دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري



المجلس رقم: (116)



شرح وقراءة وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



أهل السنة- 27/ 4/ 1440هـ، وفق: 3/ 1/ 2019م



كتاب رقم: (8): كتاب الصلاة



باب رقم: (6): باب إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا



هذا (باب) بالتنوين (إذا كان الثوب ضيقًا) كيف يفعل المصلّي.



وأورد تحت هذا الباب حديثين؛



الحديث الأول رقم: (361) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: (سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟) فَقَالَ: (خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَلَىَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَاشْتَمَلْتُ بِهِ، وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ) قَالَ: ("مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟!") فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي. فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: ("مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟!") قُلْتُ: (كَانَ ثَوْبٌ -يَعْنِي ضَاقَ-) قَالَ: («فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ»).



الشرح:



... (عن سعيد بن الحارث) الأنصاريّ قاضي المدينة (قال): (سألنا جابر بن عبد الله) الأنصاري (عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: خرجت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض أسفاره) في غزوة بواط كما في مسلم (فجئت ليلة) إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لبعض أمري)، أي: لأجل بعض حوائجي (فوجدته) صلى الله عليه وسلم (يصلّي وعليّ ثوب واحدٌ، فاشتملت به وصلّيت) منتهيًا (إلى جانبه) أو منضمًا إلى جانبه.



(فلما انصرف) عليه السلام من الصلاة (قال: "ما السُّرَى يا جابر؟!") بضم السين والقصر؛ أي: ما سبب سيرك في الليل، وإنما سأله لعلمه بأن الحامل له على المجيء في الليل أمرٌ أكيد.



(فأخبرته بحاجتي، فلما فرغتُ قال) عليه الصلاة والسلام: ("ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟") هو استفهام إنكاري، وقد وقع في مسلم (م) (3010) التصريح بسبب الإنكار؛ وهو أن الثوبَ كانَ ضيقًا، وأنه خالف بين طرفيه، وتواقص؛ أي: انحنى عليه، كأنه عند المخالفة بين طرفي الثوب لم يصِرْ ساترًا، فانحنى ليستتر، فأعلمه عليه السلام بأنّ محلّ ذلك ما إذا كان الثوب واسعًا، فأمّا إذا كان ضيقًا فإنه يجزئه أن يتّزر به؛ لأن القصد الأصلي ستر العورة، وهو يحصل بالاتّزار، ولا يحتاج إلى التواقص المغاير للاعتدال المأمور به.



أو الذي أنكره عليه السلام؛ هو اشتمال الصمَّاء؛ وهو أن يخلّل نفسه بثوب ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراجَ يديه إلاّ من أسفله؛ خوفًا من أن تبدوَ عورتُه.



قال جابر: (قلت كان) الذي اشتملت به (ثوبًا) واحدًا، ...: يعني ضاق!



(قال) عليه الصلاة والسلام: ("فإن كان") الثوب ("واسعًا فالتحف")؛ أي: ارتدِ ("به")؛ أي: بأن يأتزر بأحد طرفيه، ويرتدي بالطرف الآخر منه، ("وإن كان") الثوب ("ضيقًا فاتزر به")، بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء، وهو يردّ على التصريفيين؛ حيث جعلوه خطأ.



[وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ:



1- جَوَاز طلب الْحَوَائِج بِاللَّيْلِ من السُّلْطَان لخلأ مَوْضِعه.



 2- وَجَوَاز مَجِيء الرجل إِلَى غَيره بِاللَّيْلِ لِحَاجَتِهِ.



3- ... وأَن الثَّوْب إِذا كَانَ وَاسِعًا يُخَالف بَين طَرفَيْهِ، وَإِن كَانَ ضيقا يتزر بِهِ]. عمدة القاري (4/ 68)



4- (أن الصلاة بإزار واحد مع إعراء المنكبين صحيحة؛ فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر جابرًا أن يتزر ويصلي، لما عجز عن ستر عورته ومنكبيه بالبردة التي عليه لضيقها.



وممن استدل بذلك الشافعي وأصحابه ومن وافقهم]. فتح الباري لابن رجب (2/ 366)



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ).



1- (يحيى بن صالح) الوُحاظيّ بضم الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظاء المعجمة، الحمصي الحافظ الفقيه، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين. وهو أبو زكريا، ويقال: أبو صالح، الشامي الدمشقي، ويقال: الحمصي، ولد: (147)هـ، أو (137)هـ، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (222)هـ.



2- (فليح بن سليمان) بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة في الأوّل، وضمّ السين وفتح اللام في الثاني، ابن أبى المغيرة، الخزاعي، ويقال: الأسلمي، أبو يحيى المدنى، ويقال: اسمه عبد الملك (وفليح لقب)، من الطبقة (7) من كبار أتباع التابعين، توفي (168)هـ.



3- (سعيد بن الحارث) بالثاء المثلثة الأنصاريّ، قاضي المدينة؛ ابن أبى سعيد بن المعلى، ويقال: ابن أبى المعلى، المدنى، من الطبقة (3) من الوسطى من التابعين.



4- (جابر بن عبد الله) الأنصاري.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ).



رجاله ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والسؤال.



***



الحديث الثاني برقم: (362) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: (كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ؛ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ)، وَقَالَ لِلنِّسَاءِ: ("لاَ تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا").



الشرح:



(عن سهل) بن سعد (قال): (كان رجال) أي بعض الرجال لا كلهم فالتنكير للتبعيض (يصلون مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (1/391) حال كونهم (عاقدي أزرهم) بضم الهمزة وسكون الزاي، ونون عاقدين سقطت للإضافة، (على أعناقهم، كهيئة الصبيان، وقال)، أي: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وللكشميهنيّ: ويقال وهو أعمّ من أن يكون القائل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو من أمره.



قال الحافظ ابن حجر: ويغلب على الظن أن القائل بلالٌ (للنساء) اللاتي يصلّين وراء الرجال (لا ترفعن رؤوسكنّ) من السجود (حتى يستوي الرجال) حال كونهم (جلوسًا) جمع جالس أو مصدر بمعنى جالسين، وإنما قيل لهنّ ذلك؛ لئلا يلمَحْنَ عند رفعهنّ من السجود شيئًا من عورات الرجال، كما وقع التصريح فيه في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قَالَتْ: (كَانَ الْمُسْلِمُونَ ذَوِي حَاجَةٍ، يَأتَزِرُونَ بِهَذِهِ النَّمِرَةِ، فَكَانَتْ إِنَّمَا تَبْلُغُ أَنْصَافَ سُوقِهِمْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ("مَنْ كَانَتْ مِنْكُنَّ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فلَا تَرْفَعْ رَأسَهَا حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُءُوسَهُمْ")، =("-كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ")، ("مِنْ صِغَرِ أُزُرِهِمْ") ("إِذَا سَجَدُوا-). الحديث بزوائده: (حم) (26947)، (26948)، (26950)، (26951)، وقال الأرناؤوط: صحيح لغيره. (طب) (ج24/ص98 ح263)، (د) (851)، (ش) (4650)، (ن) (842)، (خز) (763)، (حب) (2301)، (4) (حم) (26993).



[وَالنَّمِرَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ؛ هِيَ الشَّمْلَةُ الَّتِي فِيهَا خُطُوطٌ مُلَوَّنَةٌ كَأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ جِلْدِ النَّمِرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّلَوُّنِ]. فتح الباري لابن حجر (10/ 276)=



واستُنبِط منه:



1- النهيُ عن فعلِ مستحبٍّ خشية ارتكاب محذور؛ لأن متابعةَ الإمام من غير تأخيرٍ مستحبة، فنهى عنها لما ذكر، وأنه لا يجب الستر من أسفل بخلاف الأعلى.



2- [أن الصلاة بإزار واحد مع إعراء المنكبين صحيحة؛ فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر جابرا أن يتزر ويصلي لما عجز عن ستر عورته ومنكبيه بالبردة التي عليه لضيقها.



3- وممن استدل بذلك الشافعي وأصحابه ومن وافقهم]. فتح الباري لابن رجب (2/ 366)



4- [أن الإزار الضيق يعقد على القفا إذا أمكن ليحصل به ستر بعض المنكبين مع العورة، ولهذا استدل به الإمام أحمد في رواية حنبل كما سبق.



5- وفيه: أن صفوف النساء كانت خلف الرجال.



6- وفيه: أن من انكشف من عورته يسيرٌ في صلاة لم تبطل صلاته]. فتح الباري لابن رجب (2/ 370)



7- [وفيه: جواز وقوع فعل المأموم بعد الإمام بمدَّة، ويصحُّ ائتمامُه كمن زُحِم ولم يقدر على الركوع والسجود حَتَّى قام الناس.



8- وفيه: جواز سبق المأمومين بعضهم لبعض في الأفعال، ولا يضر ذلك.



9- وفيه: التنبيه على جواز إصغاء المصلي في الصلاة إلى الخطاب الخفيف، وتفهُّمِه، والتربُّص في إتيانها لحقِّ غيره، ولغير مقصود الصلاة، فيؤخذ من هذا صحة انتظار الإمام في الركوع للداخل؛ ليدرك الإحرام والركعة إذا كان ذلك خفيفا، ويضعُف القولُ بإبطال الصلاة بذلك، ... بناءً على أن الإطالة -والحالة هذِه- أجنبيَّة عن مقصود الصلاة]. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (9/311، 312)



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ).



1- (مسدد) هو ابن مسرهد،  أبو الحسن البصرى.



2- (يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد البصرى.



3- (سفيان) الثوري أبو عبد الله الكوفى.



4- (أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار، الأعرج الأفزر التمار المدنى، 5- (سهل) بن سعد الساعدي.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ).



وفي الإسناد التحديث والإخبار والعنعنة، =ورواته ما بين بصري وكوفي ومدني.=



***



باب رقم: (7): باب الصَّلاَةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّأْمِيَّةِ



وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الثِّيَابِ يَنْسُجُهَا الْمَجُوسِيُّ؛ لَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا، وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ مَا صُبِغَ بِالْبَوْلِ. وَصَلَّى عَلِيٌّ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ.



(بابُ الصلاةِ في الجبّة الشامية) التي ينسُجها الكفّار ما لم تتحقَّق نجاستُها، =[وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالشَّامِيَّةِ؛ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَكَانَتِ الشَّامُ إِذْ ذَاكَ دَارَ كُفْرٍ]. فتح الباري لابن حجر (1/ 473)=



(وقال الحسن) البصري ... (في الثياب ينسُجها المجوسي) بضم سين ينسُجها؛ من باب نصر ينصُر، وبكسرها من باب ضرب يضرِب، ... والمجوسيُّ بالياء بلفظ المفرد، ... والمراد؛ الجنس، ... والجملة صفة للثياب؛ لأن الجملة وإن كانت نكرة لكن المعرفة بلام الجنس كالنكرة ومنه قوله:



ولقد أمُرُّ على اللئيم يسبُّني ... =فمضيتُ ثُمَّتَ قُلتُ لا يعنيني



[وجه الاستشهاد: وقوع جملة "يسبني": صفة للمعرفة "اللئيم"، وساغ ذلك؛ لكون "أل" جنسية؛ فمدخولها معرفة لفظا، نكرة معنى..]. من حاشية (أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك) (3/ 277)، [والجملة صفة ثياب، إذ (ال) فيها للجنس لا للتعريف، فلا يضرُّ كون الجملة نكرة]. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (2/ 59)=



(لم يَرَ بها) الحسنُ (بأسًا)، أي: قبل أن تُغسل، وقد أجازه الشافعي والكوفيون، وكره ذلك ابن سيرين ... ومطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة، ثم استطرد المؤلّف فقال:



(وقال مَعمَر) بفتح الميمين ابن راشد، ... (رأيت الزهريّ) محمدَ بنَ مسلمِ بنِ شهاب (يلبَس من ثياب اليمن ما صُبغ بالبول)، أي: بعد أن يغسله، أو المراد بول المأكول، وهو طاهر عند الزهري، (وصلّى عليُّ) ... ابنُ أبي طالب ... (في ثوب) خامٍ (غيرِ مقصور) قبل أن يغسله.



وأورد تحته الحديث المرقوم بـ: (363) حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ)، فَقَالَ: («يَا مُغِيرَةُ! خُذِ الإِدَاوَةَ»). (فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى).



الشرح:



... (عن مغيرة بن شعبة) رضي الله عنه (قال): (كنت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر) سنة تسع في غزوة تبوك (فقال) ... ("يا مغيرة خذ الإداوة")، بكسر الهمزة، وجمعها أَداوِي؛ أي: الـمطهرة، (فأخذتها فانطلق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى توارَى)؛ أي: غاب وخفي (عني، ففض) بالفاء، ...: وقضى (حاجته وعليه جبّة شامية) من نسج الكفّار القارِّين بالشام؛ لأنها إذ ذاك كانت دارهم، (فذهب) عليه الصلاة والسلام (ليخرج يده من كمّها فضاقت)؛ أي: الجبّة؛ لأن الثياب الشامية كانت حينئذ ضيقة الأكمام، (فأخرج) عليه الصلاة والسلام (يده من أسفلها فصببتُ عليه) الماء، (فتوضأ وضوءه للصلاة، ومسح على خُفّيه، ثم صلى).



ويستنبط من الحديث:



1- [جواز الصلاة في الثياب التي ينسجها الكفار، وسواء نسجوها في بلادهم وجلبت منها، أو نُسِجت في بلاد المسلمين]. فتح الباري لابن رجب (2/ 372)



2- [جواز الصلاة فيما يجلب من بلاد المشركين من ثيابهم.



3- وجواز الصلاة في الصوف.



4- وجواز الوضوء فيما هو ضيق الكمين؛ وإن لم يتمكن من إخراج يديه منه عند الوضوء، إذا أخرج يديه من أسفله]. فتح الباري لابن رجب (2/ 378)



5- [وَفِيه جَوَازُ أَمر الرئيس غَيره بِالْخدمَةِ.



6- والتسترُ عَن أعين النَّاس عِنْد قَضَاء الْحَاجة.



7- والإعانةُ على الْوضُوء.



8- وَالْمسحُ على الْخُف]. عمدة القاري (4/ 71).



9- وفي بعض الروايات أن الجبّة كانت من صوف [وفي هذا دليل على أن الصوف لا ينجس بالموت؛ لأن الجبة كانت من عمل الشام، والشام إذ ذاك بلاد الكفر والشرك؛ من مجوسٍ وغيرٍهم، وأكثرُ مأكلهم الميتة، ولم يسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا توقف فيه]. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (5/ 362)



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ).



1- (يحيى) هو ابن موسى، بن عبد ربه بن سالم الحُدَّاني، أبو زكريا البلخي، المعروف بـ(خَتّ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المثناة الفوقية، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي (240)هـ بـبلخ.



2- (أبو معاوية) محمد بن خازم، بالخاء والزاي المعجمتين، التميمي السعدي، الضرير الكوفي، ولد (213)هـ، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (295)هـ.



3- (الأعمش) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفى، ولد (61)هـ، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي (147) أو (148)هـ.



4- (مسلم) هو ابن صبيح، بضم المهملة العطاردي، الهمداني مولاهم، أبو الضحى الكوفى العطار، من الطبقة (4) طبقة تلى الوسطى من التابعين، توفي (100)هـ.



5- (مسروق) هو ابن الأجدع الهمداني، وسمّي به؛ لأنه سرقه سارق في صغره، أبو عائشة الكوفي، من الطبقة (2) من كبار التابعين، توفي (62)، ويقال: (63)هـ بـالسلسلة.



6- (مغيرة بن شعبة) رضي الله عنه.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ).



ورواة هذا الحديث بلخي وكوفيون، وفيه التحديث والعنعنة، =وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق.=



***



باب رقم: (8): باب كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا



(باب كراهية التعرّي في) نفس (الصلاة) ...: وغيرها، أي: غير الصلاة.



وأورد تحته الحديث المرقوم بـ: (364) حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ). قَالَ: (فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).



الشرح:



... عن (جابر بن عبد الله) الأنصاري حال كونه (يحدّث أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ (1/392) وَسَلَّمَ كان ينقل معهم الحجارة) أي مع قريش (للكعبة)؛ أي: لبنائها، وكان عمره عليه السلام إذ ذاك؛ خمسًا وثلاثين سنة، وقيل: كان قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وقيل: كان عمره خمس عشرة سنة، (وعليه إزاره) ... (فقال له العباس عمّه) بالرفع عطف بيان: (يا ابن أخي لو حللت إزارك)؛ لكان أسهل عليك، أو لو بمعنى التمنّي فلا جواب لها، (فجعلت) ... أي: الإزار (على منكبيك دون الحجارة)، أي: تحتها.



(قال) جابر أو مَن حدّثه: (فحلّه)، أي: حلّ عليه السلام الإزار (فجعله على منكبيه، فسقط) عليه السلام حال كونه (مغشيًّا)؛ بفتح الميم وسكون الغين المعجمة؛ أي: مغمى (عليه)؛ أي: لانكشاف عورته؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان مجبولاً على أحسن الأخلاق من الحياء الكامل، حتى كان أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، فلذلك غُشِيَ عليه.



... (فما رُئِيَ) بضم الراء فهمزة مكسورة فمثناة تحتية مفتوحة أو بسكر الراء فياء ساكنة فهمزة مفتوحة (بعد ذلك عريانًا) بالنصب على الحال، وعند الإسماعيلي فلم يتعرّ بعد ذلك (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).



فإن قلت: ما الجمع بين حديث الباب وما ذكره ابن إسحاق من أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تعرّى وهو صغير عند حليمة، فلكمه لاكم، فلم يعد يتعرّى بعد ذلك؟



أُجيب بأنه إن ثبت؛ حمل النفي فيه على التعرّي لغير ضرورة عادية، والذي في حديث الباب على الضرورة العادية والنفي فيها على الإطلاق، أو يتقيد بالضرورة الشرعية؛ كحالة النوم مع الزوجة أحيانًا.



واستُنبِط من الحديث:



1- منع بدوّ العورة؛ إلاّ ما رخص من رؤية الزوجات لأزواجهنّ عُراة.



 2- [أما سقوطه مغشيا عليه، فقيل: من شدة حيائه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تعريه؛ فإنه كان مجبولا على أجمل الأخلاق وأكملها منذ نشأ، ومن أعظمها شدة الحياء.



وقيل: بل كان لأمر شاهده وراءه، أو لنداء سمعه عن التعري]. فتح الباري لابن رجب (2/ 381).



3- [أجمع العلماء على وجوب ستر العورة بين الناس عن أبصار الناظرين، واختلفوا في وجوب سترها في الخلوة، على قولين، هما وجهان لأصحابنا =الحنابلة= وأصحابِ الشافعي، ويجوز كشفها للحاجة إليه بقدرها بغير خلاف]. فتح الباري لابن رجب (2/ 384)



4- [وفِيهِ من الْفَوَائِد مِنْهَا: أَن النَّبِي كَانَ فِي صغره محميًّا عَن القبائح، وأخلاق الْجَاهِلِيَّة، منزَّهاً عَن الرذائل والمعايب قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا.



5- وَمِنْهَا: أَنه كَانَ جَبَلَه الله تعالى على أحسنِ الْأَخْلَاقِ وَالْحيَاءِ الْكَامِل، حَتَّى كَانَ أَشد حَيَاء من الْعَذْرَاء فِي خِدرها، فَلذَلِك غشي عَلَيْهِ، وَمَا رُؤِيَ بعد ذَلِك عُريَانا.



6- وَمِنْهَا: أَنه لَا يجوز التعري للمرء بِحَيْثُ تبدو عَوْرَته لعين النَّاظر إِلَيْهَا، وَالْمَشْي عُريَانا بِحَيْثُ لَا يَأْمَن أعين الْآدَمِيّين؛ إلاَّ مَا رُخِّص فِيهِ من رُؤْيَة الحلائل لِأَزْوَاجِهِنَّ عُرَاة. ... وَالله أعلم]. عمدة القاري (4/ 72).



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ).



1- (مطر بن الفضل) المروزي، من الطبقة (11) أوساط الآخذين عن تبع الأتباع، توفي  بعد (250)هـ بـفربر.



2- (رَوح) بفتح الراء وسكون الواو؛ ابن عبادة التنيسي، =كذا قال القسطلاني تبعا للعيني! ولعله خطأ من النساخ، والصواب القيسي= أبو محمد البصرى، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (205) أو (207)هـ.



3- (زكريا بن إسحاق) المكّي، من الطبقة (6) من الذين عاصروا صغار التابعين.



4- (عمرو بن دينار) بفتح العين الجمحي، المكى، أبو محمد الأثرم، من الطبقة (4) طبقة تلى الوسطى من التابعين، توفي (126)هـ.



5- (جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله عنهما.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ).



ورواة هذا الحديث ما بين تنيسي =بل بصري= ومروزي ومكّي، وفيه التحديث والسماع.



ورواية جابر له من مراسيل الصحابة؛ لأن ذلك كان قبل البعثة؛ فإما أن يكون سمع ذلك من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك، أو من بعض مَن حضر ذلك من الصحابة، وقد اتفقوا على الاحتجاج بمرسل الصحابي؛ إلاّ ما تفرّد به أبو إسحاق الإسفرايني، لكن في السياق ما يستأنس لأخذ ذلك من العباس، فلا يكون مرسلاً.



***



ترجمة الـمُغِيْرَةِ بنُ شُعْبَةَ



قوله صلى الله عليه وسلم: ("يا مغيرة خذ الإداوة")، من هو مغيرة؟



ترجمة الـمُغِيْرَةِ بنُ شُعْبَةَ بنِ أَبِي عَامِرٍ بنِ مَسْعُوْدِ بنِ مُعَتِّبٍ.



الأَمِيْرُ أَبُو عِيْسَى، وَيُقَالُ: أَبُو عَبْدِ اللهِ، وَقِيْلَ: أَبُو مُحَمَّدٍ.



مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، أُوْلِي الشَّجَاعَةِ وَالـمَكِيْدَةِ، شَهِدَ بَيْعَةَ الرُّضْوَانِ.



كَانَ رَجُلاً طُوَالاً مَهِيْباً، ذَهَبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ اليَرْمُوْكِ، وَقِيْلَ: يَوْمَ القَادِسِيَّةِ.



رَوَى: مُغِيْرَةُ بنُ الرَّيَّانِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَتْ عَائِشَةُ: (كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ الـمُغِيْرَةِ بنُ شُعْبَةَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ).



قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: (كَانَ الـمُغِيْرَةِ أَصْهَبَ الشَّعْرِ جِدّاً، يَفْرِقُ رَأْسَهُ فُرُوْقاً أَرْبَعَةً، أَقْلَصَ الشَّفَتَيْنِ، مَهْتُوْماً، ضَخْمَ الهَامَةِ، عَبْلَ الذِّرَاعَيْنِ، بَعِيْدَ مَا بَيْنَ الـمَنْكِبَيْنِ).



وَكَانَ دَاهِيَةً، يُقَالُ لَهُ: مُغِيْرَةُ الرَّأْيُ.



وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: (أَنَّ الـمُغِيْرَةَ سَارَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى الكُوْفَةِ خَمْساً).



... عن أَبي إِدْرِيْسَ، قَالَ: (قَدِمَ الـمُغِيْرَةِ بنُ شُعْبَةَ دِمَشْقَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: وَضَّأْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوْكٍ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ).



مَعْمَرُ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: (كَانَ دُهَاةُ النَّاسِ فِي الفِتْنَةِ خَمْسَةً، فَمِنْ قُرَيْشٍ: عَمْرٌو، وَمُعَاوِيَةُ، وَمِنَ الأَنْصَارِ: قَيْسُ بنُ سَعْدٍ، وَمِنْ ثَقِيْفٍ: الـمُغِيْرَةُ، وَمِنَ الـمُهَاجِرِيْنَ: عَبْدُ اللهِ بنُ بُدَيْلِ بنِ وَرْقَاءَ الخُزَاعِيُّ، فَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ: قَيْسٌ، وَابْنُ بُدَيْلٍ، وَاعْتَزَلَ الـمُغِيْرَةُ بنُ شُعْبَةَ).



زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ: عَنْ أَبِيْهِ، عَنِ الـمُغِيْرَةِ، قَالَ: (كَنَّانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِأَبِي عِيْسَى).



عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيْهِ: (أَنَّ عُمَرَ قَالَ لابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا أَبُو عِيْسَى؟!)



قَالَ: (يَا أَمِيْرَ الـمُؤْمِنِيْنَ! اكْتَنَى بِهَا الـمُغِيْرَةُ بنُ شُعْبَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).



عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ: (أَنَّ عُمَرَ غَيَّرَ كُنْيَةَ الـمُغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ، وَكَنَّاهُ: أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَقَالَ: هَلْ لِعِيْسَى مِنْ أَبٍ؟!)...



... عَنْ عَامِرِ بنِ وَهْبٍ، قَالَ: (خَرَجَ الـمُغِيْرَةِ فِي سِتَّةٍ مِنْ بَنِي مَالِكٍ إِلَى مِصْرَ تُجَّاراً، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبُزَاقٍ عَدَا عَلَيْهِم، فَذَبَحَهُم، وَاسْتَاقَ العِيْرَ، وَأَسْلَمَ).



عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الـمُغِيْرَةِ، قَالَ: (أَنَا آخِرُ النَّاسِ عَهْداً بِرَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دُفِنَ، خَرَجَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ القَبْرِ، فَأَلْقَيْتُ خَاتَمِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الحَسَنِ، خَاتَمِي!) قَالَ: (انْزِلْ، فَخُذْهُ). قَالَ: (فَمَسَحْتُ يَدِي عَلَى الكَفَنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ)...



... عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيْهِ: (أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ الـمُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَةَ عَلَى البَحْرَيْنِ، فَكَرِهُوْهُ، فَعَزَلَهُ عُمَرُ، فَخَافُوا أَنْ يَرُدَّهُ)، فَقَالَ دِهْقَانُهُم: (إِنْ فَعَلْتُم مَا آمُرُكُم، لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْنَا)، قَالُوا: (مُرْنَا!)



قَالَ: (تَجْمَعُوْنَ مائَةَ أَلْفٍ حَتَّى أَذْهَبَ بِهَا إِلَى عُمَرَ، فَأَقُوْلُ: إِنَّ الـمُغِيْرَةَ اخْتَانَ هَذَا، فَدَفَعَهُ إِلَيَّ!) قَالَ: (فَجَمَعُوا لَهُ مائَةَ أَلْفٍ، وَأَتَى عُمَرَ، فَقَالَ ذَلِكَ).



فَدَعَا الـمُغِيْرَةَ، فَسَأَلَهُ، قَالَ: (كَذَبَ -أَصْلَحَكَ اللهُ- إِنَّمَا كَانَتْ مائَتَيْ أَلْفٍ!)



قَالَ: (فَمَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟!) قَالَ: (العِيَالُ وَالحَاجَةُ). فَقَالَ عُمَرُ لِلْعِلْجِ: (مَا تَقُوْلُ؟)



قَالَ: (لاَ -وَاللهِ- لأَصْدُقَنَّكَ، مَا دَفَعَ إِلَيَّ قَلِيْلاً وَلاَ كَثِيْراً!)



فَقَالَ عُمَرُ لِلْمُغِيْرَةِ: (مَا أَرَدْتَ إِلَى هَذَا؟!) قَالَ: (الخَبِيْثُ كَذَبَ عَلَيَّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُخْزِيَهُ)...



عَنْ سِمَاكِ بنِ سَلَمَةَ، قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ بِالإِمْرَةِ: الـمُغِيْرَةِ بنُ شُعْبَةَ). يَعْنِي: قَوْلَ الـمُؤَذِّنِ عِنْدَ خُرُوْجِ الإِمَامِ إِلَى الصَّلاَةِ: (السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الأَمِيْرُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ).



عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُوْلُ لِلآخَرِ: (غَضِبَ اللهُ عَلَيْك كَمَا غَضِبَ أَمِيْرُ الـمُؤْمِنِيْنَ عَلَى الـمُغِيْرَةِ، عَزَلَهُ عَنِ البَصْرَةِ، فَوَلاَّهُ الكُوْفَةَ)...



قَالَ اللَّيْثُ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ الـمُغِيْرَةُ سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ.



... وورد أَنَّ الـمُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَةَ، قَالَ لِعَلِيٍّ حِيْنَ قُتِلَ عُثْمَانُ: (اقْعُدْ فِي بَيْتِكَ، وَلاَ تَدْعُ إِلَى نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ لَوْ كُنْتَ فِي جُحْرٍ بِمكَّةَ لَمْ يُبَايِعُوا غَيْرَكَ)...



عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: (دَعَا مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بنَ العَاصِ بِالكُوْفَةِ، فَقَالَ: أَعِنِّي عَلَى الكُوْفَةِ). قَالَ: (كَيْفَ بِمِصْرَ؟) قَالَ: (أَسْتَعْمِلُ عَلَيْهَا ابْنَكَ عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو). قَالَ: (فَنَعَمْ). فَبَيْنَا هُم عَلَى ذَلِكَ، جَاءَ الـمُغِيْرَةِ بنُ شُعْبَةَ -وَكَانَ مُعْتَزِلاً بِالطَّائِفِ- فَنَاجَاهُ مُعَاوِيَةُ. فَقَالَ الـمُغِيْرَةُ: (تُؤَمِّرُ عَمْراً عَلَى الكُوْفَةِ، وَابْنَهُ عَلَى مِصْرَ، وَتَكُوْنُ كَالقَاعِدِ بَيْنَ لَحْيَيِ الأَسَدِ!) قَالَ: (مَا تَرَى؟) قَالَ: (أَنَا أَكْفِيْكَ الكُوْفَةَ). قَالَ: (فَافْعَلْ). فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرٍو حِيْنَ أَصْبَحَ: (إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ كَذَا). فَفَهِمَ عَمْرٌو، فَقَالَ: (أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَمِيْرِ الكُوْفَةِ؟) قَالَ: (بَلَى). قَالَ: (الـمُغِيْرَةُ، وَاسْتَغْنِ بِرَأْيِهِ، وَقُوَّتِهِ عَنِ الـمَكِيْدَةِ، وَاعْزِلْهُ عَنِ الـمَالِ، قَدْ كَانَ قَبْلَكَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَفَعَلاَ ذَلِكَ). قَالَ: (نِعْمَ مَا رَأَيْتَ). فَدَخَلَ عَلَيْهِ الـمُغِيْرَةُ، فَقَالَ: (إِنِّيْ كُنْتُ أَمَّرْتُكَ عَلَى الجُنْدِ وَالأَرْضِ، ثُمَّ ذَكَرْتُ سُنَّةَ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ قَبْلِي). قَالَ: (قَدْ قَبِلْتُ).



قَالَ اللَّيْثُ: (كَانَ الـمُغِيْرَةُ قَدِ اعْتَزَلَ، فَلَمَّا صَارَ الأَمْرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ كَاتَبَهُ الـمُغِيْرَةُ)...



قَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ: (أَحْصَنَ الـمُغِيْرَةِ أَرْبَعاً مِنْ بَنَاتِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ آخِرُ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْهُنَّ؛ بِهَا عَرَجٌ).



عَنِ الشَّعْبِيِّ: سَمِعْتُ قَبِيْصَةَ بنَ جَابِرٍ يَقُوْلُ: (صَحِبْتُ الـمُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَةَ، فَلَو أَنَّ مَدِيْنَةً لَهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، لاَ يُخْرَجُ مِنْ بَابٍ مِنْهَا إِلاَّ بِمَكْرٍ، لَخَرَجَ مِنْ أَبْوَابِهَا كُلِّهَا).



عَنْ أَبِي السَّفَرِ: قِيْلَ لِلْمُغِيْرَةِ: (إِنَّك تُحَابِي). قَالَ: (إِنَّ الـمَعْرِفَةَ تَنْفَعُ عِنْدَ الجَمَلِ الصَّؤُوْلِ وَالكَلْبِ العَقُوْرِ، فَكَيْفَ بِالـمُسْلِمِ؟!).



عَنِ الـمُغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ، قَالَ(: لَقَدْ تَزَوَّجْتُ سَبْعِيْنَ امْرَأَةً، أَوْ أَكْثَرَ).



ابْنُ الـمُبَارَكِ، قَالَ: (كَانَ تَحْتَ الـمُغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ).



قَالَ: (فَصَفَّهُنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: أَنْتُنَّ حَسَنَاتُ الأَخْلاَقِ، طَوِيْلاَتُ الأَعْنَاقِ، وَلَكِنِّي رَجُلٌ مِطْلاَقٌ، فَأَنْتُنَّ الطَّلاَقُ).



مَالِكٌ، قَالَ: (كَانَ الـمُغِيْرَةُ نَكَّاحاً لِلنِّسَاءِ، وَيَقُوْلُ: صَاحِبُ الوَاحِدَةِ إِنْ مَرِضَتْ مَرِضَ، وَإِنْ حَاضَتْ حَاضَ، وَصَاحِبُ الـمَرْأَتَيْنِ بَيْنَ نَارَيْنِ تُشْعَلاَنِ، وَكَانَ يَنْكِحُ أَرْبَعاً جَمِيْعاً، وَيُطَلِّقُهُنَّ جَمِيْعاً).



عن زِيَادِ بنِ عِلاَقَةَ، سَمِعْتُ جَرِيْراً يَقُوْلُ حِيْنَ مَاتَ الـمُغِيْرَةِ بنُ شُعْبَةَ: (أُوْصِيْكُم بِتَقْوَى اللهِ، وَأَنْ تَسْمَعُوا وَتُطِيْعُوا حَتَّى يَأْتِيَكُم أَمِيْرٌ، اسْتَغْفِرُوا لِلْمُغِيْرَة، غَفَرَ اللهُ لَهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَافِيَةَ)، وعَنْ زِيَادٍ: فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ.



... إِيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ القَادِسِيَّةِ، ذَهَبَ الـمُغِيْرَةِ بنُ شُعْبَةَ فِي عَشْرَةٍ إِلَى صَاحِبِ فَارِسٍ)، فَقَالَ =الفارسي=: (إِنَّا قَوْمٌ مَجْوُسٌ، وَإِنَّا نَكْرَهُ قَتْلَكُم؛ لأَنَّكُم تُنَجِّسُوْنَ عَلَيْنَا أَرْضَنَا).



فَقَالَ =المغيرة=: (إِنَّا كُنَّا نَعْبُدُ الحِجَارَةَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُوْلاً، فَاتَّبَعْنَاهُ، وَلَمْ نَجِئْ لِطَعَامٍ، بَلْ أُمِرْنَا بِقِتَالِ عَدُوِّنَا، فَجِئْنَا لِنَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُم، وَنَسْبِيَ ذَرَارِيَّكُم، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الطَّعَامِ، فَمَا نَجِدُ مَا نَشْبَعُ مِنْهُ؛ فَجِئْنَا، فَوَجَدنَا فِي أَرْضِكُم طَعَاماً كَثِيْراً، وَمَاءً، فَلاَ نَبْرَحُ حَتَّى يَكُوْنَ لَنَا أوْ لَكُم).



فَقَالَ العِلْجُ: (صَدَقَ). قَالَ =المغيرة=: (وَأَنْتَ تُفْقَأُ عَيْنُكَ غَداً). فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ بِسَهْمٍ...



وَقَالَ الجَمَاعَةُ: مَاتَ أَمِيْرُ الكُوْفَةِ؛ الـمُغِيْرَةُ فِي سَنَةِ خَمْسِيْنَ، فِي شَعْبَانَ، وَلَهُ سَبْعُوْنَ سَنَةً.



وَلَهُ فِي (الصَّحِيْحَيْنِ) : اثْنَا عَشَرَ حَدِيْثاً.



وَانْفَرَدَ لَهُ البُخَارِيُّ: بِحَدِيْثٍ، وَمُسْلِمٌ بِحَدِيْثَيْنِ]. بتصرف من سير أعلام النبلاء (3/ 21- 32).



هذا والله تعالى أعلم



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (9): باب الصَّلاَةِ فِي الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالْقَبَاءِ.




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة