من زينتها، لأنّ مجرد الزينة على الأنثى، ولو مع تسترها، ولو كانت لا تشتهى يفتن فيها، ويوقع الناظر إليها في الحرج {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}.



والاستعفاف: طلبُ العِفَّة، بفعل الأسباب المقتضية لذلك، من تزوُّجٍ، وترك لما يخشى منه الفتنة، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لجميع الأصوات، {عَلِيمٌ} بالنيات والمقاصد، فليحذرنَ من كلِّ قولِ وقصد فاسد، وليعلمنَ أنّ الله يجازي على ذلك]. ([9])




 






([1]) (م) 74- (338).





([2]) (طس) (2890)، (حب) (5599)، (ت) (1173)، انظر الصَّحِيحَة: (2688).





([3]) (خ) (1862)، (م) 424- (1341).





([4]) (م) 415- (827).





([5]) قاله الحافظ في (الفتح ج4/ ص: 76).





([6]) (خ) (1860).





([7]) (جة) (1465).





([8]) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (5/ 334).





([9]) تفسير السعدي (ص: 574، 575).





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة