بسم الله الرحمن الرحيم



الضوابط الشرعية



لعَلاقة المرأة المسلمة مع محارمها والأجانب



جمع وإعداد



صاحب الفضيلة



الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الحلقة الثانية: ما هي زينة المرأة المقصودة في الآية



ما هي زينة المرأة المقصودة في هذه الآية؟



الزينة التي لا تبديها لزينة التي تبديها؛ بين ذلك حديثُ [ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (الزِّينَةُ زِينَتَانِ؛ زِينَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَزِينَةٌ بَاطِنَةٌ لَا يَرَاهَا إِلَّا الزَّوْجُ. فَأَمَّا الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ: فَالثِّيَابُ، =التي تلبسها الآن، الثياب الخارجية.=



وَأَمَّا الزِّينَةُ الْبَاطِنَةُ: فَالْكُحْلُ، وَالسِّوَارُ وَالْخَاتَمُ)، وَلَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: (فَالظَّاهِرَةُ مِنْهَا الثِّيَابُ، وَمَا يَخْفَى: فَالْخَلْخَالَانِ وَالْقُرْطَانِ وَالسِّوَارَانِ)]. ([1])



هذه من الزينة الداخلية لماذا تظهر؟ القدمان وغيرهما.



فالزينةُ الباطنةُ لا تبديها المرأةُ إلا لزوجها ومحارمها؛ ومجموعُهم اثنا عشَر شخصا، وقد ذكرتهم الآية:



1- البَعْلُ وهو الزوج.



2- الآبَاء، تشمل الوالد والأجداد وإن علَوا، جدُّ الأب وجدُّه وما شابه ذلك، هؤلاء محارم.



3- آباء الزوج، وهم أبو الزوج وأجداده وإن علُوا، فجَدُّ الزوج أيضا محرم عليكِ تأبيدا.



4- الأبناء وأبناؤهم وأبناءُ البنات، وإن سفلوا، أي أولادك وأولادُ أولادُك وأبناءُ بناتِك كلّهم محارم.



5- {أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ}، أبناءُ الزوج، ويشمل هذا اللفظ أبناءَ الزوج، وأبناءَهم، وأبناءَ بناتِهم وإنْ نزلوا.



6- {إِخْوَانهِنَّ} سواء كانوا أشقّاء؛ أعياناً، أو أخيافًا، أو عَلاَّت. العلاَّت وهم أولاد الضرائر أبوهم واحد، وأمهاتهم مختلفة، وأبناء الأخياف أمُّهم واحدة ومن آباء شتى، متزوجة أكثر من واحد ولديها أولاد منهم جميعا.



7- {بَنو إِخْوَانِهِنَّ}، أبناء إخوانهن، وأبناؤهم أو أبناءُ بناتهم وإن نزلوا.



8- {بَنو أَخَوَاتِهِنَّ}، أبناءُ الأخوات وأبناؤهم، وأبناء بناتهم وإن نزلوا.



9- {نِسَائِهِنَّ}، [يَعْنِي: تُظهر زِينَتَهَا أَيْضًا لِلنِّسَاءِ الْمُسَلِمَاتِ =مسلمة على مسلمة، أما لو كانت بين مسلمات كافرةٌ أو نصرانيةٌ أو يهوديةٌ فلا،= دُونَ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِئَلَّا تَصِفَهُنَّ لِرِجَالِهِنَّ، وَذَلِكَ -وَإِنْ كَانَ مَحْذُورًا فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ =أنها تصف=-؛ إِلَّا أَنَّهُ فِي نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَشَدُّ، فَإِنَّهُنَّ لَا يَمْنَعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ، =هذه المرأة الكتابية ما الذي يمنعها أن تصف هذه لزوجها أو ولدها؟= وَأَمَّا الْمُسْلِمَةُ؛ فَإِنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فَتَنْزَجِرُ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ("لَا تُبَاشِرُ المرأةَ المرأةَ")، =تباشرها أي تراها وترى عورتها=، ("تَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا")]. ([2]) =كأن ترجع إلى بيتها وتقول لزوجها رأيت كذا وكذا، وربما يترك زوجته ويذهب إلى هذه الأخرى التي وصفتها، فلا يجوز هذا.=



10- {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}، =وهذا غير موجود اليوم،= [فيجوز للمملوك إذا كان كلُّه للأنثى، =كواحدة عندها عبدٌ اشترته ليعملَ لها في الحقل والبيت، فيجوز= أن ينظر لسيدته، ما دامت مالكةً له كلِّه، فإن زال الملك أو بعضه، =أي كانت هي وغيرها اشتركا في ثمنه، أو هي وزوجها اشترياه= لم يجز النظر =إليها=]. ([3])



11- {التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ}، الذين يتبعون النساء في كلِّ مكان وما شابه ذلك، فمن هم هؤلاء؟ [أي: ... الذين يتبعونكم، ويتعلقون بكم، من الرجال الذين لا إربة لهم في هذه الشهوة، =لا يفكر في النساء=؛ كالمعتوه =الذي لا عقل له=، الذي لا يدري ما هنالك، وكالعِنِّين الذي لم يبق له شهوة، لا في فرجه، ولا في قلبه، فإن هذا لا محذور من نظره]. ([4])



 12- {الطِّفْل الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ}، [أي: الأطفال الذين دون التمييز، =كم سنين التمييز؟ الأربع سنين الأولى=، فإنه يجوز نظرهم للنساء الأجانب، وعلّل =سبحانه و= تعالى ذلك؛ بأنهم لم يظهروا على عورات النساء، أي: ليس لهم علم بذلك، ولا وُجدت فيهم الشهوة بعْدُ، ودلَّ هذا؛ أن المميِّزَ =حتى لو أقلّ من أربع سنوات ما دام عنده تمييز، العموم أربع سنين لكن المميز= تستتِر منه المرأة؛ لأنه يظهر على عورات النساء]. ([5])



واحدة الآن تقول ما جاء في القرآن ذكرٌ للعم ولا الخال، مع أنهم محارم، فهل هم داخلون في قوله: (آبائهن)؟



أو هم ممَّنَ لا يظهرون على عورات بنات إخوانهم وأخواتهم؟



قال [دَاوُدُ: عَنِ الشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}، قُلْتُ: (مَا شَأْنُ الْعَمِّ وَالْخَالِ لَمْ يُذْكَرَا؟) قَالَا: (هُمَا يَنْعَتَانِهَا لِأَبْنَائِهِمَا!) وَكَرِهَا أَنْ تَضَعَ خِمَارَهَا عِنْدَ خَالِهَا وَعَمِّهَا]. ([6])



هذه هي آية النور التي تبين المحارم من الرجال، بينما آية النساء تبين المحرمات من النساء، قال سبحانه:



{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}. (النساء: 23)



الآن نرى عدد النساء المحرمات على الرجال:



1- {أُمَّهَاتُكُمْ} ومن الأمهاتِ الجداتُ وإن علون، جدة لأب، جدة لأم وهكذا.



2- {وَبَنَاتُكُمْ} وبناتُهن وإن سفلن، بناتنا وبنات بناتنا، وبنات الأبناء وإن سفلوا.



3- {وَأَخَوَاتُكُمْ} الشقائقُ والعَّلات والأخياف.



[وشَقِيقُ الرجُل: أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، ويُجْمع عَلَى أَشِقَّاء].



فالأشقاء [والأعْيَانُ: بنو أبٍ وأمٍّ، والأَخْيَافُ: بنو أمٍّ واحدةٍ والآباءُ مختلفون، وأولادُ عَلَّاتٍ: بنو أبٍ واحدٍ والأمهاتُ مختلفات]. ([7])



لذلك قد ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ»). ([8])، أي: الشرائع مختلفة، والدين والتوحيد واحد.



3- {وَعَمَّاتُكُمْ}، أخوات الأب وأخوات الجد أيضا وإن علا، كعمة الأب، وعمة الجد...



4- {وَخَالَاتُكُمْ}، أخوات الأمّ والجدة وإن علت.



5- {وَبَنَاتُ الْأَخِ}، الشقيق أو لأب أو لأم.



6- {وَبَنَاتُ الْأُخْتِ}، الشقيقة أو لأب أو لأم.



7- {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ}، وأمُّها؛ أيضا المرأة التي أرضعتكِ أمُّك، وأمها أيضا في الحقيقة، وجدَّتها وإن عَلَت، [لكن بشرط أن يكون الرضاع خمس رضعات =مشبعات= في الحولين كما بينت السنة]. ([9])، أي التي يتكون منها العظام.



8- {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ}، فمن رضعت من أمِّه فتحرُم عليه هذه الرضيعة فقط، ولا تحرم أخواتها، ومن رضعَ من امرأة فتحرم عليه فقط بناتها، ولا يحرمن على إخوانه.



الراضع أصبح من العائلة، كل من هو أكبر منه أو أصغر منه أخوات له، حتى هذه المرأة لو تزوّجت غير الأب هذا فهي أمّه في الرضاعة، أولادها من غير هذا الرجل أخوات له في الرضاعة.



من رضع من امرأة فكلّ بناتِها أخواتُه، وكلُّ بناتِ زوجها من غيرها أيضا أخواتُه، وكلُّ أخواتِ الأمِّ المرضعةِ خالاتٌ، وكلُّ إخوانِ وأخواتِ زوجِ المرضعةِ أعمامٌ وعماتٌ للرضيعة أو الرضيع، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، لما ثبت عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: (اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ؛ أَخُو أَبِي القُعَيْسِ، بَعْدَمَا أُنْزِلَ الحِجَابُ)، =كانت النساء تظهر على الرجال، لكن عندما أنزل الحجاب ممنوع يدخل عليها=، فَقُلْتُ: (لاَ آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ)، =فكيف يكون عمي؟= (فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ)؛ =إذن عائشةُ رضعت من امرأة أبي القعيس، وأفلح هذا أخوه= (اسْتَأْذَنَ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ!) فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِي عَمُّكِ؟!») قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ!) =ما دخل هذا؟ هذا بعيد!= فَقَالَ: («ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ»)، قَالَ عُرْوَةُ: فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: (حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ). ([10])



وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ (سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا غُلَامًا، وَأَرْضَعَتِ الْأُخْرَى جَارِيَةً)، فَقِيلَ لَهُ: (هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ؟!) =مع أنّ الجارية ما رضعت من أمّه، كلّ واحدة رضعت من أم=، فَقَالَ: (لَا! اللَّقَاحُ وَاحِدٌ). ([11])



(اللَّقَاحُ) بِالْفَتْحِ: ما معنى اللقاح؟ الأب هذا هو أصل اللقاح فصار أبا له، [اِسْمُ مَاءِ الْفَحْلِ، أَرَادَ أَنَّ مَاءَ الْفَحْلِ الَّذِي حَمَلَتْ مِنْهُ وَاحِدٌ، وَاللَّبَنُ الَّذِي أَرْضَعَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَانَ أَصْلُهُ مَاءَ الْفَحْلِ]. ([12])



9- {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ}؛ وهنُّ أمهاتُ الزوجاتِ، وجداتُهن وإن علون، وهذا التحريم ينتشر بمجرد العقد على البنت تحرم الأمّ تأبيدا.



10- {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، والربيبةُ هي بنتُ الزوجة تحرُم على التأبيد إذا دخل بأمها، أما مجرّد العقد على الأمِّ فقط بدون دخول، يعني عقد على امرأة ويذهب عندهم، فرأى ابنتها أعجبته، بعد أن عقد على أمّها، يريد البنت، فهل يجوز؟ نعم يجوز! فلا يحرم ابنتها حتى يكون الدخول.



نعكس القضية؛ عقَد على البنت ورأى أمَّها فأعجبته، فلآن لا يريد البنت ويريد أمَّها، فلا يجوز هذا، للقاعدة الشرعية: (العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات).



[وقد قال الجمهور: إن قوله: {اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ}، =أي: تعيش عندك، في حجرك، في بيتك، هذا ما فهمناه، في حجوركم قالوا=: قيدٌ خرج مخرج الغالبَ لا مفهوم له، فإنّ الربيبةَ تحرم ولو لم تكن في ِحجره =أي: وهو غير مسئول عنها،= ولكنْ للتقييد بذلك فائدتان =أي: لماذا قال حجوركم؟=



إحداهما: فيه التنبيه على الحكمة في تحريم الربيبة؛ وأنها كانت بمنزلة البنت، =التي في حجرك،= فمن المستقبح إباحتها، =فبنت الزوجة مثل ابنتك.=



والثانية: فيه دلالةٌ على جواز الخلوة بالربيبة؛ وأنها بمنزلة من هي في حجره من بناته ونحوهن. والله أعلم]. ([13])



11- {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ}، فزوجة الابن الصُّلْبيّ، وليس الابن بالتبني زوجته؛ محرمة على والده وجدِّه وإن علا، وأما زوجةُ الابن بالتبني لا تحرم على من تبناه، كواحد لا أبناء عنده ولا بنات فأحضر من بيت الأيتام أو من ملجأ ولدا ورباه عنده فزوجه، فزوجته إذا طلقها أو مات عنها فهذه لا تحرم على من تبناه.



12- {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ}، فالجمع بينهم في آن واحد لا يجوز، بينما لو ماتت الزوجة أو طُلِّقت، جاز له الزواج بالأخرى، أختها أو عمّتها أو خالتها، وهذا يسمى تحريم مؤقت، فالجمع بين الأختين تحريمٌ مؤقت.



13- نجمع نساء أخريات محرمات من غير الآية السابقة، {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا}. (النساء: 22)



أزواج الآباء وزوجات الأجداد، فزوجة الأب من المحارم، وكذا زوجات الأجداد وإن علوا. يعني أزواجهم وأزواجهم كلهم يعتبروا محارم.



14- والجمعُ بين المرأةِ وعمتها وهذا من التحريم المؤقت.



15- الجمع بين المرأة وخالتها وهذا تحريمٌ مؤقّتٌ أيضا، قال أَبُو هُرَيْرَةَ =رضي الله عنه=، يَقُولُ: («نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَالمَرْأَةُ وَخَالَتُهَا»)، نجمع بينهما في آن واحد؟ لا!



لكن لو طلقت ممكن له أن يتزوجها= (فَنُرَى خَالَةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ الـمَنْزِلَة)؛ =حتى خالة الأب لا يجوز للولد أن يتزوج خالة أبيه ولا عمة أبيه=؛ (لِأَنَّ عُرْوَةَ، حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ)، قَالَتْ: (حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ). ([14])



وفي رواية: "لَا تُنْكَحُ الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ الْأَخِ، وَلَا ابْنَةُ الْأُخْتِ عَلَى الْخَالَةِ". ([15])



ففي التحريم المؤقت لا يحلّ للمرأة أن تكشف شيئًا من أعضائها أمام زوج أختها، أو زوج عمَّتها، أو زوج خالتها، وكذا لا تجوز الخلوةُ ولا السفرُ معه ونحو ذلك.



أما التحريم المؤبَّد؛ فيجوز للمَحْرَم السفرُ والخلوةُ، وكشفُ مواضع الوضوء، والرأس من المرأة أمامه، ويجوز تقبيلُ الرجلِ ابنتَه وأختَه وحفيداتِه ونحوَهن، قَالَ البَرَاءُ: (فَدَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى، فَرَأَيْتُ أَبَاهَا فَقَبَّلَ خَدَّهَا)، وَقَالَ: (كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنَيَّةُ؟!). ([16])



وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ كَانَ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَلامًا وَلَا حَدِيثًا وَلَا جِلْسَةً مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، (وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَامَ إِلَيْهَا، فَرَحَّبَ بِهَا وَقَبَّلَهَا)، (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَا حَتَّى يُجْلِسَهَا فِي مَكَانِهِ)، (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا؛ قَامَتْ إِلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ، فَرَحَّبَتْ بِهِ وَقَبَّلَتْهُ، وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ، فَرَحَّبَ بِهَا وَقَبَّلَهَا). ([17])



التقبيل ورد ثلاث مرات في هذا الحديث، إذن المحارم يجوز تقبيلها.



سادسا: المرأة وخطبتها:



يجوز للمرأة عند خطبتها أن تكشف عن وجهها وكفيها، وشيءٍ من ساعديها، إلى منتصف الساعد، وقدميها، وهي مواضع الوضوء، وشيءٍ من ساقيها، لكن ما تصل إلى الركبة، وما تصل إلى المرفق، ولا تكشف رقبةً ولا شعرا، لا تحضر وتأتيه وهي كاشفة عن صدرها، ومسرحة شعرها، نسأل الله السلامة، وهذا فعلته بعض النساء، خرجت شبه عارية أمامه، وبعد أن خرجت... قال: والله أنا لا أريدها، نسأل الله السلامة، أين الإسلام وحفظ العورات؟



وهذا يُكشف للنساء اللاتي يبعثهن الخاطب؛ ينظرن إلى هذه العورات الباطنة، فعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً، فلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَتِهِ")، =هذا هو الشرط، إن كان النية خطبة ينظر إليها= ("وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ"). ([18])



كأن تكون ذاهبة إلى مكانٍ مَّا ونظر إليها، ورأى منها شيئا لا تراه إلا البنات والنساء، فلا شيء في ذلك.



الخاطب أرسل واحدة ترى له هذه الفتاة، أرسل أمَّه مثلا أو أخواته، ماذا يفعلن معها؟ هذا ما ثبت عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَ أُمَّ سُلَيْمٍ رضي الله عنها تَنْظُرُ إِلَى جَارِيَةٍ، =أي: فتاة= فَقَالَ: ("شُمِّي عَوَارِضَهَا، وَانْظُرِي إِلَى عُرْقُوبِهَا"). ([19])



(شمي عوارضها)، أي: أسنانها، والله سبحانه وتعالى خلق بعض الناس تخرج من أسنانهم وأفواههم رائحةً كريهةً؛ رجلا كان أو امرأة، مهما غسل ونظف، (عَوَارِضهَا)، هِيَ الْأَسْنَانُ الَّتِي فِي عَرْضِ الْفَمِ، وَهِيَ مَا بَيْنَ الثَّنَايَا وَالْأَضْرَاسِ، وَاحِدُهَا عَارِضٌ، وَالْمُرَادُ اخْتِبَارُ رَائِحَةِ النَّكْهَةِ. ([20])



(الْعُرْقُوب): عَصَب خَلْف الْكَعْبَيْنِ بَيْن مَفْصِل الْقَدَم وَالسَّاق مِنْ ذَوَات الْأَرْبَع، وَمِنْ الْإِنْسَان فُوَيْق الْكَعْب. ([21])



فالاختبارات هذه مطلوبة، أما من أراد العبث بأعراض المؤمنات، يقف على أبواب المدارس والجامعات وينظر هنا وهنا، فيقلِّبُ في وجوه الفتيات ببصَرِه، ويطلق العنانَ لنظره، وهو لا يريد زواجا، ولا يبغي إلا متعة عابرة، أو يقضي شهوة غادرة، فسيعاقب إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، نسمع ما هي عقوبته في الآخرة، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: (لَقِيَ رَجُلٌ امْرَأَةً كَانَتْ بَغِيًّا) =أي: زانية= (فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَجَعَلَ يُلَاعِبُهَا)، =وهو مسلم وهي مسلمة= (حَتَّى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا)، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: (مَهْ؟!) =وهي كلمة ردع وزجر، وأمْرٌ بالتوقف، مَهْ= (فَإِنَّ اللهَ عز وجل قَدْ ذَهَبَ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَجَاءَنَا بِالْإِسْلَامِ)، =وكأنها تقول له: أين إسلامك أنت؟= (فَوَلَّى الرَّجُلُ، فَأَصَابَ الْحَائِطُ وَجْهَهُ فَشَجَّهُ) =أَيْ: أَسَالَ منه الدم.=



ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ("أَنْتَ عَبْدٌ أَرَادَ اللهُ بِكَ خَيْرًا، إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا؛ عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا؛ أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ")، ("حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"). ([22]-أَيْ: حَتَّى يَأتِيَ الْعَبْدُ بِذَنْبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ([23])-




 






([1]) (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) للشنقيطي(5/ 513).





([2]) أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 47).





([3]) (تفسير السعدي) (ص: 566).





([4]) (تفسير السعدي) (ص: 566).





([5]) (تفسير السعدي) (ص: 566).





([6]) تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 456).





([7]) المنتخب من كلام العرب (ص: 290).





([8]) (خ) (3443)، (م) (2365).





([9]) (تفسير السعدي) (173).





([10]) (خ) (4796).





([11]) (ط) (1258)، (ت) (1149)، (عب) (13942)، (ش) (17348)، وقال الألباني: صحيح الإسناد.





([12]) تحفة الأحوذي (3/ 227).





([13]) (تفسير السعدي) (173، 174).





([14]) (خ) (5110)، (م) 36- (1408).





([15]) (م) 35 - (1408).





([16]) (خ) (3917)، (3918).





([17]) (ت) (3872)، (د) (5217)، (خد) (971)، (947)، وانظر صَحْيح الْأَدَبِ الْمُفْرَد: (729)، (حب) (6953)، وانظر صحيح موارد الظمآن: (1871)، المشكاة: (4689).





([18]) (حم) (23650)، (طس) (911)، (طح) (4279)، صَحِيح الْجَامِع: (507)، الصَّحِيحَة: (97).





([19]) (حم) (13424)، (ك) (2699)، (عبد بن حميد) (1388)، (هق) (13279).





([20]) سبل السلام (4/ 438).





([21]) عون المعبود (5/ 486).





([22]) (حم) (16852)، (حب) (2911)، (ت) (2396)، صححه الألباني في كتاب: (كلمة الإخلاص: ص47)، صَحِيح الْجَامِع: (308)، الصَّحِيحَة: (1220).





([23]) تحفة الأحوذي (6/ 185).





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة