دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري



المجلس رقم: (115)



شرح وقراءة وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



أهل السنة- 20/ 4/ 1440هـ، وفق: 27/ 12/ 2018م



كتاب رقم: (8): كتاب الصلاة



باب رقم: (4): باب الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ



قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: (الْمُلْتَحِفُ الْمُتَوَشِّحُ، وَهْوَ الْمُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهْوَ الاِشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ).



قَالَ: وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: (الْتَحَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَوْبٍ، وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ).



(باب) حكم (الصلاة في الثوب الواحد) حال كون المصليّ (ملتحفًا)، أي: متغطيًا به.



(قال) ... (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (في حديثه) الذي رواه في الالتحاف ... عن أبي هريرة: (الملتحف المتوشّح وهو المخالف بين طرفيه)؛ أي: الثوب (على عاتقيه وهو الاشتمال على منكبيه)، أي: منكبي التوشّح.



قال ابن السكّيت: هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقد طرفيهما على صدره.



(قال) أي المؤلّف =البخاري= ...: (قالت) ... (أُم هانئ) بالنون والهمزة؛ فاختة بنت أبي طالب:



(التحف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثوبٍ وخالف) ... (بين طرفيه على عاتقيه) ... وفائدة هذه المخالفة في الثوب، كما قال ابن بطّال: أن لا ينظر المصلّي إلى عورة نفسه إذا ركع، أو أن لا يسقط عند الركوع والسجود.



وأورد تحته خمسة أحاديث؛



الحديث الأول المرقوم بـ: (354) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ؛ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ).



الشرح:



... (عن عُمَرَ بنِ أبي سلَمة) بفتح اللام وضمّ العين من عمر، واسم أبي سلمة؛ عبد الله بن عبد الأسد المخزومي؛ ربيبُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ (أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلّى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه).



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ).



1- (عبيد الله) بضم العين (ابن موسى) العبسي، أبو محمد الكوفي، ولد (128)هـ، من الطبقة (9)، من صغار أتباع التابعين، توفي (213)هـ، على الصحيح.



2- (هشام بن عروة) بن الزبير المدني، أبو المنذر، وقيل: أبو عبد الله، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي (145 أو 146)هـ.



3- (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام المدني، أبو عبد الله المدنى، ولد (فى أوائل خلافة عثمان)، من الطبقة (3) من الوسطى من التابعين، توفي (94)هـ، على الصحيح.



4- (عمر بن أبي سلَمة) بفتح اللام، وضمّ العين من عمر، واسم أبي سلمة؛ عبد الله بن عبد الأسد المخزومي؛ ربيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأُمه أُم المؤمنين أُم سلمة، ولد بالحبشة في السنة الثانية، المتوفّى بالمدينة سنة ثلاث وثمانين، ووهم مَن قال أنه قتل بوقعة الجمل؛ نعم شهدها، وتوفي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان، له في البخاري حديثان.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ).



ورواة هذا الحديث ما بين كوفي ومدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وهو سندٍ عالٍ جدًّا، وله حكم الثلاثيات، وإن لم يكن على صورتها؛ لأنّ أعلى ما يقع للمؤلّف يكون بينه وبين الصحابي فيه اثنان، فإن كان الصحابي يرويه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فصورة الثلاثي، وإن كان عن صحابي آخر فلا، لكنه من حيث العلوّ واحد، لصدَق أن بينه وبين الصحابي اثنين، وبالجملة فهو من العلوّ النسبي.



***



الحديث الثاني المرقوم بـ: (355) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ؛ (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ). (1/388)



الشرح:



... (عن عمر بن أبي سلمة) بضم العين؛ (أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلّي في ثوب واحد في بيت أُمّ سلمة) أُم المؤمنين ظرف ليصلّي (قد ألقى طرفيه)، أي: طرفي ثوبه (على عاتقيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ).



1- (محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس بن دينار العنزي، أبو موسى البصرى، المعروف بالزمن، ولد (167)هـ، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي (252)هـ، بـالبصرة.



 2- (يحيى) بن سعيد بن فروخ القطان التميمى، أبو سعيد البصرى الأحول، ولد (120)هـ، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (198)هـ.



3- (هشام).



4- (أبوه عروة بن الزبير) المدنييان.



5- (عمر بن أبي سلمة) بضم العين.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ).




إنما أورد المؤلّف هذا الحديث؛ وإن كان أنزل من السابق بدرجة؛ لما وقع فيه من تصريح هشام عن أبيه بأن عمر أخبره، وفي السابق وقع بالعنعنة، وتصريح الصحابي بأنه شَاهَدَ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل ما نقل أوْلاً بالصورة المحتملة مع تعيين المكان، وزيادة كون طرفي الثوب على عاتقيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.



الحديث الثالث المرقوم بـ: (356) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلاً بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ).



الشرح:




... عن (عمر بن أبي سلمة) بضمّ العين (رأيت رسول الله)، وللأصيلي رأيت النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلّي في ثوب واحد) حال كونه (مشتملاً به)، وللمستملى والحموي مشتمل بالجرّ على المجاورة قاله ابن حجر وغيره كالزركشي، وتعقّبه البدر الدماميني فقال: الأولى أن يجعل صفة لثوب ثم أورد سؤالاً فقال: فإن قلت: لو كان لبرز الضمير لجريان الصفة على غير مَن هي له.



وأجاب: بأن الكوفيين قاطبة لا يُوجِبون إبرازه عند أمن اللّبس، ووافقهم ابن مالك ومذهبهم في المسألة أقوى واللبس في الحديث مُنتَفٍ اهـ.



ولأبي ذر مشتمل بالرفع خبر مبتدأ محذوف (في بيت أُم سلمة) حال كونه (واضعًا طرفيه) بالتثنية، أي: الثوب (على عاتقيه) صلوات الله وسلامه عليه وفي بيت ظرف ليصلّي أو للاشتمال أولهما،



رجال الإسناد:



(حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ).



1- (عبيد) بضم العين مصغرًا من غير إضافة (ابن إسماعيل) الهبَّاري بفتح الهاء وتشديد الموحدة الكوفي، القرشى، أبو محمد، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي (250)هـ.



2- (أبو أسامة) بضم الهمزة حماد بن أسامة، بن زيد القرشى مولاهم، الكوفى، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (201)هـ بـالكوفة.



3- (هشام) هو ابن عروة.



4- (أبوه) عروة بن الزبير.



5- (عمر بن أبي سلمة) بضمّ العين.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ).



وفي هذه الطريق النازلة السند أيضًا تصريح هشام عن أبيه بأن عمر أخبره، وفي السابقتين العنعنة، وزيادة لفظ الاشتمال.



***



الحديث الرابع المرقوم بـ: (357) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: (ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُه)ُ. قَالَتْ: (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ)، فَقَالَ: ("مَنْ هَذِهِ؟!") فَقُلْتُ: (أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ). فَقَالَ: ("مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ"). (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ). فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ؛ فُلاَنَ بْنَ هُبَيْرَةَ). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ»). قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: (وَذَاكَ ضُحًى).



الشرح:



...  عن (أُمِّ هانئ بنت أبي طالب) رضي الله عنها حال كونها (تقول): (ذهبت إلى رسول الله) ... (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الفتح) في رمضان سنة ثمان، (فوجدته) حال كونه (يغتسل وفاطمة ابنته) رضي الله عنها (تستره) جملة حالية أيضًا.



(قالت) أم هانئ: (فسلّمت عليه، فقال) عليه الصلاة والسلام: ("مَنْ هَذِهِ؟!") قالت: أُم هانئ: (فقلت: أنا) ... (أم هانئٍ بنتُ أبي طالب، فقال) عليه الصلاة والسلام: ("مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ")، بباء الجرّ ... أي: لقيت رحبًا وسعةً يا أُم هانئ.



(فلما فرغ) عليه الصلاة والسلام (من غُسله) بضم الغين (قام فصلّى ثمانِيَ ركعات) حال كونه (ملتحفًا في ثوب واحد) بكسر نون ثماني وفتح الياء مفعول فصلّى، ... (فلما انصرف) عليه الصلاة والسلام من صلاته (قلت: يا رسول الله زعم)، أي: قال أو ادّعى (ابن أُمِّي) عليُّ بن أبي طالب، وهي شقيقته؛ أُمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم، لكن خَصّت الأُمّ لكونها آكد في القرابة؛ ولأنها بصدد الشكاية في إخفار ذمَّتها، فذكرت ما بعثها على الشكوى حيث أُصيبت من محلٍّ يقتضي أنها لا تصاب منه؛ لما جرت العادة أن الأخوّة من جهة الأمُ أشدّ في اقتضاء الحنان والرعاية من غيرها.



نعم في رواية الحموي: زعم ابن أبي (قَاتِلٌ رَجُلاً)، أي: عازم على مقاتلة رجل (قَدْ أَجَرْتُهُ)؛ بالراء، أي: أمنته هو (فُلاَنَ بْنَ هُبَيْرَةَ)، بالرفع بتقدير هو كما مرَّ، أو بالنصب بدلاً من رجلاً أو من الضمير المنصوب، وهبيرة بضم الهاء وفتح الموحدة؛ ابن أبي وهب بن عمرو المخزومي؛ زوج أُم هانئ، ولدت منه أولادًا، منهم هانئ الذي كُنِّيَت (1/389) به، هرب من مكة عام الفتح لما أسلمت هي، ولم يزل مشركًا حتى مات، وترك عندها ولدها منه جعدة، وهو ممّن له رؤية، ولم تصحّ له صحبة...



وجزم ابن هشام في تهذيب السيرة بأن اللذين أجارتهما أُم هانئ هما؛ الحرث بن هشام، وزهير بن أبي أُمية المخزوميان.



وعند الأزرقي؛ عبد الله بن أبي ربيعة بدل زهير.



قال في الفتح: والذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفًا؛ كأنه كان فيه فلان ابن عمّ هبيرة، فسقط لفظ عمّ، أو كان فيه فلان قريب هبيرة، فتغيّر لفظ قريب بلفظ: ابن، وكلٌّ من: الحرث بن هشام، وزهير بن أبي أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة يصحّ وصفه بأنه ابن عمّ هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من بني مخزوم.



(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ")؛ أي: أَمَّنَّا مَن أمّنْتِ ("يَا أُمَّ هَانِئٍ»). فلا لعليّ قتلُه، (قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ) ... أي: صلاته الثمان ركعات، (ضُحًى)؛ أي: وقت ضحى، أو صلاة ضحى، ويؤيّدها ما في رواية ابن شاهين، قالت أُم هانئ: "يا رسول الله ما هذه الصلاة؟ قال: الضحى".



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ).



1- (إسماعيل بن أبي أُويس) بضم الهمزة وفتح الواو مصغرًّا.



2- (مالك) ... بن أنس إمام دار الهجرة.



3- (أبو النضر) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن أبي أمية، (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين في الأوّل والثاني، المتوفّى سنة تسع وعشرين ومائة.



4- (أبو مرّة) بضمّ الميم وتشديد الراء؛ يزيد (مولى أُم هانئ بنت أبي طالب).



5- (أُم هانئ) بالهمزة فاختةُ (بنتُ أبي طالب) رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ).



[التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع.



وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد.



وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد.



وَفِيه: السماع.



وَفِيه: القَوْل.



وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون.



وَفِيه: أَن أَبَا مرّة مولى أم هانئ]. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (4/ 62)



***



الحديث الخامس المرقوم بـ: (358) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ (أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟»).



الشرح:



...(عن أبي هريرة) رضي الله عنه؛ (أن سائلاً)، ... (سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الصلاة في ثوب واحد)، ... (فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَ لِكُلِّكُمْ")، أي: أأنت سائل عن مثل هذا الظاهر ولكلكم ("ثَوْبَانِ؟») فهو استفهام إنكاري إبطالي.



قال الخطابي: لفظه استخبار، ومعناه الإخبار عمّا هم عليه من قلّة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى؛ لأنه إذا لم يكن لكلٍّ ثوبان والصلاة لازمة، فكيف لم يعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد الساتر للعورة جائزة؟!



وهذا مذهب الجمهور من الصحابة؛ كابن عباس وعليّ ومعاوية، وأنس بن مالك وخالد بن الوليد، وأبي هريرة وعائشة وأُم هانئ، ومن التابعين الحسن البصري وابن سيرين، والشعبي وابن المسيب، وعطاء وأبو حنيفة، ومن الفقهاء أبو يوسف، ومحمد والشافعي، ومالك وأحمد في رواية وإسحاق بن راهويه.



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).



1- (عبد الله بن يوسف) التنيسي.



2- (مالك) هو ابن أنس الإمام.



3- (ابن شهاب) الزهري.



4- (سعيد بن المسيب).



5- (أبي هريرة) رضي الله عنه.



لطائف الإسناد:



(حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة).



[فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك، وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة، مَوَاضِع]. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (4/ 64)



***



فوائد وأحكام:



1- تفيد الأحاديث السابقة جواز الصلاة في الثوب الواحد الساتر للعورة، بحيث لا يرى عورة نفسه ولا يراها أحد. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: فتح الباري لابن رجب (2/ 358)



دلت أحاديث هذا الباب كلها على أنه يجوز أن يصلي الرجل في ثوب واحد، يشتمل به على منكبيه، ويخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو أفضل من الاتزار به، وعقده على قفاه، فإنه إنما يتزر به ويعقد عند ضيقه.



2- في حديث أم هانئ [من الفوائد استحباب صلاة الضحى.



3- والسلام على من في الحجاب.



4- وجواز ستر المرأة المحارم.



5- وقبول شفاعته من الأعزة.



6- والملاطفة وحسن الالتقاء والترحيب]. (الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري)، للكوراني الشافعي، ثم الحنفي المتوفى: (893)هـ، (2/ 40)



7- و[أنَّ لكلٍّ من المسلمين ولو امرأةً؛ أن يُؤَمِّن كافرًا، لكن بشروطٍ في الفقه]. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (3/ 74).



8- [عدم الِاكْتِفَاء بِلَفْظ: أَنا، فِي الْجَواب، بل يُوضّح غَايَة التَّوْضِيح، كَمَا فِي ذكر الكنية وَالنّسب هَهُنَا]. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (4/ 64).



9- [ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفقر والفاقة، وخشونة العِيش حتى أنهم لا يجدون إلاّ ثوباً واحداً لا يكاد يستر عوراتهم]. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة محمد قاسم (1/ 380)



10) تعريفات لكيفية اللباس، [اشتمال الصماء: هو أن يتجلل الرجل بثوبه ولا يرفع منه جانباً ويسدَّ على يديه ورجليه المنافذ، كلَّها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع ويقول الفقهاء: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيرُه فيرفعُه من أحد جانبيه فيضعُه على منكبه فتنكشفَ عورتُه...]. التعريفات الفقهية، لمحمد عميم الإحسان المجددي البركتي (ص: 28)



[أن التوشح والالتحاف والاشتمال بالثوب المأمور به في الصلاة: هو أن يطرح الثوب على منكبيه، ويرد طرفيه على عاتقيه، فإن لم يردهما فهو السدل المنهي عنه]. فتح الباري لابن رجب (2/ 353)



[…السدل هو أن يلتحف المصلي بثوبه، ويدخل يديه من داخله فيركع، ويسجد على هذه الحالة، وهو منهى عنه). تعريفات ومصطلحات فقهية في لغة معاصرة، د. عبد العزيز عزت عبد الجليل حسن (ص: 20)



***



باب رقم: (5): باب إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ



هذا (باب) بالتنوين (إذا صلّى في الثوب الواحد فليجعل) بعضه (على عاتقيه) بالتثنية، ولابن عساكر على عاتقه وهو ما بين المنكبين إلى أصل العنق.



أورد تحت هذا الباب حديثين؛



الحديث الأول المرقوم بـ: (359) حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيءٌ».



الشرح:



... (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال): (قال النبي) ... (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد") حال كونه ("ليس على عاتقيه") بالتثنية، ...: على عاتقه ("شيء").



زاد مسلم ...: "منه شيء"، و"لا" نافية، ويصلّي بإثبات الياء، وهو خبر بمعنى النهي...



وقد رواه الدارقطني في غرائب مالك: "لا يصلِّ" بغير ياء، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن مالك بلفظ: "لا يصلين" بزيادة نون التوكيد، وهو عند الإسماعيلي بلفظ: "نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، والنهي المذكور ليس محمولاً على التحريم، فقد ثبت أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "صلّى في ثوب واحد كان أحد طرفيه على بعض نسائه وهي (1/390) نائمة"، =عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ وَعَلَيَّ مِرْطٌ وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ إِلَى جَنْبِهِ". (م) 274- (514)=



ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متّسع؛ لأن يتّزر به ويفضل منه ما كان على عاتقه...



لكن قال في الفتح: إن فيه نظرًا لا يخفى، نعم! نقل السبكي وجوبه عن نص الشافعي واختاره، لكن المعروف عن الشافعية خلافه، وعن أحمد؛ لا تصحّ صلاة مَن قدر على ذلك فتركه، جعله شرطًا، وعنه تصحّ ويأثم، جعله واجبًا مستقلاً.



رجال الإسناد:



(حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ).



1- (أبو عاصم) الضحاك بن مخلد بفتح الميم البصري، أبو عاصم النبيل البصرى، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (212)هـ أو بعدها.



2- (مالك) هو ابن أنس الأصبحي، المدني.



3- (أبو الزناد) بالزاي المكسورة والنون؛ عبد الله بن ذكوان القرشى، أبو عبد الرحمن المدني، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي (130)هـ، وقيل: بعدها.



4- (عبد الرحمن) بن هرمز، (الأعرج)، أبو داود المدني، من الطبقة (3) من الوسطى من التابعين، توفي (117)هـ بـالإسكندرية.



5- (أبي هريرة) رضي الله عنه.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ).



وفي الحديث التحديث والعنعنة، ورواته مدنيون عدا شيخ البخاري فبصري، وفيه رواية التابعي أبي الزناد عن التابعي الأعرج.



***



الحديث الثاني المرقوم بـ: (360) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ -أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ».



الشرح:



... عن (أبي هريرة) رضي الله عنه حال كونه (يقول):



(أشهد أنيّ سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: مَن صلّى في ثوب) ...: في ثوب واحد (فليخالف بين طرفيه) حمل الجمهور الأمر هنا على الاستحباب وأتى بلفظ أشهد تأكيدًا لحفظه وتحقيقًا لاستحضاره.



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ -أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ).



1- (أبو نعيم) الفضل بن دكين؛ عمرو بن حماد بن زهير الملائى الكوفى، ولد (130)هـ، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (218)هـ، وقيل: (219)هـ بـالكوفة.



2- (شيبان) بن عبد الرحمن، شيبان بن عبد الرحمن التميمى النحوى، أبو معاوية البصرى، من الطبقة (7) من كبار أتباع التابعين، توفي (164)هـ.



3- (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة، الطائى، أبو نصر اليمامي، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي (132)هـ، وقيل: قبل ذلك.



 4- (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدني، من الطبقة (3) من الوسطى من التابعين، توفي (104)هـ، وقيل: بعد ذلك بـ المدينة.



5- (أبا هريرة) رضي الله عنه.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ -أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ).



فيه التحديث والعنعنة والسماع، ورواته ما بين كوفي وبصري ويمامي ومدني، ورواية تابعي يحيى، عن تابعي عكرمة.



ويستفاد من الحديثين ستر المنكبين بالإضافة إلى ستر العورة في الصلاة، والخالفة بين طرفي الثوب الواحد إذا صلى فيه.



والله تعالى أعلم



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (6): بَابٌ: إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا.




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة