بسم الله الرحمن الرحيم



بعض ما شاع فيه الحرمة والأصل فيه براءة الذمة للنساء



جمع وإعداد



صاحب الفضيلة



الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



نائب رئيس المجلس العلمي للدعوة السلفية بفلسطين



إمام وخطيب مسجد الزعفران بالمغازي



1440هـ- 2018م



 



الحمد لله والصلاة على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:



عنوان لقائنا:



بعض ما شاع فيه الحرمة والأصل فيه براءة الذمة للنساء



فما معنى الذمة؟



[الذمة لغة: العهد، واصطلاحاً =عند الأصوليين=: وصفٌ يصير الشخصُ به أهلاً =وصفٌ في إنسان يصبح الإنسان فيه أهلا= للإيجاب له أو عليه، =يعني يكون الأمر واجبا عليه أم لا،= و =لكن= الإنسان يولد، وله ذمَّةٌ صالحة للوجوب له وعليه.



والأصل =في الإنسان من آدم عليه السلام إلى آخر واحد يموت الأصل= أن يولد الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء عليه، =يعني لو وُلدَ شخصٌ هل عليه شيء حرام؟ أو جائز أو واجب أو كذا؟ لا يوجد، هذا هو الأصل، فما الذي يغيّر هذا الأصل؟ حكم شرعي من الله عز وجل، من رسول الله صلى الله عليه وسلم، دليلٌ مقبول يكون صحيحا ليس ضعيفا، لو وجد حديث ضعيف، أو دليل ضعيف، نقول: إن الأصل براءة الذمة.=



وكونه مشغول الذمّة بحق خلاف الأصل، حتى يثبت ذلك بدليل مقبول، لأنّ الذِّمَم خلقت بريئة غير مشغولة بحق من حقوق الغير]. ([1])



وهناك ما يسمَّى باستصحاب البراءة الأصلية.



[الاستصحاب في اللغة: طلب الصحبة.



وفي الاصطلاح: هو الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على أنه كان ثابتا في الزمان الأول.



ومعنى التعريف: أنه إذا ثبت حكمٌ بدليل معيّنٍ في وقت معيّنٍ يبقى ذلك الحكم ثابتا حتى يرد دليل يرفعه.



ووجه تسميته استصحابا: أن المجتهد يستصحب الحكم الأول حتى يَرِدَ ما يدل على ارتفاعه.



مثال ذلك: إذا توضأ ثم شكَّ في وجود ما ينقض الوضوء، فإنه يستصحب الحكم السابق، وهو كونه طاهرا حتى يثبت خلافه...



ومن أنواع الاستصحاب؛ استصحاب البراءة الأصلية:



أي: براءةُ ذمة الإنسان من التكاليف الشرعية والحقوق المالية، حتى يقوم دليل على شغلها بشيء من ذلك.



فالحكم بعدم فرضية صلاة سادسة، وبعدم وجوب صوم شعبان معلوم بالبراءة الأصلية، وكذا الحكم ببراءة ذمته من الديون التي لم يقم دليل على تعلقها بها]. ([2])



وسنتحدث كثيرا عن (براءة الذمة)، يعني يبقى الإنسان على أصله، ليس عليه حكم، ويأتون لذلك بمثال؛ أن الأصل براءة الذمة من الولادة حتى يأتي حكم، أو حتى يموت الإنسان، جاءوا بمثال على ذلك إذا توضأ الإنسان ثم شك فيما ينقض الوضوء، فما هو الأصل؟ الأصل الوضوء، إنك إذا جئت متوضئًا، فما هو الذي طرأ؟ الشك، نقول: الأصل براءة الذمة، يعني يبقى الإنسان على وضوئه؛ إلا أن يتأكّد أنَّ وضوءَه قد انتقض.



هناك أمورٌ دينية عبادية؛ عقيدة صلاة، وصيام وزكاة وحج.



وهناك معاملاتٌ وأمورٌ دنيويّة، فالأمور العبادية مثل الصلاة والعقيدة والتوحيد الأصل فيها المنع، ممنوع تصلي، ممنوع تصوم، ممنوع تعبد الله سبحانه وتعالى إلا بدليل، ليس على المزاج آتي بعبادة، إذا وجد نصّ؛ أن صلاةً بكيفيّة معينة نصلي، أما أن يصلي الإنسان على مزاجه فلا يجوز، صلاة الظهر أربع ركعات، فيصليها إنسان ثلاث ركعات أو خمسا لا يقبل منه، لماذا؟ لعدم وجود النص، أما أن الظهر أربع ركعات هكذا جاءتنا النصوص.



فهناك أمور دينية وعباديّة الأصل فيها المنع والحظر، ما لم يَرِدْ نصٌّ يبيح عبادة أو يشرع عقيدة.



أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى كلُّها جاءت فيها نصوص، وكذلك الخوف من الله، والوجل والرجاء والاستعاذة والتوكل، كلها جاءتنا نصوص من الله سبحانه وتعالى، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ألاّ نتوكل إلا على الله، ولا نعبد إلا على الله، ولا نرجو غير الله، هذه أمور عبادية.



أما الأمور الدنيوية؛ من أكل وشرب، أو بيعٍ وشراء، وزواج وطلاق، ومعاملات ونحو ذلك، فالأصل فيه الجواز والإباحة، ما لم يرد نص بالمنع والحظر والتحريم.



وهذه الأمور الدنيوية، لماذا قلنا: إنها أمور دنيوية؟



لأنه يشترك فيها المسلم والكافر، الكافر يأكل والمسلم مثله، ويشرب وينام ويقعد، ويحدث بينهم التزاوج، والبيع والشراء، هذا الأصل فيه الجواز، إلا ما دل الدليل على تحريمه.



إذن الأصل الدين؛ المنع والحظر إلا ما جاء به نَصٌّ، وفي الأمور الدنيوية كلها جائزة إلا إذا جاء فيها نص بالتحريم.



هذه كلها أحببنا أن نبينَها، تنبيها على ما سيأتي.



العلماء يقولون: الأصل بقاء ما كان على ما كان، يعني في خمسة أمور في الأصل مكتوبة، وها هي [نماذجُ عامَّةٌ معتبرةٌ للأصل:



1- الأصل بقاء ما كان على ما كان. =كما تحدثنا عن الوضوء، يبقى الوضوء كما هو؛ إلا إن جاء دليل نتيقن ونتأكد أن الوضوء قد انتقض.=



2- الأصل براءة الذمة. =حتى يأتيك الحكم الشرعي.=



3- الأصل في الأشياء والأعيان =التي هي الدنيوية= الإباحة؛ إلا إن دلَّ دليلٌ للحظر =والمنع عليها= فيعمل به.



4- الأصل في الأبضاع التحريم. =أي الفروج، يعني الاستمتاع بالنساء الأصل فيه الحرمة، إلا إذا جاء دليل؛ كالزواج أو ملك اليمين فقط.=



5- الأصل في العبادات الحظر، =وهي التي تحدثنا عنها قبل قليل، كالدين والتوحيد= و =الأصل= في العادات الإباحة]. ([3])



نأخذ حديثا عن ما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا ثبت عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله =تعالى= عنهما قَالَ: (كُنَّا نَتَّقِي الْكَلاَمَ وَالاِنْبِسَاطَ إِلَى نِسَائِنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ هَيْبَةَ أَنْ يُنْزَلَ فِينَا شَيْءٌ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمْنَا وَانْبَسَطْنَا). ([4])



[(عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه =وهو يتكلّم رضي الله عنه عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم= (قال: كُنَّا نَتَّقِي)، أي: نبتعد ولا نقترب ونتجنَّبُ = (الكَلَامَ) الذي يُخشى منه العاقبةَ، =حتى الكلام الحلو والجميل مع الزوجة، كانوا يحاولون الابتعاد عنه= (وَ) نتقي أيضًا (الاِنْبِسَاطَ إِلَى نِسَائِنَا =الضحك والملاعبة، يخافُ الصحابي في عهد النبيِّ أن يفعل هذا الشيءَ مع أنه جائز على البراءة الأصلية، وهذا= (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) =لماذا؟= (هَيْبَةَ أَنْ يُنْزَلَ فِينَا شَيْءٌ)، =أي يأتي حكم يغيِّرُ البراءة الأصلية، يخافون من هذا الشيء، أيُّ شيء؟ أيْ حكمٌ من القرآن ينزل بمنع أو تحريم.



وهيبةَ منصوب لأنه مفعول لأجله، لقوله: (نتقي)، و (إن) مصدرية، أي: نتقي لخوف النزول، (فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمْنَا وَانْبَسَطْنَا) إلى نسائنا؛ =وهو الكلام الذي يكون بين الزوجين توسَّعوا فيه، لأنَّ أصلَه كان مباحا، وأصلُه كان براءة الذمة، لكن ما الذي جعلهم يتوقفون؟ هيبةً وخوفاً من نزول قرآنٍ أو حكم يحرم ذلك، فلذلك منعوا أنفسهم من التوسع في الكلام مع نسائهم والانبساط إليهن.



لكن بموت النبي صلى الله عليه وسلم أَمِنُوا أن ينزلَ من القرآن شيءٌ؛ لأنه لا وحيَ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم، وهذا منهم رضي الله عنهم= تمسكًا بالبراءةِ الأصلية، وفيه إشعارٌ بأنّ الذي كانوا يتركونه كان من المباحِ، والانبساطُ إليهنَّ يحتملُ أنْ يكونَ من جملةِ الوصاةِ بهن...]. ([5])



إذن فالأصل براءة الذمة، والبراءةُ الأصلية، فإن ورد من الشرع حكمٌ أو أمرٌ أو نهيٌ، تُحُوِّل إليه، من براءة الذمة إلى ذلك الأمر أو النهي، أو من الأمر أو من الحكم، وعمل به.



***



وهنا أمثلة على ما شاعت حرمته، والأصل فيه براءةُ الذمة:



1- ما شاع من تحريم الزواج بين العيدين والتشاؤم بذلك، ويقولون: إنه ممنوع، وحجتهم أن من يتزوج بين العيدين يطلق زوجته، أو من يتزوج بين العيدين لا ينجب أطفالا، أو تحدث مشاكل وخلافات بين الزوجين.



والأصل براءة الذمة، وجواز ذلك بلا كراهة، وأن الزواج جائز في كل وقت وحين، لا يوجد في شرعنا ما يمنع، فالأصل براءة الذمة من أنه يجوز هذا الأمر.



بل ورد في شرعنا -ليس بتجويزه- بل باستحبابه، بدليل ما ثبت عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (تَزَوَّجَنِي) =أي خطبها من أبيها= (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَوَّالٍ)، =وشوال هذا بين العيدين= (وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ)، =أي دخل بي، فتزوجها قبل الهجرة، ودخل بها بعد الهجرة، البناء معناه الدخول،= (فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟!) =فمن كانت أحبَّ نسائه إليه صلى الله عليه وسلم؟ عائشة رضي الله عنها، لكنه ما كان يظهر هذا حتى ما تغضب الأخريات، فحبُّه لعائشة أكثرُ من غيرها، وهذا من بركة الزواج بين العيدين= قَالَ: (وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ). ([6])



إذا ما شاع بين الناس من أن الزواج بين العيدين غير صحيح، وحتى الآن نسمع من بعض الناس مثل هذا، وهذا من بقايا الجاهلية، فعائشة رضي الله عنها أحبت أن تبين هذا الأمر غير صحيح، وأنه يجوز بل يستحب الزواج بين العيدين.



-(فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي) قَصَدَتْ عَائِشَة بِهَذَا الْكَلَام رَدَّ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة عَلَيْهِ، وَمَا يَتَخَيَّلهُ بَعْض الْعَوَامّ الْيَوْم مِنْ كَرَاهَة التَّزَوُّج وَالتَّزْوِيج وَالدُّخُول فِي شَوَّال، وَهَذَا بَاطِل لَا أَصْل لَهُ، وَهُوَ مِنْ آثَار الْجَاهِلِيَّة، كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ بِذَلِكَ لِمَا فِي اِسْم شَوَّال مِنْ الْإِشَالَة وَالرَّفْع.



=وهذا الحديث= فِيهِ اِسْتِحْبَاب التَّزْوِيج وَالتَّزَوُّج وَالدُّخُول فِي شَوَّال، وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابنَا =أي الشافعية= عَلَى اِسْتِحْبَابه، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيث. ([7])-



***



2- ما شاع أن من غاب عنها زوجها سنين فلا تحلُّ له. والأصل براءة الذمة.



وهذا لاحظناه عندما جاءت السلطة بعد غياب ثلاثين سنة، وأناس سافروا قبل ثلاثين سنة أو أربعين، في الـ(67) وعندما عادوا، وكانوا قد تزوجوا في الخارج، وأهلهم هنا يعلمون أنهم على قيد الحياة، ولكن المرأة بقيت على أولادها، فهل تخلُّ هذه المرأة لزوجها بدون عقد جديد بعد هذه المدة؟



كانوا يعتقدون أنه لا يجوز، ويسأل الناس، فما دام الزوج موجودا وما حلَّ عقدة الزوجية أمر آخر، كالطلاق مثلا أو الخلع.



فالبراءة الأصلية أنها زوجته، وفعلا بعض النساء امتنعت من زوجها مطلقا، لا يقربها ولا يتعامل معها، هي في غرفة، وهو في غرفة، فلذلك هذا التحريم غير صحيح بين الناس.



تأتي مسألة أخرى؛ إنسان مفقود المفقود هذا فرعٌ عن هذا الأمر، هل المفقود هذا؛ مفقودٌ ميؤوسٌ منه؟ أم أنه مفقودٌ يحتملُ أن يكون موجودا؟



أمثلة على هذا:



امرأة خرج زوجها لا تدري عنه في الشرق أو في الغرب، بل علمت أن المنطقة التي هو فيها، أو السفينة التي هو فيها، أو الطائرة التي هو فيها، احترقت، فماذا غلب على الظن؟



غلبة الظن أنه مات، فهذا مفقود، وغلب على الظن عدم بقائه على الحياة، متى يجوز لها أن تتزوج؟



الصحيح أن الحكم في هذا يرجع إلى القاضي، هذه المرأة تذهب إلى القاضي وتقول له: ثبت كذا وكذا، وأن زوجي مفقود، وقتما يحكم القاضي بثبوت موته، تبدأ العدة، أربعة أشهر وعشرا، لأنها عدة المتوفى عنها زوجها.



أما عدة الحمل فحتى تضع أو تُسقِط، فإذا كان له شهر أو أكثر أو أقل، فهذه ننتظرها حتى تلد.



ولكن غلب على ظنهم أنه مفقود، وهذه حصلت في الشجاعية في حرب 2014م، لا أعادها الله علينا، اللهم آمين، بعد سنة هذه الزوجة التي فقدت زوجها في البيوت والمنازل التي تهدمت على بعضها، بحثوا عن هذا الزوج فما وجدوه، تزوجت بعد سنة، واتضح أنه أسير عند اليهود وأنه حيّ، ورجع إلى منزله، إذا هي متزوجة وزوجها موجود، فما الحكم؟



العلماء قالوا رحمهم الله: أن هذا الزوج يخير، بين زوجته وبين أن يأخذ المهر من هذا الزوج الثاني، فإن حدثتْ خلافات ومشاكل، فهذا يرجع أمرهم إلى المحكمة والقضاء فعندهم له الحلول.



3- ما شاع من تحريم دخول الحائض والنفساء على الميت. =يمنعونها من الدخول عليه، ويحذرونها، ولا أدري ما هو الاعتقاد عندهم، لكني أنا حضرت موقفا في ذلك، يمنعون أمَّ المتوفى أو أختَه، أو زوجته أنها تودعه، أو تقبله، إذا كانت حائضا أو نفساء.



وكذلك دخول الحائض على الحائض، أو النفساء على النفساء، وهذه من عادات وتقاليد غير صحيحة، وأمور واعتقادات عند بعض الناس والنساء، والأصل في ذلك براءة الذمة.



4- ما شاع من الإحداد، وعدم خروج المرأة المتوفى عنها زوجها من بيتها طيلة العدة:



هناك ما يسمى بالإحداد أو العدة وفرق بينهما، فالعِدة معناها العدد، عدد من الأيام معينة تقضيها المرأة بدون زينة، أو تقضيها المرأة حتى ترجع لزوجها إذا كانت طلقة رجعية، أو حتى تنتهي إذا كان في وفاة لزوجها.



أما الإحداد؛ فهو امتناع المرأة عن الزينة، وهذه تمتنع المرأة عن الزينة طيلة فترة عدتها، لا تمس طيبا، سواء الطيب مشموم، أو الطيب المرئي مثل الأصباغ التي توضع على الوجه، أو على اليدين أو ما شابه ذلك.



هذه ممنوعة منها المرأة، ولا تخرج المرأة المتوفى عنها زوجها.



ولكن بالغ الناس في ذلك حتى صاروا يمنعونها من قضاء الأمور المهمة، ولو لحاجة أو عذر شرعي، أو تتعالج أو تراجع مستشفى، أو طبيب أو تزور مريضا، أو ما شابه ذلك.



فقد كانت الصحابيات رضي الله تعالى عنهن منهم من تملك بساتين النخيل فتريد جدادها وهي في عدة الوفاة، هذا كله جائز، ولكن في النهار، من بعد طلوع الشمس، إلى قبل غروب الشمس، في الليل تكون في البيت، وفي النهار تزور أمَها وأختها وخالتها.



فالتحريم الموجود عند الناس اليوم كله ممنوع ممنوع ممنوع!! هذا غير صحيح، قال العلماء:



[ويجوز لكلّ معتدة الخروج من منزلها لضرورة أو عذر، كأن تخرج لحاجتها كطلب طعام أو دواء، أو تخاف على نفسها، =في النهار أن يأتيها أحد أو ما شابه ذلك،= أو خافت هدماً، أو غرقاً ونحو ذلك]. ([8])



فهذه التي تخشى على نفسها الغرق تتحول من بيتها إلى بيت أبيها أو أخيها.



فلا يجوز أن تتحوّل من بيتها بلا عذر لقوله صلى الله عليه وسلم: «امكثي في بيتك». ([9])



وكذلك ما شاع عند بعض الناس عن المرأة إذا مات عنها زوجها، يحرمون عليها استقبالَ من أراد تعزيتها من الرجال؛ من أقاربها كـبني عمومتها وخئولتها ونحو ذلك.



يقولون: إنها ممنوعة من أن ترى الرجال! لا يا أخي! ما دامت هي ملتزمة منتقبة محجبة، وتعزَّى فلا مانع من ذلك، لماذا نحرِّم شيئا والأصل فيه براءة الذمّة؟!



5- ما شاع بين الناس من تحريم الزينة على المرأة المطلقة رجعيًّا:



إذن هناك طلاقٌ رجعيٌّ، وطلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى، فالبينونة الكبرى هذه تكون قد انفصلت عنه، فيجوز لها أن تفعل ما شاءت، وهذه فقط عليها العِدَّة، والتي هي ثلاثة قروء.



والأصل في الرجعية أن تعتدّ في بيت زوجها، فلا بد أن تتزيّن له حتى يُفسح المجال للمراجعة، فالمنع من تزيين المرأة لزوجها هذا غير صحيح، وهي امرأة رجعية، أي: له حقُّ الرجعة عليها، ولا بد أن يكونا تحت سقف واحد ليحدث بينهما الاحتكاك من أجل أن يعودا لبعضهما، وإلا لماذا كان الطلاق الرجعي مرتان؟ من أجل أن يعودا لبعضهما.



أما الثلاثة فهي الفاصلة، وهي التي ممنوع أن تبقى، تذهب إلى بيت أهلها، أما المطلقة مرة أو مرتين {وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}. (الطلاق: 1)



قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي (مَسَائِلِهِ): (سَأَلْتُ أبا عبد الله؛ عَنِ الْمَرْأَةِ تَنْتَقِبُ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ تَدَّهِنُ فِي عِدَّتِهَا؟) قَالَ: (لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ). ([10])



5- ما شاع من تحريم ذبيحة المرأة:



فبعض الناس يعتقد أن ذبيحة المرأة لا تجوز، فهذا غير صحيح، وقد شاع أنه لا يجوز للمرأة أن تذبح، بل ذبيحتها جائزة، قال العلماء: المرأة تذبح، والبراءة الأصلية تجيزه ولو لم يوجد، نصٌّ فكيف وقد وجد؟!



فقد جاء في الحديث أنه في الجاهلية من كانت تذبح من النساء كان العرب ينقبضوا من ذبيحتها، ويتحرجوا من تناول ما ذبحته.



وهذا حديث ورد عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ =رضي الله عنه=؛ (أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ)، =وسلع جبل ومكان خلف المدينة، غرب المسجد النبوي= (فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا)، =أي أنها رأت شاةً تنازع على وشك الموت، فماذا فعلت هذه الجارية؟= (فَكَسَرَتْ حَجَرًا، فَذَبَحَتْهَا بِهِ)، فَقَالَ لَهُمْ =عندما جاءهم الخبر=:



(لاَ تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَسْأَلُهُ)، =أما أنا أذهب بنفسي فأستفتي، أو أرسل غيري يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتقون الله عز وجل، ويخافون من كل ما يغضب الله سبحانه، وهذه عندهم حرام لا تجوز ولا تؤكل،= (وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَاكَ، أَوْ أَرْسَلَ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا)، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ =وهو أحد الرواة: (فَيُعْجِبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ)، =أي: ليست حرة= (وَأَنَّهَا ذَبَحَت). ([11])



فكيف لو ذبحتها امرأةٌ حرة؟! وليست أمَة أو عبدة؟ فكيف وهي راعية وأمة وتذبح أيضا وذبيحتها مقبولة؟ فالناس اليوم غريبون؛ فلانة ذبحت؟! فلن يؤكل مما ذبحته، بمجرد أنها امرأة التي ذبحت، والأصل براءة الذمة.



7- ما شاع من تحريم تلاوة القرآن على الحائض:



والأصل جواز ذلك حتى يثبت دليل على التحريم، وأنا أريد أن أفرق بين أمرين؛ بين التلاوة، وبين المّس، المس لا داعي له، لخلاف بين العلماء فيه، لكن الأقوى ألا تمسك الحائض القرآن بيدها، ولكن من وراء حائل، قفازات أو كما كانت تفعل بعض الصحابيات تحركه بعود، إذا الصحابية كانت تقرأ لكنها كانت تحركه بعود.



وقالوا لأحد الجواري: اذهبي فأتي بمصحف فكانت الجارية فقيهة وكانت حائضا، فذهبت تحضر المصحف في علاقته، أي شيء واضعة فيه المصحف، حتى لا تمسكه بيده. قَال الْبُخَارِيُّ ([12]): [وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ (يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ، فَتَأتِيهِ بِالْمُصْحَفِ، فَتُمْسِكُهُ بِعِلاَقَتِهِ)].



(أَبُو وَائِل)؛ هُوَ التَّابِعِيّ الْمَشْهُور صَاحب ابن مَسْعُود، وأثره هَذَا وَصله ابن أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، قَوْلُهُ: (يُرْسِلُ خَادِمَهُ) أَيْ جَارِيَتَهُ، َالْخَادِمُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، (إِلَى أَبِي رَزِينٍ) هُوَ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ أَيْضًا، (=فَتَأتِيهِ بِالْمُصْحَفِ، فَتُمْسِكُهُ= بِعِلَاقَتِهِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيِ الْخَيْطِ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ كِيسُهُ، وَذَلِكَ مُصَيَرٌ مِنْهُمَا إِلَى جَوَازِ حَمْلِ الْحَائِضِ الْمُصْحَفَ؛ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ مَسِّهِ]. ([13])



فالذي يقول أن تمسك المصحف بيدها ربما عنده أدلة على ذلك، لكن احتياطا وأدبا نبتعد. وهذا بالنسبة للحائض.



وأما الجنب؛ فالذي أراه أن الجنب يبتعد عن مس المصحف، ويبتعد عن قراءة القرآن وإن جازت، وهذا من الأدب.



إذن الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن، ولا مانع لها أن تقرأ غيبا.



الجنب يجوز له أن يقرأ القرآن ولكن مع الكراهة، فالذي يتوضأ يستطيع أن يغتسل، لكن الحائض لو اغتسلت بالبحار السبعة ما يذهب حكم حيضها؛ لأنه مرتبط بزمن معين، فلذلك يباح لها هي والنفساء أن تقرأ.



أما الجنب لا يمس المصحف، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ("لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ"). ([14])



أما الحائض تمسه من وراء حائل.



[قَال الْبُخَارِيُّ ([15]): وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: (لاَ بَأسَ أَنْ تَقْرَأَ الآيَةَ)، =فالبخاري يرى أنه لا مانع أن تقرأ الحائض، وهناك أقوال للعلماء في المنع ومعهم أحاديث ولكنها أحاديث ضعيفة.



وقال:= أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَثَرَ إِبْرَاهِيم وَهُوَ النَّخعِيّ؛ إشعارا بِأَنَّ مَنْعَ الْحَائِضِ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ بِلَفْظِ: (أَرْبَعَةٌ لَا يقرؤون الْقُرْآنَ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ، وَعِنْدَ الْخَلَاءِ وَفِي الْحَمَّامِ؛ إِلَّا الْآيَةَ وَنَحْوَهَا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ)، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ لِلْحَائِضِ دُونَ الْجُنُبِ، وَقَدْ قِيلَ:



(إِنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيم)ِ. ([16])].



[ومعلوم أن النساء كنّ يحِضن على عهد رسول الله، ولم يكن ينهَهُنّ عن قراءة القران، كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء، بل أمَرَ الحيّض أن يخرجن يوم العيد، فيكبرن بتكبير المسلمين، =وهذا ذكر=، وأَمَر الحائضَ أن تقضيَ المناسكَ كلَّها؛ إلا الطواف بالبيت؛ تلبِّي وهي حائض، وكذلك بمزدلفة ومنى وغير ذلك من المشاعر.



وأما الجنب فلم يأمره =صلى الله عليه وسلم= أن يشهد العيد، =فلا دليل أن نقول: أيها الجنب أحضر العيد، لأنه قادر أن يتطهر مباشرة،= ولا =أمره أن يصلي العيد=، ولا أن يقضي شيئا من المناسك؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر، فلا عذر له فيترك الطهارة، بخلاف الحائض فإن حدثَها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر]. ([17])



فحتى لو تطهرت الحائض والنفساء فالحدث قائم.



[وَعَنْ حماد بن أبي سليمان قال: (سألت سعيد بن جبير عن الجنب يقرأ؟) فلم يَرَ به بأسا، وقال: أليس في جوفه القرآن؟!



نستمع إلى ما قاله الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:



قال الألباني ([18]): [هذا جيد؛ لكن لَا يخفَى أنّ الأمرَ لَا يخلو من كراهة، =لأنه قادر أن يتطهر الآن، لماذا؟ قال رحمه الله:= لحديث =رسول الله صلى الله عليه وسلم=: "إني كرهت أن أذكر الله إِلَّا على طُهر". ([19]) انظر (الصحيحة: 834)].



إذن كره ولم يحرم.



8- ما شاع تحريم قتل القطط الصائلةِ، والكلابِ الضالّة:



فالقطط التي تأكل الدجاج والأرانبَ، يتحرجون من قتلها، بل يظنون أن قتلها حرام! والأصلُ أنَّ كلَّ ما يؤذي ويضر يُتَخَلَّص منه؛ كالحشرات والقوارض وما يعتدي على الدواجن من قطط وكلاب ونحوها، فيجوز التخلص منها.



أولا: بالتحرز وحفظ الأموال، بوضع الحواجز أو الشبك أو أمور أخرى تمنعها من الدخول، هذا أولا.



ثانيا: التخلص منها بقتلها؛ إما بالسُّم الزعاف، أي بمجرد أن يأكله يموت، ما يأخذ وقتا؛ كخمس دقائق أو عشر دقائق يتلوى ويتعذب، أو السرعة في قتلها بآلة لا تجعلها تتألم طويلا، انظروا الرحمة حتى في القتل، وهذا ما سئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ في عهده، سئل [عمَّنْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ: الزَّوْجَةُ، وَالْقِطُّ، وَالنَّمْلُ؛ الزَّوْجَةُ تُرْضِعُ مَنْ لَيْسَ وَلَدُهَا، وَتُنَكِّدُ عَلَيْهِ وَفِرَاشَهُ بِذَلِكَ، وَالْقِطُّ يَأْكُلُ الْفَرَارِيجَ، وَالنَّمْلُ يَدِبُّ فِي الطَّعَامِ! فَهَلْ لَهُمْ حَرْقُ بُيُوتِهِمْ بِالنَّارِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ قَتْلُ الْقِطِّ؟ وَهَلْ لَهُمْ مَنْعُ الزَّوْجَةِ مِنْ إرْضَاعِهَا؟



=فجاءت أجوبة شيخ الإسلام رصينة، وهي:=



الْجَوَابُ: لَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تُرْضِعَ غَيْرَ وَلَدِهَا إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ. =فاحذري أيتها المرضعة، إذا أردتِ أن ترضعي أحدا، فعليك بإخبار الزوج، إن وافق فنعم، وإلا فلا، لأن هذا الحليب من حق الزوج.=



وَالْقِطُّ إذَا صَالَ عَلَى مَالِهِ، =أي هجم=، فَلَهُ دَفْعُهُ عَنْ الصَّوْلِ =عموما= وَلَوْ بِالْقَتْلِ، وَلَهُ أَنْ يَرْمِيَهُ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ ضَرَرِهِ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ.



وَأَمَّا النَّمْلُ فَيُدْفَعُ ضَرَرُهُ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ]. ([20])



فحرق النمل ممنوع، ولا حرق البراغيث، ولا حرق القمل؛ لأنهم كانوا قديما يجلسون حول النار والجمر أمامهم، فإن آذته قملة وضعها في النار، هذا لا يجوز، اقتلها بين أصابعك، اقصعها قصعا، وكذلك النمل وما شابهه، لكن بأدوات الرش والمبيدات، أو آلات كهربائية تعلق في سقف البيت، تعمل بالصعق، أو ما شابه ذلك، أما بالنار توقد وتوضع فيها الحشرات ونحوها، فهذا لا يجوز.



في كوريا؛ رأيت أمرا مروِّعا من حيث إنهم يأكلون الكلاب، لا يذبحونها ذبحا، يستخدمون الأكسجين الذي يذيب الحديد؟ يحرقون رأس الكلب حتى يموت، وبعدها يأكلونه، فالحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام.



سؤال: جهاز الصعق الذي يستخدم للبعوض جائز؟



نعم! جائز لأنه يوضع ويصعقها مباشرة، أما الحرق بالنار المعروفة فلا.



الآن ندخل في نقطة في الأموال، وهو:



9- ما شاع من تحريم أخذ العِوض أو التعويض، وهو في الشرع يسمى؛ الضمان:



وهو عبارة مال مقابل ما أتلف أو عطب من جهاز معين، أو آلة معينة، أو إناء ونحو ذلك.



بعض الناس يقول: أنا ما آخذ العوض، لا نتكلم هنا عن التقوى والورع، والمسامحة والعفو، وما شابه ذلك، لا! بل نتكلم عن التحريم، وبعض الناس يحرم ولا يجيز مع أنه جائز، إلا إن عفا صاحبه.



وهذ ما حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ -قَالَ: أَظُنُّهَا عَائِشَةَ-) =وأنتم تعرفون أن كلّ امرأة من أمهات المؤمنين التسعة لها يوم يأتي عندها، ويكون طعامه وشرابه ونومه عندها، ولكن لا مانع إن مرّ عن بقية النساء مرورا، فعائشة رضي الله عنها كان عندها، وطعامه عندها وإذا بإحدى النساء الأخريات تبعث وترسل مع خادم لها، قال:= (فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ)، =والقصعة مصنوعة من الفخار، يعني سهلة الكسر، فغارت عائشة، لأنه حدث في ليلتها وموعدها= (فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ)، =وكان فيها طعام، ولعله والله أعلم الثريد، لأن بقية الحديث يدل على أنها طعام متماسك،= (فَانْكَسَرَتْ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْكِسْرَتَيْنِ، فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ)، =لا سبَّ ولا شتمَ ولا طلَّق، ليس كما يفعل رجال اليوم نسأل الله السلامة،=



(فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ)، وَيَقُولُ:



("غَارَتْ أُمُّكُمْ")، =عائشة رضي الله تعالى عنها= ثُمَّ قَالَ: ("كُلُوا"، فَأَكَلُوا)، (ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ، =أي: أخره قليلا،= (حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا)، =أحضري يا عائشة صحفة بدلا منها،= (فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا)، =هذه بدلا من هذه، وهذه هي التي يسمونها العوض، أو الضمان=، (وَتَرَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْهَا). ([21])



10- ما شاع من تحريم معاملة من أكثر مالِهِ حرامٌ:



كواحد نعرفه يعمل في البنك، ومالك هذا ربوي، يذهبون إليه لأنه قريبهم، شراب الماء لا يشربونه من عنده، يحرمون على أنفسهم عنده الطعام والشراب، فـعلى البراءة الأصلية تجوز معاملته، ولا تحرم، لإمكان المال الحلال؛ لأنه إذا كان أكثر ماله حلالا فيجوز.



فإذا زرتَ أحدا كذلك فأنت تأكل بنية أن ما تأكله من المال الحلال فهذا جائز؛ لأنك لا تعلم فماله مختلط، ونحو المرابي، أو تعرف شخصا يسرق المال، لكن عنده مزرعة أو له عمل حلال، وتعرف أنه يأخذ من هنا، ويأخذ من هنا، بعض الناس يقول: حرام أن نتعامل معه نهائيا، لا أكل وشرب ولا معاملة في البيع والشراء وما شابه ذلك، لماذا؟ لأنه ربما ما نتناوله عنده من الحرام.



والأصل براءة الذمة، والمختلط ماله وغلب على الظن أن الحلال نسبة لا بأس بها، قالوا: إن هذا جائز الأكل من ماله؟ قالوا: لـعدم تحقق التحريم، فنبني على أصل البراءة من أنه حلال، ولكن يكره كراهة فقط؛ خوفاً من الوقوع في الحرام. ([22])



وأما الأكل الذي يُهدَى من أعياد الميلاد ونحوها، فإن كنا في حاجة له أكلناه وإلا ادفع به لغيرك؛ لأنه ليس هو ذاته محرما هذا الطعام، ولكنه حرام لشيء آخر.



والثابت هو اليقين شرعاً وغيرُه شكٌّ، والثابت أن فيه مالا حلالا، ويُعتبر اليقينُ سواء في براءة الذمّة أو شغل الذمة، فالأصل براءة الذمة؛ لأنه اليقين الثابت، حتى يثبت ما يشغلها. ([23])



وانظروا ماذا يقول ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه جاء بمن يمتلك المال الحرام وهم ثلاثة:



قال: [إنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا؛ -بِأَنَّ فِي مَالِهِ حَرَامًا- =كم؟ غير معروف= تُرِكَ مُعَامَلَتُهُ وَرَعًا. =ليس بحرام، ولكنه تركه لله عز وجل.=



وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامًا فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. =أكثر من النصف حراما، قالوا كم؟ قالوا: لو كان المال الحلال أقل من الثلث، بعد أن تعمل له إحصائية وموازنة وميزانية لهذا المال ووجدته أقل من الثلث حلال، قالوا: لا داعي لأن تأكل منه.=



وَأَمَّا الْمُسْلِمُ الْمَسْتُورُ، =أنا لا أعلم أن مال هذا حلال أم حرام، عندي شك لكن لا أعلم= فَلَا شُبْهَةَ فِي مُعَامَلَتِهِ أَصْلًا، =طيب؛ وواحد تركه ورعا تماما كالمحرم؟ قال:= وَمَنْ تَرَكَ مُعَامَلَتَهُ وَرَعًا كَانَ قَدْ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ بِدْعَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ]. ([24])



إذا الحلال أكثر أم الحرام في معاملاتنا؟ الحلال أكثر فجاء حرام وجاء حرام وجاء حرام، متى تعرف أنه حرام، عندما تعرف أنه حرام، وأصلا لا يجوز لك، فحرام عليك أن تأكل الحرام، لكن أنت لا تعلم أحرام هو أم حلال؟ إذا كان مختلطا فلا مانع من تناوله، والورع أفضل.



مثال على ذلك؛ إنسان نعرف أنه يتعاطى الحشيش والمخدرات، -عافانا الله وإياكم وسائر المسلمين- والحبوب التي يتعاطاها الشباب (الترامال) ويبيع منها ويتاجر فيها، ولكن هذا الإنسان عنده دكان، عنده مزرعة دجاج، عنده أرض زراعية فيها مزروعات حبوب أو ما شابه، وهذه فيها مال حلال، وفيها مال حرام، لا مانع أن تأخذ من ماله، لكن ورَعا إذا عرفت أن الأكثر حراما فابتعد.



11- ما شاع من تحريم قص الأظافر وإزالة الشعر =شعر الإبطين والعانة= عن الجنب حتى يغتسل:



بعض الناس يقول لنا: إياك أن تقصّ، لماذا؟ ويأتون بحديث ضعيف، أو هو ليس بحدث أصلا، أن الإنسان ترجع له زوائده من شعر وأظافر ونحو ذلك يوم القيامة وهو عليه جنابة، هذا غير صحيح، فالأصل في ذلك البراءة الأصلية، وإيتوني بدليل يمنعني أن أقلِّم أظافري وأنا جنب، أو أزيل الشعر الذي على جسدي، وهذا السؤال وجه لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، قال: فـ[إذَا كَانَ الرَّجُلُ جُنُبًا، وَقَصَّ ظُفُرَهُ، أَوْ شَارِبَهُ، أَوْ مَشَّطَ رَأْسَهُ، =أو نزل من شعره أشياء= هَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ؟ فَقَدْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى هَذَا، وَقَالَ: إذَا قَصَّ الْجُنُبُ شَعْرَهُ، أَوْ ظُفُرَهُ فَإِنَّهُ تَعُودُ إلَيْهِ أَجْزَاؤُهُ فِي الْآخِرَةِ، فَيَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ قِسْطٌ مِنْ الْجَنَابَةِ بِحَسَبِ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى كُلِّ شَعْرَةٍ قِسْطٌ مِنْ الْجَنَابَةِ، فَهَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟



الْجَوَابُ: =وهو من شيخ الإسلام رحمه الله، قال:=



قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ الْجُنُبُ، فَقَالَ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ =زيادة=: «=لا ينجس= حَيًّا وَلَا مَيِّتًا».



=يقول شيخ الإسلام:= وَمَا أَعْلَمُ عَلَى كَرَاهِيَةِ إزَالَةِ شَعْرِ الْجُنُبِ وَظُفُرِهِ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، بَلْ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ =لواحد كافر، وهو الآن أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد جاء وأسلم الآن، وهو لا يزال على نجاسته وكفره، فقال= لِلَّذِي أَسْلَمَ: «أَلْقِ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ». =وهذا قبل أن يغتسل، أمره أن ينزل شعره هذا وهو شعر الكفر، واختتن،= فَأَمَرَ الَّذِي أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِتَأْخِيرِ الِاخْتِتَانِ، وَإِزَالَةِ الشَّعْرِ عَنْ الِاغْتِسَالِ، فَإِطْلَاقُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْأَمْرَيْنِ، وَكَذَلِكَ تُؤْمَرُ الْحَائِضُ بِالِامْتِشَاطِ فِي غُسْلِهَا مَعَ أَنَّ الِامْتِشَاطَ يَذْهَبُ بِبَعْضِ الشَّعْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ]. ([25])



ومع ذلك ينزل منها شعر، وهل تُمنع من قصّ أظافرها مثلا، وهي غير مغتسلة، ولم تكن طاهرة، فهذا مثل هذا إن شاء الله.



12- ما شاع من تحريم الكلام في الحمام، والأصل جواز ذلك على البراءة الأصلية:



وهنا لا بد من توضيح أمور؛ كلمة الحمام، وهو مكان الاغتسال.



الأمر الثاني: نبين كلمة المرحاض، وهذا غير الحمام.



والأمر الثالث؛ الحُشّ في اللغة [البستان، وكانوا قبل أن يحدث الكنيف، يقضون حوائجهم في البساتين، فكثر حتى صار اسماً للموضع الذي يغاط فيه]. ([26])



واليوم نسميه الدورة، فهذه الثلاثة الأخيرة؛ المرحاض والدورة والحش والكنيف بمعنى مكان لقضاء الحاجة، لكن الحشُّ يقصد به قضاء الحاجة في الخلاء بين النخيل ونحوه، والمرحاض مبنىً، والدورة تطلق أيضا على نفس المبنى، ودليل ذلك من تحريم الكلام في الدورة أم في الحمام أم في المرحاض؟



ثبت عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَدْخُلَ -الْخَلَاءَ- فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ"). ([27])



-(الحُشوش): جَمْعُ حُشّ، وهو البستان، وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل اتخاذ المراحيض في البيوت، =فقد كانوا يقضون حوائجهم في الخارج، بين الأشجار في حفرة معينة، بين جبلين ويقضي حاجته.=



(مُحْتَضَرَةٌ)، أَيْ: تَحْضُرُها الجِنُّ والشياطين. ([28])-



والخُبُثُ ذكور الشياطين، والخبائث إناثهم.



وقال: (في الخلاء)، أي: أن هذا الأمر كان يحدث في الخلاء، لذلك لو أنه عندنا حمام عرضه متر، وطوله حوالي ثلاثة أو أربعة أمتار، والباب هناك في طرفه، ومكان قضاء الحاجة في طرفه الآخر، ولا جدار ولا ساتر بينهما، وبجانبه الحمام، وبجانبه المغسلة، أين أذكر الله؟ وأين أمتنع عن ذكر الله؟



الذي عليه الناس بمجرد الدخول، يحرمون عليه أن يذكر الله عند المغسلة، ويحرمون عليه أن يذكر الله عند الحمام في المكان الذي يغتسل فيه.



والصحيح أنه في المكان الذي فيه كرسي قضاء الحاجة، هو الذي يمنع الكلام فيه، والله أعلم.



ولكن إن كان ما يقال عنه (الدش) فوق الكرسي مباشرة، فهذا المكان هو الذي يمنع فيه ذكر الله سبحانه؛ لأنه أصبح بهذا حماما ومرحاضا؛ لأنه أصبح مكانا محتضرا؛ أي: تحضره الشياطين، وتسكنه، ولذلك عندما تصل المرحاض وتدخل تقول: (بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، وتدخل مباشرة، دون أن تتكلم شيئا.



ولكن لنفترض أنه مكان كبير والدورة في ناحية منها، فهل ممنوع أن أتحدث أو أتكلم في هذا المكان كله؟



أتكلم للحاجة، مثل أن أذكر الله عند التسمية للوضوء، أما على الدورة فممنوع، في المرحاض ممنوع، ولو كان المرحاض مفتوحا، لا ساتر له.



فلا تضيقوا على أنفسكم وافهموا هذا الكلام، لكن الذي لا يريد أن يتكلم أي شيء، ويذكر الله في الخارج فله ذلك، ولكن لا تحرِّم على غيرك، خصوصا إذا احتاج الإنسان لهذا الكلام.



13- ما شاع من تحريم بقاء الخبز على الأرض، ووجوب رفعه وتقبيله:



الأصل في هذا البراءة إلا أن نأتي بحديث.



والخبز أصله من القمح والشعير والذرة ونحوه، وأنا أذكر سابقا أنهم كانوا يدوسون القمح والشعير بمشي الحمير فوقها، وينزل روثها عليه ونجاساتها، فلو كان ممنوعا لكان النبي صلى الله عليه وسلم بيّنه، ولقال أن نأخذ كلا منها على جانب، وهذا الخبز مثل البندورة والخيار والأمور الأخرى كلها من نعم الله، لماذا لا نرفعها؟



ونجد أحيانا في السوق أكياسا من الخبز تباع، وخلفهم يبقى خبز تدوسه الدواب، ويقع شيء بولها وبرازها على الخبز، وما شابه ذلك.



فكل هذا على البراءة الأصلية.



لكن لو قلنا: إن هذا من حفظ النعمة واحترامها، فهذا أمر آخر، ولا مانع من رفعها أدبا وتأدبا.



ولكننا نقول هنا عن التحريم على الموضع هذا، كأن تقول: حرام عليك أن تبقيَها على الأرض أو كذا! لا ليس بحرام، لكن رفعها جائز.



وبعض الناس يرفعون بقايا الطعام النظيف؛ لتكون طعاما لإخواننا من الجن فهذا جائز، وهذا لا نتكلم عنه، ولكننا نتكلم عن حكم شرعي وضعه الناس ولم ينزل الله به من سلطان، والذي هو التحريم.



14- ما شاع من تحريم بقاء النعل مقلوبا:



وهذه ما ورد فيها شيء، وهو يرجع على أن الأصل براءة الذمة.



وفي مسألة الخبز وحفظ النعمة أذكر قصة عن أحد الشباب وكان يأكل ما يسمى (ساندويش) ويبحث عن المكان الذي فيه الفول أو الفلافل، فلما انتهى منه فإذا به يرميها بيده ويضربها برجله، ويبول عليها، هذا ما حفظ النعمة، الله سبحانه وتعالى أراد أن يحاسبه مباشرة، في اليوم التالي مرّ من المكان الذي كان فيه بالأمس، وكان في حالة جوع شديد، نظر هنا ونظر هناك، فإذا به يجد بقايا خبزِته الذي رماها وبال عليها بالأمس، فعندما رآها أمسك بها، وهو جائع، فقال: البول ما وصل هذه، البول ما وصل هذه حتى أكلها منها.



فالذي لا يحفظ النعمة، الله يأتيه بالنقمة.



فنسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا وتوحيدنا وإسلامنا، ويحفظ علينا ديننا وأمتَنا، ويحفظ علينا أرضنا وأوطاننا، اللهم آمين.



 



 



الأسئلة



السؤال الأول: الجن كيف يأكلون بقايا الطعام؟



الجواب: الجن يأكلون الطعام يشمونه شمًّا، ولا يأكلونه مثلنا، وأنت أيها الإنسان عندما تكون تعدُّ الطعام، بمجرد أن تنتهي من إعداده حتى تجد نفسك قد شبعت من رائحته.



السؤال الثاني: حكم استخدام الماء مع الملح في البيوت لطرد الجن كما يقال؟



الجواب: في هذه المسألة لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم منع ولا إباحة على استخدام الملح لطرد الجن من البيوت، لكن إن ثبت من ناحية طبية، ومن ناحية تجريبية؛ أن فيه فائدة فلا أرى مانعا، ماء بحر أو أن نضع ملحا مع الماء ونرشّه، فنحن لا نريد أن نضيق الأمور، في الدين ما ثبت، لكن إن ثبت في الدنيا فلا مانع.



السؤال الثالث: في الخطوبة يكون هناك مقابلة بين أهل العريس وأهل العروس بحضور العريس والعروس، الآن نحن منقبات، العروس يجوز لها أن تكشف وجهها أمام والد العريس؟



الجواب: الأصل أن الخاطب هو الذي يأتي وينظر للمخطوبة، هذا هو الأصل، فإن وجد أمر آخر، فنقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، عادات وتقاليد، فتكشف ولا إثم عليها، مع كراهتها للكشف أمام والده؛ لأنه حتى الآن المخطوبة ما حرُمَت على الاثنين الولد أو والده، لكن عقد عليها الولد تحرم على أبيه مباشرة.



السؤال الرابع: عن فكة مئة شيكل بعشرات أو خمسات ونحوه، وبقاء شيء منها هل يجوز؟



الجواب: الفكة غير الصرف، تفك المائة ويبقى خمسين عنده لا مانع، أما أن تصرف عشرين دينارا وتأخذ منها خمسين شيكلا، تغيرت العملة فهذا لا يجوز، إما أن تأخذها كاملة، أو لا تفعل شيئا، وهذا الأمر في الدينار مع غيره من الدولار أو الشيكل، إذا تغيرت العملة هذا الممنوع، ذهب مع فضة، لكن فضة مع فضة وصرفت شيئا منها وبقي شيء، فلا مانع، لأن ما يبقى يعتبر دينا.



أنا مثلا أذهب إلى الدكان، ومعي مبلغ (200) شيكل، ويبقى له أمور عندي، فأقول له خذ الـ(200) وسجل الباقي علي، لا مانع، والأمر فيه سعة.



لكن ما معي فكة، وأنت يا فلان لك (150) شيكلا، ويبقى عندي (50) شيكلا أيضا فلا مانع.



لكن خذ هذه (20) دينارا، اصرفها كاملة، ثم اشتر بها، ويبقى ما يبقى فلا مانع، والله أعلم.



والذي لا يعلم لا إثم عليه حتى يعلم، ووقت أن تعلم لا بد أن تطبق، فأنت كما ذكرنا سابقا على البراءة الأصلية إلا إن ثبت نص يحرم أو يمنع.



السؤال الخامس: هل يوجد دليل صريح على النقاب؟



الجواب: عند الألباني ما في، الله يرحمه، وعند الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين الذين يتكلمون في الأحاديث وما شابه ذلك، يستدلوا بأدلة منها جواز كشف المرأة وجهها في الحج والعمرة، معناه أنه ممنوع أن تكشف وجهها في غيرها، مثل الرجل دائما رأسه مغطى، إلا في الحج والعمرة.



ونحن نقول: المرأة تكشف وجهها في الحج والعمرة؛ فلماذا تكشفه؟



تكشفه لأنها في غير الإحرام مأمورة بتغطيته، فالنقاب مطلوب خصوصا في الفتن، ونفس الشيء يقوله الألباني رحمه الله، يقول عن كشف وجه المرأة في الفتن يجب تغطيته إذا كان فيه فتنة، وإذا لم يكن في فتنة فالأمر فيه سعة.



السؤال السادس: ما مدى صحة الكلام: «إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ» يعني أنا في مجموعة وأحدهم طلب مني ماء، هل صحيح أنني لو شربت قبلهم يلعنني الله أنا صحيح أريد أن أشربهم، لكن هل صحيح أنه لا يجوز أن أشرب قبلهم؟



الجواب: لا، لا، «إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ» حديث صحيح ([29]فالمفهوم أن ساقي القوم آخرهم شربا، لو واحد منكم الآن قامت تسقي البنات، ممنوع أن تشرب هي، من ناحية شرعية، ومن ناحية الأدب، لماذا؟ لأنه من الأدب أن تبدأ باليمين تسقيهنّ كلَّهن ثم تشرب هي، وهذا الذي فعله أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، لما أراد أن يشرب أبو هريرة اللبن، أمره صلى الله عليه وسلم بسقيا بالفقراء أهل الصفة، لما انتهى، ثم قال أذن له بالشرب بعدهم، مع شدة جوعه.



نسأل الله أن يكون هناك لقاء على الخير والبركة.



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



والله تعالى أعلم



وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



جمعه وأعده وألقاه



فضيلة شيخنا/ أبو المنذر فؤاد بن يوسف أبو سعيد نفع الله به وبعلمه البلاد والعباد.



ضمن اللقاء الإيماني الذي تنظمه الدائرة النسائية- جمعية دار الكتاب والسنة- خان يونس.



ضحى الأحد- 3 ربيع الأول 1440هـ،



وفق: 11/ 11/ 2018م.




 






([1]) القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة (1/ 142).





([2]) (أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله)، لعياض بن نامي بن عوض السلمي (ص: 199).





([3]) القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة (1/ 111).





([4]) (خ) (5187).





([5]) شرح القسطلاني (8/ 79).





([6]) (م) 73- (1423)، (ت) (1093)، (س) (3377)، (جة) (1990)، (حم) (24317).





([7]) شرح النووي (5/ 131).





([8]) موسوعة الفقه الإسلامي للتويجري (4/ 249).





([9]) (ت) (1204).





([10]) زاد المعاد في هدي خير العباد (5/ 628).





([11]) (خ) (2304).





([12]) الْبُخَارِيُّ (ج1 ص: 67).





([13]) من (فتح الباري).





([14]) (ك) (1447)، (ط) (534) (هق) (414)، (طب) (13217)، (قط) (ج1 ص: 121 ح3)، وصححه الألباني في الإرواء: (122)، وصَحِيح الْجَامِع: (7780).





([15]) الْبُخَارِيُّ (ج1/ ص: 68).





([16]) فتح الباري (1/ 407).





([17]) إذهاب الحزن وشفاء الصدر السقيم عبد السلام مقبل مجبرى (ص: 188).





([18]) (تمام المنة، ص: 118).





([19]) (د) (17).





([20]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 164) (508) – (110)، مجموع الفتاوى (32/ 273).





([21]) (حم) (12027)، (13772)، (خ) (2481) (5225)، (س) (3955)، (د) (3567)، (جة) (2334)، وصححه الألباني في الإرواء تحت حديث: (1523).





([22]) انظر (اللحجي، ص: 36).





([23]) بتصرف القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة (1/ 110).





([24]) مجموع الفتاوى (29/ 324).





([25]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (1/ 275) (39)– (23).





([26]) (الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب)، لمحمد بن عبد الحق اليفرني (625هـ): (1/ 228).





([27]) (د) (6)، (جة) (296)، (حب) (1406)، (حم) (19350), انظر صَحِيح الْجَامِع: (2263) الصَّحِيحَة: (1070).





([28]) عون المعبود (1/ 8).





([29]) رواه مسلم 311- (681).





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة