الضوابط الشرعية



لعَلاقة المرأة المسلمة مع محارمها والأجانب



جمع وإعداد



صاحب الفضيلة



الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الحلقة الثالثة



سابعا: المرأة عروسا وزوجة:



عندما تكون المرأةُ عروسا؛ اقتضت العاداتُ والتقاليدُ إقامةَ الأفراح، والليالي الملاح، واجتماعَ النساءِ بالتصفيقِ والرقصِ والغناء، وكلُّ ذلك من باب المباح، ما لم يتخلَّلْهُ محرَّمٌ؛ كاختلاط الرجال بالنساء، والغناء الهابط، والموسيقى الماجنة.



ومن العادات السيئة المحرمة عند بعضهن؛ أن تكشف نسوةٌ سواء كن أمهات أو أخوات أو غيرهن، عن عورة العروس، وينتفن عانتها! ولا يتركنها أن تقوم بذلك بنفسها! فلا يجوز كشف العورة على الأم وعلى غيرها كما سنعلم لا للبنت ولا للأخت.



فإذا تزوّجت المرأة أصبحت لزوجها، وليس بين الزوجين عورات، وإن كانَ الأفضلُ التستُّرَ وعدمَ التجرُّد، إلا للحاجة، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَوْرَاتُنَا مَا نَأتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟) قَالَ: ("احْفَظْ عَوْرَتَكَ؛ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ")، فَقُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللهِ! إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟!) =مختلطين= قَالَ: ("إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ")، ("فَافْعَلْ")، فَقُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللهِ! إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟) قَالَ: ("فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ"). ([1])



[بناءً على هذا الحديث: يجوز لهما (الزوجين) أن يغتسلا معًا في مكان واحد، ولو رأى منها ورأت منه، =ما في مانع إن شاء الله=. أ.هـ]. ([2])



وقال الألباني أيضا: [والحديثُ ترجم له النسائي بـ "نظر المرأة إلى عورة زوجها"، وعلَّقه البخاري في (صحيحه) في (باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة، ومن تستر؛ فالستر أفضل)، ثم ساق حديث أبي هريرة في اغتسال كلٍّ من موسى وأيوب عليه السلام في الخلاء عُريانَيْن، فأشار فيه إلى أن قوله في الحديث: ("اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ")؛ محمولٌ على ما هو الأفضل والأكمل، وليس على ظاهره الـمُفِيد للوجوب.



قال المناوي: (وقد حمله الشافعية على النَّدب، وممن وافقهم: ابن جريج، فأَوَّلَ الخبرَ... على النَّدب، قال: لأن الله تعالى لَا يغيب عنه شيء من خَلْقِهِ عراةً، أو غير عراة). أ. ه]. ([3])



وكذلك التقبيل بين الزوجين لا ينقض الوضوء على خلاف بين العلماء، إلا إذا نزل شيء؛ من مذي ونحوه فينتقض، عَنْ عُرْوَةَ =رضي الله عنه ورحمه=، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (قَبَّلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ)، قَالَ عُرْوَةُ =وهو ابن أختها=: (فَقُلْتُ: مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ؟!) قَالَ: (فَضَحِكَتْ!). ([4])



لم تقل: نعم! ولم تقل: لا! فما معنى ضحكت؟ استحَت وأقرت هذا الأمر، أن يفعل معها هذا الأمر ويخرج للصلاة بدون وضوء.



فالمحرَّم بين الزوجين؛ إتيانُها وهي حائض، أو إتيانها في الدبر، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ عُمَرُ رضي الله عنه إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ!) قَالَ: ("وَمَا أَهْلَكَكَ؟!") قَالَ: (حَوَّلْتُ رَحْلِي اللَّيْلَةَ!) قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا، قَالَ: فَأُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْآية: ("{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}؛ أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ") =أي: مكان البراز= ("وَالْحَيْضَةَ"). ([5])



وَأيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم"). ([6])



فهذا الكفر معناه؛ كفر النعم، وليس الكفر الخروج من الملة، وكذا لا يجوز للزوج إتيانها وهي في حال عبادة؛ كأن تكون في صلاة أو صائمة أو محرمة بحج أو عمرة.



ثامنا: المرأة أمًّا:



والأم والأمومة تبدأ بالحمل، فتحتاجُ إلى طبيبة للكشف الطبِّي، أو طبيبٍ إن لم توجد طبيبة، ويتبعُ ذلك ما لا بد منه؛ من كشف العورة، والعورة المغلّظة أيضا، ومسِّها وجَسِّها، وكذا الولادة.



وهذا للضرورات جائز، فالضرورات تبيح المحظورات.



والأمُّ لا تكشفُ عورتها أمام أبنائها ولا بناتها، فلا ينبغي أن يظهر منها أمامهم إلا الرأس والعنق، وما لابد من إظهاره عند الوضوء والكنس والعجن، وغسل الملابس ونحو ذلك. عندما تكون في مهنتها.



سؤال: الآن إن لبست الأم أمام أبنائها ما تسمى بالبيجامة أو ما يسمى: (الترنقات)؟



الجواب: إن كانت واسعة فلا شيء في ذلك والأمر فيه سعة، وإن كانت ضيقة فلا ينبغي هذا، لأنها ستجسم الأعضاء البسيطة جدا فلا ينبغي هذا، رغم أن هذا بيتها لكن ليس أمام أبنائها، فلابد أن تحتشم أمام أبنائها وإخوانها ومحارمها، والله أعلم، المهم ألا تظهر مفاتن المرأة.=



عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ =رضي الله عنه=؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟!) فَقَالَ: ("نَعَمْ!") قَالَ الرَّجُلُ: (إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْت!)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ("اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا")، فَقَالَ الرَّجُلُ: (إِنِّي خَادِمُهَا!) =يريد أن يأخذ فتوى ليدخل عليها بدون إذن= فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ("اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟!") قَالَ: لاَ، قَالَ: ("فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا"). ([7])



تاسعا: المرأة مريضة؛ عافانا الله وإياكم ومرضى المسلمين:



ومن الجائز رؤية الطبيب لعورة المريضة إن لم توجد طبيبة، أو غريقة =وتحتاج إلى إنقاذ= وإنقاذ المنقذ لها وكذا عند الحريق، =ماذا نفعل؟ وهذه هي وظيفته يحملها وينقلها نسأل الله أن يأتي بالخير، وله حملها وإسعافها، كل ذلك للضرورة.



ومن السنة عيادة المرأة المريضة، فعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ، قَالَتْ: (عَادَنِي) =أي: زارني في مرضي= (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَرِيضَةٌ)، فَقَالَ: ("أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْعَلَاءِ! فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ، كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ"). ([8])



إذن يجوز حتى للرجال الأجانب أن يعودوا النساء غير المحارم، فإن كان هناك صداقة بين زوجِكِ ورجلٍ آخرَ، ويوجد معرفةٌ مع زوجته فإذا مرضتِ أنتِ يأتِ هذا الرجل بزوجته لزيارتكم، فلا مانع في ذلك، ما دام يوجد الحجابُ وعدمُ كشف العورات وما شابه ذلك.



سؤال: انتشر بين الناس في هذا ما تسمى بالجلسات الجماعية، فما حكم ذلك؟ وما هي ضوابط الحديث مع هذا الرجل؟ لأنهم يقولون أننا أصدقاء ونعرف بعضنا.



الجواب: ما دام يوجد رجلٌ غريبٌ أجنبيٌّ، ويوجد أكثر من واحد في الجلسة، والتزام الحشمة والحجاب، والكلام لا خضوع فيه بالقول، فالأمر جائز إن شاء الله خصوصا في المعارف، لقد دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْسِهِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ، وَهِيَ العَرُوسُ، قَالَ سَهْلٌ: (تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَكَلَ، سَقَتْهُ إِيَّاهُ). ([9])



عاشرا: المرأة مرضعةً:



إظهارُ الثدي عند الإرضاع، وهذا شاع بين النساء، بعد أن كانت لا تظهر ثديها عندما كانت بنتا، لا تكشفه على أبٍ ولا على أخ، فعندما ولَدَت حسبت أن الرضاعة عذرٌ في كشف الثدي، وهذا غير صحيح.



فقط يجوز ذلك أمام زوجها ومثلِها من النساء، فلا تكشفه حتى عند محارمها، كالأب والأخ والابن ونحوهما.



سؤال يا شيخ: من أين أتونا بأن عورة المرأة من السرة إلى الركبة؟



هذه منتشرة كثيرا بين الناس، نسأل الله السلامة.



يعني تقف أختي أمامي تكشف من أولها إلى آخرها، ويستدلون فيها بالأفراح وغيرها؟



لا لا هذا لا ينبغي ولا يجوز، وهذا قول؛ ولا دليل عليه من السنة أو كذا؟ لا.



قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:



[والخلاصة: أن اللباسَ شيء، والنظرَ إلى العورة شيءٌ آخرَ؛ أمّا اللباس فلباس المرأة مع المرأة المشروع فيه أن يستر ما بين كفِّ اليد إلى كعب الرجل، هذا هو المشروع، ولكن لو احتاجت المرأة إلى تشمير ثوبها؛ لشغل أو نحوه فلها أن تشمر إلى الركبة، وكذلك لو احتاجت أن تشمّر الذراع إلى العضد فإنها تفعل ذلك بقدر الحاجة فقط، وأمّا أن يكونَ هذا هو اللباسُ المعتادُ الذي تلبسه فلا.



والحديث لا يدل عليه بأي حال من الأحوال، ولهذا وجّه الخطاب إلى الناظرة لا إلى المنظورة، ولم يتعرّضْ الرسولُ عليه الصلاة والسلام لذكر اللباس إطلاقاً، فلم يقل: لباس المرأة ما بين السرة والركبة، حتى يكون في هذا شبهه لهؤلاء النساء.



وأما محارمُهُنّ في النظر فكنظر المرأة إلى المرأة؛ بمعنى أنه يجوز للمرأة أن تكشف عند محارمها ما تكشفه عند النساء؛ تكشفُ الرأسَ والرقبةَ والقدمَ والكفَّ والذراعَ والساقَ وما أشبه ذلك، ولكن لا تجعل اللباسَ قصيراً]. ([10])




 






([1]) (ت) (2769)، (2794)، (د) (4017)، (جة) (1920) (حم) (19536)، حسنه الألباني في الإرواء: (1810)، وصحيح الجامع: (203)، والمشكاة: (3117).





([2]) قاله الألباني في (آداب الزفاف، ص: 36).





([3]) وذكر الحافظ في (الفتح) نحوه، فراجعه إن شئت (1/ 307).





([4]) (ت) (86)، (د) (179)، (س) (170)، (جة) (503)، (حم) (25807).





([5]) (ت) (2980)، (ن) (8977)، (حم) (2703)، صَحِيح الْجَامِع: (1141)، المشكاة: (3191).





([6]) (ت) (135)، (جة) (639)، وصححه الألباني في الإرواء: (2006)، والمشكاة: (551).





([7]) (ط) (2766).





([8]) (د) (3092)، انظر صحيح الجامع: (34)، والصحيحة: (714).





([9]) (خ) (5176)، (م) 86- (2006).





([10]) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (12/276، 277).





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة