هل الوهن والغثائية



أصابت أبناء الأمة المحمدية؟



إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. (آل عمران: 102).



{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. (النساء: 1).



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}. (الأحزاب: 70، 71).



أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.



أعاذنا الله وإياكم من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين.



أيها المسلمون؛ الوهنُ والغثائيةُ هل أصابت أبناءَ الأمةِ المحمديّة؟ ونحن نعلم أن مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الصُّغْرَى تَكَالُبَ سَائِرِ الْأُمَمِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاجْتِمَاعَهُمْ عَلَيْهَا؛ حيث ثبت عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("يُوشِكُ الْأُمَمُ") =من أفعال المقاربة=، -أَيْ: يَقْرُبُ فِرَقُ الْكُفْرِ وَأُمَمُ الضَّلَالَة. ([1])-



("أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ"). ([2] -أَيْ: تَتَدَاعَى بِأَنْ يَدْعُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا =على هذه الأمة؛ لماذا؟ قال:= لِمُقَاتَلَتِكُمْ، وَكَسْرِ شَوْكَتكُمْ، وَسَلْبِ مَا مَلَكْتُمُوهُ مِنْ الدِّيَارِ وَالْأَمْوَال. ([3])-



=يتداعَون وينادي بعضهم بعضا= ("مِنْ كُلِّ أُفُقٍ"). ([4])



(كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا"). ([5])، =كما يتداعى الذين يأكلون كثيرا، وهم في جوع شديد الآن ووجدوا قصعة مليئة بالثريد، فالكل ينادي حتى ينال نصيبه من هذه القصعة، فلا ينالهم تعب ولا ضرر، ولا يلحقهم بأس، لا أحد يمنعهم، هذا تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم لتكالب الأمم على هذه الأمة في آخر الزمان.=



و-القصعة: وعاءٌ يُؤكَلُ ويُثْرَدُ فيه، وكان يُتَّخَذُ من الخشب غالبا، والضَّمِيرُ في (قَصْعَتهَا) لِلْأَكَلَةِ، أَيْ: الَّتِي يَتَنَاوَلُونَ مِنْهَا بِلَا مَانِعٍ وَلَا مُنَازِع، فَيَأكُلُونَهَا عَفْوًا وَصَفْوًا، كَذَلِكَ يَأخُذُونَ مَا فِي أَيْدِيكُمْ بِلَا تَعَبٍ يَنَالُهُمْ، أَوْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُمْ، أَوْ بَأسٍ يَمْنَعُهُمْ. ([6])-



=وتعجَّب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قالوا:= (فَقُلْنَا: أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟!) ([7])، قَالَ: ("بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ"). ([8])=كم المسلمون وكم من يقول لا إله إلا الله اليوم؟ حوالي سبع العالم كلهم مسلمون، يقولون لا إله إلا الله على تفاوت بينهم، قال ولكنكم غثاء كغثاء السيل، لا تأثير لهم في العالم.=



-(غُثَّاء السَّيْل) مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنْ زَبَدٍ وَوَسَخ، شَبَّهَهُمْ بِهِ صلى الله عليه وسلم =في ذلك الزمان=؛ لِقِلَّةِ شَجَاعَتِهِمْ وَدَنَاءَةِ، =قدرتهم و= قَدْرِهِمْ. ([9])-



=ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:= ("يَنْتَزِعُ اللهُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ"). ([10] =والعدو لا يهاب المسلمين في هذا الزمان، أو في ذلك الزمان الذي سيكون=، -(الْمَهَابَة) أَيْ: الْخَوْفُ وَالرُّعْب.-



("مِنْكُمْ، وَيَقْذِفُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ")، -(الْوَهْن): أَيْ: الضَّعْف، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَهْنِ مَا يُوجِبُهُ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَة الْمَوْت. ([11])-



فَقُلْنَا: (وَمَا الْوَهْنُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) =والصحابة رضي الله تعالى عنهم يعرفون الوهن أنه الضعف، لكن ما المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم الوهن؟= -أَيْ: مَا يُوجِبُهُ وَمَا سَبَبُه.-



قَالَ: ("حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ"). ([12])، -هذه هي نقطة الضعف =فينا يا عباد الله= عند هذه الأمة؛ ألا وهي حب الدنيا، لذلك أغرق الأعداءُ هذه الأمة بالشهوات. ع- والملذات واللهو والمنكرات.



إن كثيرا من أبناء هذه الأمة قلّدوا غيرهم من الأمم، واتبعوا أهواءَهم، وتقليدُهم لهم يجري بسرعة، واتباعُهم خطوةً بخطوة، ومن هذا التقليد والاتباع ما رأيناه، ومنه ما سنراه، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله =تعالى= عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَتَتَّبِعُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ")، وفي رواية: ("لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ). ([13])، -(السَّنَن) بِفَتْحِ السِّين وَالنُّون: هُوَ الطَّرِيق. ([14])- =التي يمشون فيها، سيتبعها بعض هذه الأمة وهم الغثاء.=



=كيف اتباعهم؟ قال:= ("بَاعًا بِبَاعٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَشِبْرًا بِشِبْرٍ). ([15])، (حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ). ([16])، -الْمُرَادُ بِالشِّبْرِ وَالذِّرَاعِ وَجُحْرِ الضَّبّ، التَّمْثِيلُ بِشِدَّةِ الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ. ([17])-



(وَحَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ أُمَّهُ بِالطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمْ"). ([18])



(فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ!) =يعني هؤلاء الذين تتكلم عنهم= (كَمَا فَعَلَتْ فَارِسُ وَالرُّومُ). ([19])، وفي رواية: (الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟) ([20])، (قَالَ: "وَمَنْ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ؟!") ([21])



تجد من أبناء هذه الأمة المحمدية من هو مولعٌ بتقليد الغرب والشرق، وينظرُ إليهم بأنهم قدوةُ العالم، ويظنّ أنّ كلّ ما يصدر عنهم إنما هو التقدم والرقي، والحضارة والمدنية، فلو فعلوا ما يخالف العقلَ والشرع، والعرفَ والعادة لقلّدهم، فإذا خلعوا ثيابَهم بين الناس وتعرّوا، وقالوا: هذه (موضة)؛ ولنقلوه وعملوا به، فالعري (موضة)، بل لو أباحوا الزنا والسَّحاق، وعملَ قوم لوط عليه السلام؛ لوجدت هؤلاء الغثاء يتابعونهم، فيقرون هذه الجرائم ويقنُّونها، ويخصصون لها الأماكن، ويرخصون لها المؤسسات.



بل أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لو وجد فيهم، -أي في غير المسلمين- من يتزوج أمّه التي ولدته، أو يزني بها نهارا جهارا، لاتبعتهم طائفة من هؤلاء الغثاء، وقلدّهم فرقة من أولئك السفهاء، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو =رضي الله عنهما=، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ("لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بني إسرائيل حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، ..."). ([22])



إن هذه الأمة هناك من يتربص بها الدوائر، ويبتغي لها الهلاك، ويسعى لأن يقلبها عن دينها، حتى تبقى أمّةٌ بلا دين، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله =تعالى= عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("وَايْمُ اللهِ! لَتُكْفَأَنَّ أُمَّتِي عَنْ دِينِهَا كَمَا يُكْفَأُ الْإنَاءُ فِي الْبَطْحَاءِ"). ([23])



وهذا قَسَمٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والله لتُقْلَبَنَّ هذه الأمةُ في آخر الزمان عن دينها، كما يُقلَب الإناء وما فيه من ماء في الصحراء، فيذهب في الرمال، فلا يبقى من الإسلام إلاّ الرسوم والأسماء، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ") =أي يذهب من قلوب الناس وأعمالهم، حتى الفرائض التي عندهم تذهب وتدرس= ("كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ؛ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ، وَلَا نُسُكٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، ...."). ([24])



وبعض أبناء هذه الأمّة اليوم لا يدري ما صلاة؟ ولا يدري شروطَها ولا أركانَها، ولا مبطلاتِها، ومنهم من لا يدري الصيامَ ومبطلاتِه وأحكامَه! ومنهم من لا يدري الذبائحَ الحلال من الذبائح الحرام! ولا ما النسكُ ولا الحجُّ ولا أحكامُه، بل منهم من لا يدري ما معنى لا إله إلا الله؟ ولا يدري شروطَها ولا أركانَها ولا مبطلاتِها؟



لكن إذا سألته عن الأندية الرياضيّة، وتواريخِ المباريات، ومواقيتِ البث المباشرِ منها، والغالبِ والمغلوب؟ يجيبك بالتفصيل، ويراهنُك ويكسب الرهان؛ لأنه متابع باهتمام!



اسألْه عن أبطال المسلسلاتِ والأفلامِ والمسرحيات وبَطَلاتِها، وتواريخِ حياتِهم، فترقَّبْ الإجابةَ منه بلا تلعثم! لأنه في هذا فنان!



من أبناء هذه الأمة من يتابع شبكاتِ التواصلِ العنكبوتية، ولا يحلوا له إلا التجوُّلَ في المواقع المشكِّكةِ في دين الله، وفي القرآن الكريم، وعقائد المسلمين، وهديِ سيد المرسلين، فيحفظُ الشبهاتِ والطعون، ولا يستطيع أن يردَّها، فتستقرَّ في قلبه، مع أنه يحملُ اسما عربيا، ورسما إسلاميًّا، لكن أصبح بلا دين!



انتشر بين غير المسلمين الخمرُ والزنا، ولبسُ الحرير والسبُّ والتلاعن، فكان في هذه الأمة من قلَّدهم وفعل فعلهم، فإذا أطبقت الأمة على ذلك، وليس فيهم من ينكر ما هنالك، فقد أحلَّت الأمَّةُ بنفسها الدمار، فمِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الصُّغْرَى اسْتِحلَالُ هَذِه الْأُمَّة مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهَا؛ عَنْ أَنَس =بن مالك= رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِذَا اسْتَحَلَّتْ أُمَّتِي خَمْسًا فَعَلَيْهِمُ الدَّمَارُ: إِذَا ظَهَرَ التَّلَاعُنُ، وَشَرِبُوا الْخُمُورَ، وَلَبِسُوا الْحَرِيرَ، وَاتَّخِذُوا الْقِيَانَ، وَاكْتَفَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ"). ([25])



تعالوا بنا ننظر أسبابَ دمار هذه الأمّة، وهل توافرت من أبنائها -في هذا الحديث؟ أم نقصت واحدا من هذه الأسباب الخمسة؟



ألم يظهر التلاعن بين أبناء المسلمين، والسباب والشتائم؟ وتمتلئ به الشبكات العنكبوتية، والمجالس والدواوين؟ موجود.



ألم يظهر شرب الخمور؟ ويقنن لها، بالقانون ويرخَّص في بعض دول الإسلام؟ ويَحمِي أماكنَها وأهلَها القانون؟



ألم يلبس كثير من المسلمين الذهب والحرير ودون نكير؟



ألم تنتشر القِيانُ والفتياتُ المغنيات، والراقصاتُ المائلاتُ المميلات، وذلك عبر الفضائيات والإذاعات والشبكات؟ ولم يخلُ منها بيتُ من البيوتات؟!



ألم يكتفِ الرجالُ بالرجال، وتُقَرُّ من بعض الحكومات؟ وترخَّص بما يسمى (زواج المثليين)؟ فيكتفي الرجال بالرجال، وتكتفي النساء بالنساء؟



كلُّ ذلك جريا وراء التقليد لغيرنا والمحاكاة!!



-في السنوات القليلة الماضية تسارعت عددٌ من الدول الأوربية إلى الاعتراف الكامل بزواج المثليين من الرجال، والسحاقيات من النساء، بعد فوزِ هذا التوجُّه المنحرف بالتصويت عليه في البرلمانات الأوربية التي تمثل الشعوب، فأصبحت الممارساتُ الشاذةُ معترفًا بها قانونًا، ولأصحابها حقوق الزوجية؛ من توثيق عقود الزواج، وما يترتب عليها من حقوقٍ وآثار حسب قوانين الأحوال الشخصية؛ أي: أنّ ممارسةَ الشذوذِ قد انتقلت من كونها ممارساتٍ يُستحيى منها، ومنبوذةٍ عند أكثر الشعوب الغربية، إلى ممارساتٍ مُعْلَنةٍ، يُفَاخَر بها!



ومنذ عام 2000م =تقريبا= بدأ زواج المثليين يأخذ إطاره القانوني في الدول النصرانية بدءًا بالدنمارك، وهولندا، فبلجيكا، وإسبانيا، وكندا، وجنوب أفريقيا، والنرويج، والسويد، والبرتغال، وآيسلندا، والأرجنتين، وأوروغواي، ونيوزلندا، والبرازيل، وبريطانيا، وفرنسا، وبعض الولايات في أمريكا، والمكسيك.



وحتى في كثير من بلاد المسلمين بدأنا نسمع عن هذا الانحراف الخطير عن =هذه= الفطرة الربانية، وذلك بسبب ضعف الوازع الدينيِّ عند كثير من الناس، بالإضافة إلى تأثيرِ مشاهدةِ الأفلامِ والصورِ الإباحيَّة، وغلاءِ المهور. ع-



وقد صدق رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القائل: ("لَتَتَّبِعُنَّ سنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَاعًا بِبَاعٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَشِبْرًا بِشِبْرٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ فِيهِ")، قَالُوا: (يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى؟!) قَالَ: ("فَمَنْ إِذًا"). ([26])



اتخذ غير المسلمين قبورَ صالحيهم مساجدَ، فوُجد في هذه الأمّة من قلّدهم، وقد نهانا عن ذلك نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ("...، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ"). ([27])



نهانا نبِيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وضع الصور في المساجد: («إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»). ([28])، لكن وجد في هذه الأمَّة من قلّدهم من الغثائيين.



المسلمون يهنئ بعضهم بعضا في مناسباتهم الدينية، ومناسباتهم التي هي من نِعَمِ الله عليهم، ففي المناسبات الدينية مثلا كالأعياد، يهنئ بعضهم بعضا فيقولون ما ثبت عن جُبَير بن نفير قال: (كان أصحاب النبي صلى اللهُ عليه وسلَّم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبَّل الله منا ومنك). ([29])



وعندما يُنعِم الله على عبدٍ نعمة هنأه إخوانه؛ فإن كان زواجًا قال ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا رَفَّأَ الْإِنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ) -أَيْ: هنَّأَهُ وَدَعَا لَه-؛ قَالَ: ("بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرِ")، وفي رواية: ("وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا عَلَى خَيْرٍ"). ([30])



[ولا يقول: [(بالرفاء والبنين) كما يفعل الذين لا يعلمون؛ فإنه من عمل الجاهلية...]. ([31])



ومن التقليد الأعمى من الغثائيين؛ من أبناء هذا الأمة لغير المسلمين، ومن تقليدِهم لهم تجدهم يهنئ بعضهم بعضا بمناسبات لا تخصّ المسلمين لا من بعيد ولا قريب، فهذه مسلمٌ يهنئ أخاه المسلم بالنيروز، وآخر يهنئ أخاه المسلم بما يسمى (الكرسمس!) وثالث يهنئ أخته بـ(شجرة الميلاد!) ورابع يهنئ والديه بـ(الشعانين)، و(عيد العُرش)، فيقول: (شنة توفا)! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!



وتنتشر هذه التهاني من الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ("غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ")، تنتشر في هذه الأيام بين المسلمين أنفسهم، برأس السنة الميلادية، عبر الشبكات العنكبوتية، فإذا جاءتك تهنئة بذلك فردّ رسالته قائلا: (أخطأتَ؛ أنا لست نصرانيا!).



أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.



الخطبة الآخرة



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد؛



والمخرج من ذلك -من هذه الغثائية-؛ أن نرجع إلى ما كان عليه سلفنا الصالح، ما كانوا عليه من الإيمان الصافي والتوحيدِ الخالص، والعباداتِ الخالصة لله سبحانه وتعالى، والمعاملات الحسنة بين الآخرين، والآداب والأخلاق، فَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ =رضي الله عنه= قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ -وَنَحْنُ جُلُوسٌ عَلَى بِسَاطٍ-: ("إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ")، قَالُوا: (كَيْفَ نَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟!) قَالَ: (فَرَدَّ يَدَهُ إِلَى الْبِسَاطِ فَأَمْسَكَ بِهِ)، قَالَ: ("تَفْعَلُونَ هَكَذَا")، وَذَكَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا؛ أَنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ مُعَاذٌ: (تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟) قَالُوا: (مَا قَالَ؟!) قَالَ: يَقُولُ: ("إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ")، قَالُوا: (فَكَيْفَ لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟! أَوْ كَيْفَ نَصْنَعُ؟!) قَالَ: ("تَرْجِعُونَ إِلَى أَمْرِكُمُ الْأَوَّلِ"). ([32])



إذن، هذا هو المخرج؛ الرجوع إلى الأمر الأول، إلى كتاب الله، وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهج سلف الأمة لفهم دينها.



فالأمة بمجموعها والحمد لله على خير، وأخطاؤها مغفورة، أو معاقبة بها في الدنيا، فَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا: الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ"). ([33])



هذه أمَّةٌ مرحومةٌ رغم ما يجري لها؛ لكن على أبنائها أن يتحمَّلوا ما يأتيهم من مخالفاتهم لكتاب الله، وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتشر في هذه الأمة فتنٌ وهذه تخفِّف من العقوبة في الآخرة، وانتشر بينهم الزلازل، والزلازل التي تقلقِل الناس في أفكارهم؛ من الشبهات والشهوات، أو الزلازلُ الحقيقية التي تهتزّ بها الأراضي، فيحدث للمسلمين مصائبُ.



وتكفيرُ الذنوب أيضاً يحصل بالقتل؛ أن يقتل بعضهم بعضا، فتن كثيرة في الدنيا حتى تكونَ الأمَّةُ يومَ القيامة أمةً مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل.



اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى الدين.



اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن.



اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، يا رب العالمين.



اللهم كن معنا ولا تكن علينا، اللهم أيدنا ولا تخذلنا، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا.



اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا غائبا إلا رددته إلى أهله سالما غانما يا رب العالمين.



{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}. (العنكبوت: 45)



خطبها وجمعها من مظانها



أبو المنذر/ فؤاد بن يوسف أبو سعيد. جنبنا الله وإياه والمسلمين أجمعين الفتن والغثائية والوهن.



مسجد الزعفران- المغازي- الوسطى- غزة- فلسطين حرسها الله.



21ربيع الآخر 1440هـ،



وفق: 28/ 12/ 2018ميلادية.




 






([1]) عون المعبود (9/ 334).





([2]) (د) (4297).





([3]) عون المعبود (9/ 334).





([4]) (حم) (22450)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن.





([5]) (د) (4297).





([6]) عون المعبود (9/ 334).





([7]) (حم) (22450).





([8]) (د) (4297).





([9]) عون المعبود (ج9 ص334).





([10]) (حم) (22450).





([11]) عون المعبود (9/ 334).





([12]) (د) (4297)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (8183)، الصَّحِيحَة: (958).





([13]) (خ) (7320)، (م) (2669).





([14]) النووي (9/ 25).





([15]) (جة) (3994)، (خ) (7320).





([16]) (حم) (10839)، (خ) (7319).





([17]) النووي (9/ 25).





([18]) (الدولابي في الكنى (2/ 30)، والحاكم (4/ 455)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (5067)، والصحيحة: (1348).





([19]) (حم) (8308)، (خ) (7319).





([20]) (جة) (3994)، (خ) (7320).





([21]) (خ) (7319).





([22]) (ت) (2641)، انظر الصحيحة: (3312).





([23]) صححه الألباني في ظلال الجنة: (212)، (1011)، وانظر (حب) (674).





([24]) (جة) (4049)، انظر الصَّحِيحَة: (87).





([25]) (مسند الشاميين) للطبراني (519)، وصححه الألباني في صَحِيحِ التَّرْغِيبِ (2054)، (2386).





([26]) (جة) (3994).





([27]) (م) 23- (532).





([28]) (خ) (427).





([29]) رواه المحاملي في ( كتاب صلاة العيدين) (2/ 129 / 2)، وصححه الألباني في تمام المنة (ص: 355).





([30]) (د) (2130)، (ت) (1091)، (جة) (1905)، (8957)، (8956)، (ن) (10089)، (ك) (2745).





([31]) آداب الزفاف (ص: 103).





([32]) (مش) (1184)، (طس) (8679)، انظر الصحيحة: (3165).





([33]) (د) (4278)، (ك) (8372)، (يع) (7277)، (طس) (4055)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (1396)، (1738)، الصحيحة: (959).





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة