التعليق على صحيح الإمام مسلم



المجلس رقم: (75)



قراءة وشرح وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الزعفران- 18/ 3/ 1440هـ، الموافق: 25/ 11/ 2018م



كتاب رقم: (11): كتاب الطلاق



باب رقم: (5): باب تخيير الرجل امرأته



فيه حديثان:



الأول رقم: (855) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: (دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ) قَالَ: (فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ رضي الله عنه فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا)، قَالَ: فَقَالَ: (لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم)، فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ! لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا)، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: ("هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ")، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: (تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَيْسَ عِنْدَهُ)، قُلْنَ: (وَاللهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ)، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} حَتَّى بَلَغَ {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}، قَالَ: (فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ) فَقَالَ: ("يَا عَائِشَةُ! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ")، قَالَتْ: (وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟!) فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ، قَالَتْ: (أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟! بَلْ أَخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ)، قَالَ: ("لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا؛ أَنَّ اللهَ تعالى لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا"). (م4/ 187- 188)، (م) 29- (1478)، (حم) (14516)، (14692).



الحديث بزوائده مع شرح بعض كلماته:



 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: (دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَسْتَأذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، قَالَ: (فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ رضي الله عنه فَاسْتَأذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ)، لَعَلَّ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ (وَاجِمًا سَاكِتًا). (واجما) حزينا وركبه الهم، وظهرت عليه الكآبة، وسكت عن الكلام.



(فَقَالَ عُمَرُ) فِي نَفْسِهِ، وقيل القائل هو أبو بكر رضي اللهم عنهما: (لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم)، وَالْمُرَادُ حُصُولُ السُّرُورِ وَالِانْشِرَاحِ، وَرَفْعُ الْكُدُورَةِ بِالْمِزَاحِ، فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ! لَوْ رَأَيْتَ)، أَيْ: لَوْ عَلِمْتَ (بِنْتَ خَارِجَةَ)، يَعْنِي بِهَا زَوْجَتَهُ، ومعلوم أنه ليس في زوجات عمر من يقال لها بنت خارجة، بل من زوجات أبي بكر من يقال لها حبيبة أو مليكة بنت خارجة، (سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ آنِفًا) قبل قليل، أَيِ: سألتني الزِّيَادَةَ عَلَى الْعَادَةِ، أَوْ فَوْقَ الْحَاجَةِ، (فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأتُ)، أَيْ: ضَرَبْتُ وطعنتُ (عُنُقَهَا) بِكَفِّي، (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وَقَالَ: ("هُنَّ")، أَيْ: نِسَائِي، ("حَوْلِي كَمَا تَرَى، يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ")، أَيْ: زِيَادَتَهَا عَنْ عَادَتِهَا، (فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ لِيَضْرِبَهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ) خِطَابًا لِبِنْتِهِ: (تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟) (م) 29- (1478).



("فَنَهَاهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْنَ نِسَاؤُهُ: (وَاللهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، (حم) (14555)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح، (شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ) (م) 29- (1478)، (بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ) (حم) (14555).



(ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا)، بِنَاءً عَلَى يَمِينِهِ السَّابِقِ، (ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}، قال) جَابِرٌ: (فَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، أَيْ: فِي التَّخْيِيرِ (بِعَائِشَةَ)، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ فَإِنَّهَا أَعْقَلُهُنَّ وَأَفْضَلُهُنَّ (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم:



("يَا عَائِشَةُ! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا؛ أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ")؛ أَيْ: فِي جَوَابِهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِكِ، ("حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ")؛ خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ صِغَرِ سِنِّهَا، الْمُقْتَضِي إِرَادَةَ زِينَةِ الدُّنْيَا؛ أَنْ لَا تَخْتَارَ الْآخِرَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: (وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوِيَّ لَمْ يَكُونَا لَيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ).



قَالَتْ: (وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟!) فَتَلَا عَلَيْهَا الْآية، فَقَالَتْ:



(أَفِيكَ)، أَيْ: فِي فِرَاقِكَ أَوْ فِي وِصَالِكَ أَوْ فِي حَقِّكَ (يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟!) لِأَنَّ الِاسْتِشَارَةَ فَرْعُ التَّرَدُّدِ فِي الْقَضِيَّةِ الْمُخْتَارَةِ؛ (بَلْ)، أَيْ: لَا أَسْتَشِيرُ أَحَدًا، (أَخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ)، أَمَا أَنَّهَا أَرَادَتِ اخْتِيَارَهُنَّ الدُّنْيَا؛ لِيَخْلُصَ لَهَا الْوِصَالُ فِي الدُّنْيَا، وَالْكَمَالُ فِي الْعُقْبَى، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:



("لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ") (م) 29- (1478)، ("عَمَّا اخْتَرْتِ") (حم) (14555) ("إِلَّا أَخْبَرْتُهَا)؛ لِأَعِينَهَا بِهِ عَلَى اخْتِيَارِ الْمُخْتَارِ تَقْلِيدًا أَوْ تَحْقِيقًا، ("إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا")، أي: مشدِّدا على الناس وملزما إياهم ما يصعب عليهم، وشقاء على عباده، أو مُوقِعًا أَحَدًا فِي أَمْرٍ شَدِيدٍ، وَالْعَنَتُ؛ الْمَشَقَّةُ وَالْإِثْمُ أَيْضًا، ("وَلَا مُتَعَنِّتًا")، بتشديد النون مكسورة أي طالبا للعنت؛ وهو العسر والمشقة، أَيْ: طَالِبًا لِزَلَّةِ أَحَدٍ، ("أَوْ مُفَتِّنًا") (حم) (14516)، أي: ممتحنا يمتحنه الله بالذنوب ("وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا")، (م) 29- (1478)، (حم) (14555)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (1806)، المشكاة: (3249).



(مُعَلِّمًا) بكسر اللام مشددة، أَيْ: لِلْخَيْرِ (مُيَسِّرًا) من اليسر؛ وَهُوَ حُصُول الشَّيْء عفوا بِلَا كلفة، أَيْ: مُسَهِّلًا لِلْأَمْرِ. انظر مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 2122)، فيض القدير (2/ 254)، التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 259)، التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 493)



***



الحديث الثاني رقم: (856) عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: (مَا أُبَالِي خَيَّرْتُ امْرَأَتِي وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً أَوْ أَلْفًا، بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي، وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها) فَقَالَتْ: (قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَفَكَانَ طَلَاقًا؟!). (م4/ 186)، (م) 25- (1477)، ونحوه (خ) (5263).



الحديث بزوائده من شرح بعض كلماته:



عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: (مَا أُبَالِي خَيَّرْتُ امْرَأَتِي وَاحِدَةً، أَوْ مِائَةً، أَوْ أَلْفًا بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي، وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها) فَقَالَتْ: (قَدْ خَيَّرَنَا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم). (م) 25- (1477)، (خ) (4963).



 (فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلَاقًا). (م) 27- (1477)



وفي رواية: (فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا). (خ) (4962)، (م) 28- (1477)، (س) (3445)، (د) (2203)، (حم) (24227).



وفي رواية: (قَدْ خَيَّرَنَا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ نَعُدَّهُ طَلَاقً). (حم) (26065)، (م) 24- (1477)، (خ) (4963)، (ت) (1179)، (س) (3203)، (جة) (2052).



الحديث بزوائده وشرح بعض كلماته:



[(عن مسروق)، هو ابن الأجدع بن مالك بن أمية، أبو عائشة الكوفي، من الطبقة الثانية من كبار التابعين، توفي سنة (62)، ويقال: (63)ه، قال الذهبي: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ: يُقَالُ: إِنَّهُ سُرِقَ وَهُوَ صَغِيْرٌ، ثُمَّ وُجِدَ، فَسُمِّيَ مَسْرُوْقاً. سير أعلام النبلاء ط الرسالة (4/ 64)



... (قال) مسروق: (ما أبالي) ولا أكترث أَن (خيّرت امرأتي) مرة (واحدة، أو مائة) مرةٍ (أو ألفًا) من المرات، (بعد أن تختارني)؛ يعني لا يقع بذلك شيءٌ ما دامت زوجتي تختارني، وقد روي مثل قول مسروق؛ عن عمر وعلي، وابن مسعود وابن عباس، وعائشة وعطاء، وسليمان بن يسار وربيعة، والزهري كما في عمدة القاري.



قال مسروق: (ولقد سألت عائشة) رضي الله تعالى عنها عن تخيير الرجل امرأته: هل يُعَدُّ طلاقًا أم لا؟ (فقالت) عائشة: لا يعد طلاقًا؛ لأنه (قد خيّرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) فاخترناه، (أفكان) ذلك التخيير (طلاقًا؟!) أي لم يكن طلاقًا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري]. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 213)



***



فوائد وأحكام من حديثي الباب:



1- [عائشة رضي الله عنها توقعت؛ أنَّه إذا لم يخبرْ أحدًا من زوجاته؛ يكون فيهن من يختار الدنيا، فيفارقها النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهن إذا سَمِعْنَ باختيارها هي له اقتدين بها، فَيَخْتَرْنَهُ، وكذلك فعلنَّ.



2- وقع للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أنَّه إنْ سألتْه واحدةٌ منهنّ عن فِعْل عائشة فلم يخبرها؛ كان ذلك نوعًا من العنت، وإدخالِ الضرر عليهنّ بسبب إخفاء ما يُسأل عنه، فقال مجيبًا: (إن الله لم يبعثني معنتًا، ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا).



ووجه التيسير في هذا؛ أنه إذا أخبر بذلك اقتدى بها غيرُها من أزواجه، وسهُل عليها اختيارُ الله ورسوله، والدارِ الآخرة.



3- وقولها: (خيَّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يعدّه علينا طلاقًا)؛ حُجَّةٌ لجمهور العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى؛ على أنَّ المخيَّرة إذا اختارت زوجها؛ أنَّه لا يلزمه طلاق، لا واحدة، ولا أكثر]. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (13/ 92).



4- [لما نزلت آية التخيير؛ بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة، وكانت أحبَّهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت اللهَ ورسولَه، والدارَ الآخرة، ورؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعْنَها على ذلك.



قال قتادة: فلما اخترنَ الله ورسوله؛ شكرهنَّ اللهُ على ذلك، وقصره عليهن، فقال: {لا يحل لك النساء من بعد}]. شرح مسند أبي حنيفة لِمُلاّ علي القاري (المتوفى: 1014هـ) (1/ 45).



والآية بتمامها: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا}. (الأحزاب: 52).



5- [قال النووي: إنما بدأ بها =أي بعائشة رضي الله عنها= لفضيلتها...



6- قوله: ("فلا عليك أن لا تعجلي") معناه؛ ما يضرُّك أن لا تعجلي، قال النووي: وإنما قال لها هذا؛ شفقةً عليها وعلى أبويها، ونصيحةً لها في بقائها عنده صلى الله عليه وسلم، فإنه يخافُ أن يحملَها صغرُ سنها، وقلّةُ تجاربها على اختيار الفراق، فيجب فراقها، فتنضر هي وأبواها، وباقي النسوة بالاقتداء بها.



قلت =القاري=: ويدل لذلك قوله في حديث جابر عند مسلم؛ أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (وأسألك أن لا تخبرَ امرأة من نسائك الذي قلت) فقال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا".



ويحتمل أن الحامل له على قوله لها ذلك الكلام؛ محبتُه لها وكراهةُ فراقها، وهو مَنقَبة لها رضي الله عنها.



7- فيه منقبة ظاهرة لعائشة ثم لسائر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن باختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة.



8- وفيه المبادرة إلى الخير، وإيثار أمور الآخرة على الدنيا.



9- ... فيه أن من خيّر زوجته فاختارته لم يكن ذلك طلاقا، ولم تقع به فرقة، وقد صرحت بذلك عائشة رضي الله عنها بقولها: (خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعده طلاقا)، وفي لفظ: (فلم يكن طلاقا) وفي لفظ: (فلم يعده علينا شيئا)، وفي لفظ: (أفكان طلاقا) ... وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب الأئمة الأربعة، ...]. بتصرف من (طرح التثريب في شرح التقريب) للعراقي، تحقيق: عبد القادر محمد علي (7/ 98، 100)



10- [قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ احْتِجَابِ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي وَنَحْوِهِمَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ لِحَاجَاتِهِمُ الْمُهِمَّةِ، وَالْغَالِبُ مِنْ عَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا، فَاتِّخَاذُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ضَرُورَةٌ.



11- وَفِيهِ وُجُوبُ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي مَنْزِلِهِ.



 12- وَفِيهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَلِيلِ وَغَيْرِهِ فِي احْتِيَاجِ الِاسْتِئْذَانِ.



13- وَفِيهِ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ وَلَدَهُ وَإِنْ كَبِرَ فَاسْتَقَلَّ.



14- وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا وَالزِّهَادَةِ فِيه.



15- وَفِيهِ جَوَازُ سَكَنِ الْغُرْفَةِ لِذَاتِ الزَّوْجِ، وَاتِّخَاذُ الْخِزَانَةِ.



16- وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ حِرْصِهِمْ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ.



18- وَفِيهِ أَنَّ لِلزَّوْجِ تَخْيِيرَ زَوْجَتِهِ وَاعْتِزَالَهُ عَنْهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ.



19- وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ أَنَّ مَنْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ وَاخْتَارَتْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا، وَلَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ...]. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 2123)



20- [فِيهِ ... أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى صَاحِبَهُ حَزِينًا أَنْ يُحَدِّثَهُ حَتَّى يَضْحَكَ أَوْ يَشْغَلَهُ وَيُطَيِّبَ نَفْسَهُ. اهـ، وَفِي آدَابِ الْمُرِيدِينَ لِلسَّهْرَوَرْدِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، «عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذَا رَآهُ مَغْمُومًا بِالْمُدَاعَبَةِ».



21- قولها: (أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ): وَفِي الْكَلَامِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِرَادَةَ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَطَلَبَ الدَّارِ الْآخِرَةِ لَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَلِذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى»]. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 2122، 2123).



22- هل الذي يريد أن يضحك النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر أو عمر رضي الله تعالى عنهما؟ الراجح أنه أبو بكر رضي الله عنه، لأن زوجته بنت خارجة بن زيد [وفي رواية أحمد (3/ 328) =ح (14515)=: (بنت زيد) وهي امرأة أبي بكر رضي الله عنه، اسمها حبيبة بنت خارجة بن زيد =الأنصارية=، أو بنت زيد بن خارجة كما في الإصابة (4/ 261). فنُسبت في بعض الروايات إلى أبيها، وفي بعضها إلى جَدِّها.



ومن هنا يتبين أن قائل هذا القول هو أبو بكر رضي الله عنه لا عمر، ووقع في رواية عبد الملك وأبي عامر وابن لهيعة عند أحمد [3/ 328 و 342] =ح (14515)=، التصريح بأن قائله عمر، وصرح عليٌّ القاري في المرقاة أيضًا بنسبة هذا القول إلى عمر، والظاهر أنَّ كلَّ ذلك وهم؛ لأني لم أجد في أزواج عمر رضي الله عنه من تُسمى بنت خارجة أو بنت زيد، وإنما أزواجه؛ زينب بنت مظعون، ومليكة بنت جرول، وجميلة بنت عاصم، وأم كلثوم بنت علي، كما في المعارف لابن قتيبة، وتهذيب الأسماء للنووي، وبنت خارجة أو بنت زيد إنما كانت زوجة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.



ويدل على أن قائله أبو بكر أنه بادر إلى القيام إلى عائشة لِوَجْئِ عنقها وضربه قبل أن يقوم عمر، كما هو مصرح في الحديث، ويظهر من كلام النووي أنه جعل هذا القول لأبي بكر دون عمر؛ لأنه قال: وفيه فضيلة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، أي لو رأيت يا رسول الله زوجتي بنت خارجة حين (سألتني النفقة) الكثيرة...]. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (16/ 217)



والله تعالى أعلم



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (6) باب في قوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه).




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة