دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري



المجلس رقم: (111)



شرح وقراءة وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



أهل السنة- 14/ 3/ 1440هـ، وفق: 22/ 11/ 2018م



كتاب رقم: (7): كتاب التيمم



باب رقم: (6): باب الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ



وَقَالَ الْحَسَنُ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لاَ بَأْسَ بِالصَّلاَةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا.



هذا (باب) بالتنوين (الصعيد الطيب) مبتدأ وصفته والخبر قوله (وضوء المسلم يكفيه عن الماء)، أي: يغنيه عند عدمه حقيقة أو حكمًا، وقد روى أصحاب السنن نحوه مع زيادة: "وإن لم يجد الماء عشر سنين". وصححه الترمذي وابن حبان والدارقطني، (ت) (124)، (س) (322)، (د) (333)، (حب) (1311).



(وقال الحسن) البصري...: (يجزئه) بضم المثناة التحتية مهموزًا؛ أي: يكفيه (التيمُّم ما لم يحدث)؛ أي: مدّة عدم الحدث، وهو عند سعيد بن منصور بلفظ: "التيمم بمنزلة الوضوء؛ إذا تيمّمْت فأنت على وضوء حتى تحدث"، وفي مصنف حماد بن سلمة عن يونس عن عبيد عن الحسن قال: "يصلي الصلواتِ كلَّها بتيمُّمٍ واحد مثل الوضوء ما لم يحدث"، وهو مذهب الحنفية لترتُبِه على الوضوء فله حكمه.



وقال الأئمة الثلاثة: لا يصلّي إلا فرضًا واحدًا؛ لأنه طهارة ضرورة بخلاف الوضوء.



وقد صح فيما قاله البيهقي (1/ 221)، رقم: (1093) عن ابن عمر؛ إيجاب التيمم لكلّ فريضة.



قال: ولا نعلم له مخالفًا من الصحابة...



(وأَمَّ ابنُ عباس) رضي الله عنهما (وهو متيمِّمٌ) مَنْ كان متوضئًا، وهذا وصله البيهقي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والجمهور...



(وقال يحيى بن سعيد) الأنصاري: (لا بأس بالصلاة على السَّبَخَة) بالمهملة والموحدة والخاء المعجمة المفتوحات؛ الأرض المالحة التي لا تكاد تُنْبتُ، (و) كذا (التيمم بها) احتجَّ ابن خزيمة لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها؛ =الذي في البخاري (خ) (2298/ 1)؛ أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "رأيت دار هجرتكم (1/373) سبخة ذات نخل"؛ يعني المدينة قال: وقد سمَّى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة طَيْبَة، فدلّ على أنّ السَّبَخَةَ داخلةٌ في الطّيِّب، ولم يخالف في ذلك إلاّ إسحاق بن راهويه.



=وأورد تحت هذا الباب الحديث= (344) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: (كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلاَ وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلاَنٌ، ثُمَّ فُلاَنٌ ثُمَّ فُلاَنٌ)، -يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ- (ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ؛ لأَنَّا لاَ نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلاً جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ)، قَالَ: «لاَ ضَيْرَ" -أَوْ "لاَ يَضِيرُ- "ارْتَحِلُوا». (فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ، فَدَعَا بِالْوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ؛ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْم)،ِ قَالَ: «مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟!». قَالَ: (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ). قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». (ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلاَنًا) -كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ- وَدَعَا عَلِيًّا) فَقَالَ: «اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ». (فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ -أَوْ سَطِيحَتَيْنِ- مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا)، فَقَالاَ: (لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ؟!) قَالَتْ: (عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَة، وَنَفَرُنَا خُلُوفًا). قَالاَ لَهَا: (انْطَلِقِي إِذًا). قَالَتْ: (إِلَى أَيْنَ؟!) قَالاَ: (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). قَالَتِ: (الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ؟!) قَالاَ: (هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي). فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ -أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ- وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: (اسْقُوا وَاسْتَقُوا). فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: «اذْهَبْ، فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». وَهْيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللَّهِ! لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْمَعُوا لَهَا». فَجَمَعُوا لَهَا؛ مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، قَالَ لَهَا: «تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا». فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا: (مَا حَبَسَكِ يَا فُلاَنَةُ؟!) قَالَتِ: (الْعَجَبُ! لَقِيَنِي رَجُلاَنِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ! إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ). وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ -تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ- (أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا!)، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلاَ يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: (مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلاَمِ؟!) فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ.



الشرح:



(عن عمران) بن حصين الخزاعي قاضي البصرة، (قال):



(كنا في سفر)، أي: عند رجوعهم من خيبر كما في مسلم، أو في الحديبية كما رواه أبو داود، أو في طريق مكة كما في الموطأ من حديث زيد بن أسلم مرسلاً، أو بطريق تبوك كما رواه عبد الرزاق مرسلاً، (مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنا أَسْرَينا).



قال الجوهري: تقول سريت وأسريت بمعنى إذا سرت ليلاً (حتى إذا كنا في آخر الليل، وقعنا وقعة)؛ أي: نمنا نومة (وَلاَ وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الـمُسَافِرِ مِنْهَا)؛ أي: من الوقعة في آخر الليل، وكلمة لا النفي الجنس، ووقعة اسمها، وأحلى صفةٌ للوقعة، وخبرُ لا محذوف، أو أحلى الخبر.



(فَمَا... أَيْقَظَنَا) من نومنا (إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وكان ... أوّلَ من استيقظ فلانٌ) اسم كان، وأوّلَ بالنصب خبرُها مقدَّمًا، أو فلان بدلٌ من أوّلَ على أنه اسمُ كان التامَّة، بمعنى وجد المستغنية عن الخبر، ... وفلانٌ المستيقظُ أوّلاً؛ هو أبو بكر الصديق =رضي الله عنه=، (ثم فلانٌ) يحتمل أن يكونَ عِمران الراوي؛ لأن ظاهرَ سياقِه أنه شاهد ذلك، ولا يمكنه مشاهدته؛ إلا بعد استيقاظه...



(ثم فلان) يحتمل أيضًا أن يكون من شارك عمران في رؤية هذه القصة المعينة، وهو ذو مخبر كما في الطبراني، (يسمِّيهم)، أي: المستيقظين (أبو رجاء) العُطَارِدِيّ، (فنسي عوف)، أي: الأعرابيُّ.



(ثم عمرُ بنُ الخطاب) رضي الله عنه (الرابعُ) بالرفع صفة لعمرَ المرفوع عطفًا على ثم فلان، أو بالنصب خبر كان؛ أي: ثم كان عمرُ بنُ الخطاب الرابعَ من المستيقظين.



وأيقظَ الناس بعضهم بعضًا، (وكانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نام لم يوقَظ) بضم المثناة التحتية وفتح القاف، مبنيًّا للمفعول مع الإفراد، وللأربعة: "لم نوقظه" بنون المتكلم وكسر القاف، والضمير المنصوب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حتى يكون هو يستيقظ لأنّا لا ندري ما يَحدُث له) بفتح المثناة وضم الدال من الحدوث (في نومه)، أي: من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه بالإيقاظ، (فلما استيقظ عمر) رضي الله عنه (ورأى ما أصاب الناس) من نومهم عن صلاة الصبح حتى خرج وقتها، وهم على غير ماء، وجوابُ لَـمَّا محذوف تقديره: فلما استيقظ كبّر.



(وكان)، أي: عمر (رجلاً جليدًا) بفتح الجيم وكسر اللام؛ من الجلادة، وهي الصلابة، (فكبّر، ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير، حتى استيقظ بصوته) بالموحدة، أي: بسبب صوته، وللأربعة: "لصوته" باللام؛ أي: لأجل صوته (النبيُّ صَلَّى اللَّهُ (1/374) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وإنما استعمل التكبيرَ؛ لسلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين: إحداهما الذكر، والأخرى الاستيقاظ، وخُصّ التكبير؛ لأنه الأصل في الدعاء إلى الصلاة.



واستُشكل هذا مع قوله عليه الصلاة والسلام: "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". (خ) (2013).



وأُجيب: بأن القلبَ إنما يُدرِك الحسيّات المتعلِّقةَ به؛ كالألم ونحوه، ولا يدرِكُ ما يتعلق بالعين؛ لأنها نائمة، والقلب يقظان.



(فلما استيقظ) عليه الصلاة والسلام (شَكَوا إليه الذي أصابهم) مما ذُكر (قال) ... تأنيسًا لقلوبهم لما عرض لها من الأسف على خروج الصلاة عن وقتها:



(«لاَ ضَيْرَ -أَوْ لاَ يَضِيرُ-») أي لا ضرر، يقال: ضارَه يضورُه ويضيره، والشكُّ من عوف كما صرّح به البيهقي، ("ارْتَحِلُوا")، بصيغة أمرِ للجماعة المخاطبين من الصحابة.



(فارتحل)، أي: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن معه... أي: عقب أمره عليه الصلاة والسلام بذلك.



وكان السببُ في الارتحالِ من ذلك الموضع حضور الشيطان فيه كما في مسلم، (فسار) عليه الصلاة والسلام ومن معه (غير بعيد: ثم نزل) بمن معه، (فدعا بالوَضوء) بفتح الواو (فتوضأ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه (ونودي بالصلاة)؛ أي: أَذَّنَ بها كما عند مسلم والمؤلف في آخر المواقيت.



(فصلى بالناس فلما انفتل)؛ أي: انصرف (من صلاته؛ إذا هو برجلٍ) لم يُسَمَّ،... (معتزلٍ)، أي: منفردٍ عن الناس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ. قال: «مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟» قال:) يا رسول الله! (أصابتني جنابةٌ ولا ماءَ)؛ أي: موجود بالكلية، وماءَ بفتح الهمزة، ... قال ابن دقيق العيد: حُذِف الخبر في قوله: ولا ماءَ؛ أي: موجودٌ عندي، وفي حَذْف الخبر بسطٌ لعذره؛ لما فيه من عموم النفي، كأنه نفَى وجودَ الماءِ بالكلية، بحيث لو وُجِد بسببٍ أو سعيٍ أو غير ذلك لحصله، فإذا نفَى وجودَه مطلقًا كان أبلغ في النفي، وأعذر له.



(قال) عليه الصلاة والسلام: («عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ،»)، المذكور في الآية الكريمة: {فتيمموا صعيدًا طيبًا}، وفي رواية ... عند مسلم: فأمره أن يتيمم بالصعيد، («فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ») لإباحة صلاة الفرض الواحد مع النوافل، أو للصلاة مطلقًا ما لم تحدث، (ثم سار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاشتكى إليه) وإلى الله صلاته وسلامه عليه (الناسُ من العطش، فنزل) عليه الصلاة والسلام (فدعا فلانًا) هو عمران بن حصين كما دلّ عليه رواية... مسلم (كان يسمّيه أبو رجاء) العُطاردي، (نسيه) ... (عوف) الأعرابي، (ودعا عليًّا) هو ابن أبي طالب (فقال) عليه الصلاة والسلام لهما:



(«اذْهَبَا، فَابْتَغِيَا») بالمثناة الفوقية بعد الموحدة من الابتغاء،... أي: فاطلبا ("المَاءَ"، فانطلقا، فتلقَّيا امرأة بين مزادتين) تثنية مزادة؛ بفتح الميم والزاي؛ الراوية أو القربةُ الكبيرة، وسميت بذلك؛ لأنه يزاد فيها جلدًا آخر من غيرها (أو) بين (سطيحتين) تثنية سَطيحة بفتح السين وكسر الطاء المهملتين؛ بمعنى المزادة، أو وعاء من جلدين سطح أحدهما على الآخر، والشك من الراوي وهو عوف، (من ماء على بعير لها)...



(فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمسِ) بالبناء على الكسر عند الحجازيين... ويحتمل أن يكون عهدي مبتدأ، وبالماء متعلق به، وأمسِ ظرف له.



وقولها: (هذه الساعة) بدل من أمس؛ بدل بعض من كلٍّ؛ أي: مثل هذه الساعة، والخبر محذوف أي حاصلٌ ونحوه، أو هذه الساعة ظرف. (1/375)



(ونفَرُنا)، أي: رجالُنا (خُلُوفٌ) بضم الخاء المعجمة واللام المخففة، وخلوفٌ بالرفع خبر المبتدأ؛ أي: غُيَّبٌ، أو خرج رجالهم للاستقاء وخلّفوا النساء، أو غابوا وخلّفوهن.



والنصبُ على الحال السادّة مسدّ الخبر؛ قاله الزركشي والبدر الدماميني وابن حجر أي متروكون خلوفَا.



(قالا لها: انطلقي إذًا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالت: الذي يقال له الصابئ) بالهمزة من صبأ؛ أي: خرج من دين إلى آخر، ويروَى بتسهيله ياء من صبا يصبي؛ أي: المائل.



(قالا: هو الذي تعنين)، أي: تريدين، وفيه تخلُّصٌ حسن؛ لأنهما لو قالا: لا؛ لفات المقصود، ولو قالا: نعم؛ لكان فيه تقرير لكونه عليه الصلاة والسلام صائبًا، فتخلَّصا بهذا اللفظ، وأشار إلى ذاته الشريفة، لا إلى تسميتها، (فانطلقي) معنا إليه.



(فجاءا)، أي: عليٌّ وعمرانُ (بها إلى النبيّ)... إلى رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحدّثاه الحديث) الذي كان بينهما وبينها، (قال) عمران بن الحصين (فاستنزلوها عن بعيرها)؛ أي: طلبوا منها النزول عنه، وجمع باعتبار عليٍّ وعمران ومن تبعهما ممن يعينهما.



(ودعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بعد أن أحضروها بين يديه (بإناء ففرّغ فيه) عليه الصلاة والسلام من التفريغ، أو ...: فأفرغ من الإفراغ (من أفواه المزادتين) جمع في موضع التثنية على حدِّ {فقد صغتْ قلوبكما}. (التحريم: 4)، (أو السطيحتين)، أي: أفرغ من أفواههما، والشكُّ من الراوي، (وأوكأ)، أي: ربط (أفواهَهُما وأطلقَ)، أي: فتح (العَزَالِيَ) بفتح المهلمة والزاي وكسر اللام، ويجوز فتحها وفتح الياء، جمع عزلاء بإسكان الزاي والمدّ؛ أي: فمُ المزادتين الأسفل، وهي عروتها التي يخرج منها الماء بسعة، ولكلّ مزادةٍ عزلاء وإنها من أسفلها.



(ونودي في الناس اسقوا) بهمزة وصل من سقى فتكسر، أو قطع من أسقى فتفتح؛ أي: اسقوا غيرهم كالدواب، (واستقوا فسقى من سقى) ...: فسقى من شاء، (واستقى من شاء) ... لنفسه، وسقى لغيره من ماشية ونحوه...



(وكان آخرَ ذلك) بنصب آخر؛ خبر كان مقدّمًا، والتالي اسمها وهو قوله (أن) مصدرية (أعطى الذي أصابته الجنابة) وكان معتزلاً (إناءً من ماء) ... (قال)، أي: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذي أصابته الجنابة:



(«اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ») بهمزة القطع فأفرغه (وهي)؛ أي: والحال أن المرأةَ (قائمةٌ تنظر إلى ما يُفعَل) بالبناء للمجهول (بمائها).



قيل: إنما أخذوها واستجازوا أخذ مائها؛ لأنَّها كانت كافرةً حربيّةً، وعلى تقدير أن يكون لها عهد؛ فضرورة العطش تبيح للمسلم الماءَ المملوكَ لغيره على عوض، وإلا فنفْسُ الشارع =لعله يقصد النبيَّ صلى الله عليه وسلم= تُفْدَى بكلّ شيءٍ على سبيل الوجوب.



(وايمُ الله) بوصل الهمزة والرفع مبتدأ، خبره محذوف، أي: قسمي (لقد أُقْلِع) بضم الهمزة، أي: كُفَّ (عنها، وأنه ليخيَّل إلينا أنها أشدُّ مِلْأَةً) بكسر الميم وسكون اللام وبعدها همزة ثم تاء تأنيث؛ أي: امتلاء (منها حين ابتدأ فيها)، وهذا من أعظم آياته، وباهرِ دلائل نبوّته؛ حيث توضؤوا وشربوا، وسقَوا واغتسل الجنب، بل في رواية سلم ...: أنهم ملؤوا كلَّ قربة كانت معهم مما سقط من العَزَالِي، وبقيت المزادتان مملوءتين؛ بل تخيّلَ الصحابةُ أنَّ ماءها أكثر مما كان أولاً، (فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لأصحابه:



(«اجْمَعُوا لَهَا») لعلَّه تطييبًا لخاطرها، في مقابلةِ حبسها في ذلك الوقت عن الـمَسير إلى قومها، وما نالها من مخافتها أخذ مائها؛ لا أنَّه عِوضٌ عمّا أَخذ من الماء، (فجمعوا لها من بين) (1/376) وفي رواية: ما بين (عجوة) تمرٍ أجودَ تمرِ المدينة، (ودقيقةٍ وسويقة) بفتح أوّلهما، ... (حتى جمعوا لها طعامًا)، زاد أحمد في روايته: "كثيرًا"، والطعام في اللغة ما يؤكل، قال الجوهري: وربما خصّ الطعام بالبرّ، (فجعلوه)، أي: الذي جمعوه... (في ثوب وحملوها)، أي: المرأة (على بعيرها، ووضعوا الثوب) بما فيه (بين يديها)؛ أي: قدّامها على البعير.



(قال لها) رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،... («تَعْلَمِينَ») بفتح التاء وسكون العين وتخفيف اللام؛ أي: اعلمي، ("مَا رَزِئْنَا") بفتح الراء وكسر الزاي وقد تفتح وبعدها همزة ساكنة؛ أي: ما نقصنا ("مِنْ مَائِكِ شَيْئًا")؛ أي: فجميع ما أخذناه من الماء مما زاده الله وأوجده، ويؤيِّده قوله: ("وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا")، بالهمزة...



(فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، قالوا)، أي: أهلها... (ما)... (حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب)، أي: حبسني العجب (لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي)... (يقال له: الصابئ ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس مِن بين هذه وهذه) عبّر بمن البيانية،... (وقالت)، أي: أشارت (بإصبعيها الوسطى والسبابة)؛ لأنه يشار بهما عند المخاصمة والسب، وهي المسبحة؛ لأنها يشار بها إلى التوحيد والتنزيه، (فرفعتهما إلى السماء تعني) المرأة (السماءَ والأرضَ).



(أو إنه لرسول الله) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حقًّا) هذا منها ليس بإيمان للشكّ، لكنها أخذت في النظر، فأعقبها الحقَّ، فآمنت بعد ذلك.



(فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون) ... بضم الياء من أغار، ويجوز فتحها من غار وهو قليل، (على من حولها من المشركين، ولا يصيبون الصِّرْم الذي هي منه) بكسر الصاد وسكون الراء؛ النفرُ ينزلون بأهليهم على الماء، أو أبياتٍ من الناس مجتمعة، وإنما لم يغيروا عليهم، وهم كفرة؛ للطمع في إسلامهم بسببها، أو لرعاية ذمامها.



(فقالت)، أي: المرأة (يومًا لقومها: ما أَرَى) بفتح الهمزة بمعنى أعلم؛ أي: الذي أعتقد (أن هؤلاء القوم) بفتح همزة أن مع تشديد النون (يدَعونكم) بفتح الدال من الإغارة (عمدًا) لا جهلاً ولا نسيانًا، ولا خوفًا منكم، بل مراعاةً لما سبق بيني وبينهم.



وفي رواية الأكثرين: ما أَرى هؤلاء بفتح همزة أرى وإسقاط أن...



ورواية...: ما أُرى بضم الهمزة؛ أي أظن إن هؤلاء بكسر الهمزة...



=وفي نسخة= ...: ما أدري أن؛ بالدال بعد الألف وأنّ بفتح الهمزة والتشديد وهي في موضع المفعول، والمعنى؛ ما أدري ترْكَ هؤلاءِ إياكم عمدًا لماذا هو؟



والمعنى؛ ما أدري لماذا تمتنعون من الإسلام، إن المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا مع القدرة (فهل لكم) رغبة (في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام).



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ).



1- (مسدد)... بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدى، أبو الحسن البصرى، ويقال: اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، ومسدد لقب، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي (228)هـ.



 2- (يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان التميمى، أبو سعيد البصرى، الأحول الحافظ، ولد (120)هـ. من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (198)هـ.



3- (عوف) بالفاء هو عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى، أبو سهل البصرى، المعروف بالأعرابى (ولم يكن أعرابيًّا)، ولد (60)هـ. أو (61)هـ. من الطبقة (6) من الذين عاصروا صغار التابعين، توفي (146)هـ. أو (147)هـ.



4- (أبو رجاء) بفتح الراء وتخفيف الجيم وبالمد؛ عمران بن مِلْحان؛ بكسر الميم وسكون اللام والحاء المهملة العطاردي البصرى، أدرك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يره، وأسلم بعد الفتح، وتوفي سنة بضع ومائة، من الطبقة (2) من كبار التابعين، توفي: (105)هـ.



5- (عن عمران) بن حصين الخزاعي أبو نجيد، قاضي البصرة، قال أبو عمر: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم؛ يقول عنه أهل البصرة؛ أنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلِّمه حتى اكتوى، وتوفي سنة اثنتين وخمسين، وله في البخاري اثنا عشر حديثًا، صحابي رضي الله تعالى عنه، توفي: (52)هـ. بـالبصرة.



من مناقبه ما ثبت عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: (بَعَثَ إِلَيَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رضي الله عنه فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ)، فَقَالَ: (إِنِّي مُحَدِّثَكَ بِأَحَادِيثَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهَا بَعْدِ، فَإِنْ عِشْتُ؛ فَاكْتُمْ عَنِّي، وَإِنْ مُتُّ؛ فَحَدِّثْ بِهَا إِنْ شِئْتَ)، (قَدْ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ، فَتُرِكْتُ)، (حَتَّى ذَهَبَ أَثَرُ الْمَكَاوِي)، (فَعَادَ). (م) 168- (1226)، 167- (1226)، (مي) (1813)، (حم) (19833).



قَالَ أَبُو دَاوُد: (كَانَ يَسْمَعُ تَسْلِيمَ الْمَلَائِكَةِ، فَلَمَّا اكْتَوَى انْقَطَعَ عَنْهُ، فَلَمَّا تَرَكَ رَجَعَ إِلَيْهِ). (د) (3865).



وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: (مَا مَسِسْتُ فَرْجِي بِيَمِينِي مُنْذُ بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم). (حم) (19943)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ).



ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والقول.



(قال أبو عبد الله)، أي: المؤلف =البخاري= في تفسير: (صبأ)، أي: (خرج من دين إلى غيره).



(وقال أبو العالية): رفيع بن مهران الرياحي ...: (الصابئين) هم (فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور).



وقال البيضاوي: والصابين؛ قوم بين النصارى والمجوس.



وقيل: أصلُ دينهم دين نوح.



وقيل: هم عبدة الملائكة.



وقيل: عبدة الكواكب، وأورده المؤلف هنا ليبيّن الفرق بين الصابئ المروي في الحديث، والصابئ المنسوب لهذه الطائفة.



***



باب رقم: (7): بابٌ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ



أَوِ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ، تَيَمَّمَ



وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلاَ {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّف.



هذا (باب) بالتنوين (إذا خاف الجنب على نفسه المرض) المتلف وغيره كزيادته، أو نحو ذلك كشين فاحش في عضو طاهر، (أو الموت) من استعماله الماء، (أو خاف العطش) لحيوان محترم من نفسه (1/377) أو رفيقه ولو في المستقبل (تيمم)... أي: مع وجود الماء.



(ويُذكر) مما وصله الدارقطني (أن عمرو بن العاصي) بن وائل بن هشام القرشي السهمي أمير مصر أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وكان لا يرفع طرفه إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حياءً منه، وله في البخاريّ ثلاثة أحاديث رضي الله عنه، (أجنب في ليلة باردة) في غزوة ذات السلاسل (فتيمم) وصلى بأصحابه الصبح (وتلا) ...: {ولا تقتلوا أنفسكم}، أي: بإلقائها إلى التهلكة {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. (النساء: 29)، (فذُكر) بضم الذال (للنبيّ) ...: فذكر ذلك، أي: عمرو للنبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يعنف)، أي: عمرًا وحذف المفعول للعلم به،... أي: لم يلمه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعدم التعنيف تقرير، فيكون حجة على تيمم الجنب.



وقد روى هذا التعليق أيضًا أبو داود والحاكم، لكن من غير ذكر التيمم.



نعم ذكر أبو داود؛ أن الأوزاعي روى عن حسان بن عطية هذه القصة، فقال فيها: فتيمم.



وعلقه المؤلف بصيغة التمريض لكونه اختصره.



وفي الحديث؛ جواز صلاة المتيمم بالمتوضئ لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك.



وأورد تحت هذا الباب حديثين:



الأول: (345) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ غُنْدَرٌ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَال:َ قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: (إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ لاَ يُصَلِّي).



قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: (لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا، كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا -يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى-)



قَالَ: قُلْتُ: (فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟) قَالَ: (إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ).



الشرح:



(عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (قال): (قال أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (لعبد الله بن مسعود) رضي الله عنهما (إذا لم يجد) الجنب (الماء لا يُصلّي) ... بصيغة الغائب يجد ويصلي فيهما ...: إذا لم تجد الماء لا تصلي؛ بالخطاب فيهما فأبو موسى يخاطب عبد الله، (قال عبد الله) بن مسعود زاد في رواية...: نعم، أي: لا يصلي (لو رَخَّصتُ لهم في هذا)، أي: في جواز التيمم للجنب (كان).. (إذا وجد أحدهم البرد قال هكذا)، قال أبو موسى مفسرًا قول ابن مسعود: (يعني تيمم وصلى قال) أبو موسى: (قلت: فأين قول عمار) بن ياسر (لعمر) بن الخطاب رضي الله عنه؛ أي: قوله السابق: كنا في سفر فأجنبت فتمعكت الخ (قال)، أي: ابن مسعود رضي الله عنه: (إني) ... (لم أر عمر قنِع) بكسر النون (بقول عمار) بن ياسر، وإنما لم يقنع عمر بقول عمار؛ لأنه كان حاضرًا معه في تلك السفرة، ولم يذكر القصة فارتاب ذلك.



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ غُنْدَرٌ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَال:َ قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ).



1- (بشر بن خالد) العسكري الفرائضي، بشر بن خالد العسكري، أبو محمد الفرائضي (نزيل البصرة)، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي: (253 أو 255)هـ.



2- (محمد)، أي: ابن جعفر البصري (هو غندر) الهذلي مولاهم، أبو عبد الله البصري، وكان ربيب شعبة، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي: (293)هـ، أو (294)هـ.



3- (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكى، أبو بسطام الواسطى ثم البصرى، من الطبقة (7) من كبار أتباع التابعين، توفي: (160)هـ بـالبصرة.



4- (سليمان) الأعمش سليمان بن مهران الأسدى أبو محمد الكوفي، ولد (61)هـ، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي: (147 أو 148)هـ.



5- (أبو وائل) شقيق بن سلمة شقيق بن سلمة الأسدى، أبو وائل الكوفى، من الطبقة (2) من كبار التابعين، توفي (فى خلافة عمر بن عبد العزيز).



6- (أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري.



7- (عبد الله بن مسعود) رضي الله عنهما.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ غُنْدَرٌ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَال:َ قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ).



وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول.



الحديث الثاني في هذا الباب (346) حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ: (كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى)، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: (أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ، مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ؟) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: (لاَ يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ). فَقَالَ أَبُو مُوسَى: (فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ يَكْفِيكَ») قَالَ: (أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِك؟! فَقَالَ أَبُو مُوسَى: (فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟) فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ.



فَقَالَ: (إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا؛ لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ).



فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: (فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا؟) قَالَ (نَعَمْ!)



الشرح:



... عن شَقِيق بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: (كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى)، (فقال له) أي لابن مسعود (أبو موسى: أرأيت) أي أخبرني (يا أبا عبد الرحمن) هي كنية ابن مسعود (إذا أجنب) الرجل (فلم يجد ماء كيف يصنع)؟ وفي رواية: "إذا أجنبت فلم تجد الماء كيف تصنع" بتاء الخطاب في الثلاثة؟



(فقال عبد الله: لا يصلي حتى)، أي: لا يصلي الرجل إلى أن (يجد الماء)،... (فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يكفيك) أي مسح الوجه والكفّين؟ (قال) ابن مسعود: (ألم تر عمر لم يقنع بذلك)، زاد في رواية...: (1/378)... أي: من عمار (فقال أبو موسى) له: (فدعنا) أي اتركنا (من قول عمار) واقطع النظر عنه، (كيف تصنع بهذه الآية)، أي: قوله تعالى: {فلم يجدوا ماء فتيمموا} فانتقل في المحاجّة من دليل إلى آخر، مما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق تعجيلاً لقطع خصمه وإفحامه، (فما درى)، أي: فلم يعرف (عبد الله) بن مسعود (ما يقول) في توجيه الآية على وفق فتواه.



واستشكل ما ذهب إليه ابن مسعود كعمر رضي الله عنهما من إبطال هذه الرخصة مع ما فيها من إسقاط الصلاة عمن خوطب بها وهو مأمور بها؟!



وأجيب: بأنهما إنّما تأوّلا الملامسة في الآية، وهي قوله تعالى: {أو لامستم النساء}. (المائدة: 6)، على مماسة البشرتين من غير جماع، إذ لو أراد الجماع لكان فيه مخالفة الآية صريحة؛ لأنه تعالى قال: {وإن كنتم جنبًا فاطهروا} أي اغتسلوا ثم قال: {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} فجعل التيمم به بدلاً عن الوضوء، فلا يدل على جواز التيمم للجنب.



ولعل مجلس المناظرة بين أبي موسى وابن مسعود ما كان يقتضي تطويل المناظرة، وإلاّ فكان لابن مسعود أن يجيب أبا موسى بأن الملامسة في الآية المراد بها تلاقي البشرتين بلا جماع، كما مرّ.



والحاصل أن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما لا يريان تيمم الجنب لآية: {وإن كنتم جنبًا فاطهروا} وآية {ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}. (النساء: 43)



=أقول هذا في حال القدرة على استعمال الماء، أما في غيرها فيجوز التيمم للجنب، يدل عليه تمرغ عمار وهو جنب، وإقرار النبي له بقوله صلى الله عليه وسلم "إنما يكفيك".=



(فقال)، أي: ابن مسعود (إنّا لو رخصنا لهم في هذا)، أي: في التيمم للجنب (لأوشك) بفتح الهمزة أي قرب وأسرع (إذا برد على أحدهم الماء) بفتح الراء وضمها كذا ضبطه في الفرع كأصله، لكن قال الجوهري الفتح أشهر (أن يدعه ويتيمم).



قال الأعمش: (فقلت لشقيق) أبي وائل (فإنما كره عبد الله) بن مسعود التيمم للجنب (لهذا) أي: لأجل احتمال أن يتيمم للبرد؟ (قال) شقيق ...: (نعم) كرهه لذلك.



فوائد وأحكام:



حاصل ما دار بين الصحابة رضي الله عنهم في جواز تيمم الجنب [أَنَّ ابنَ مسعود رضي الله عنه لما أنكر التيمُّمَ من الجنابة، أورد عليه أبو موسى قِصة عمر وعمَّار رضي الله عنهما، ثم لما أجاب عنه ابن مسعود رضي الله عنه، وقال: "إن عمر رضي الله عنه لم يَقْنَع بقوله"، أورد عليه =أبو موسى رضي الله عنه= الآيةَ الدالَّةَ على التيمم من الجنابة، وحينئذ لم يَدْرِ ابنُ مسعود رضي الله عنه ما يقول، والتجأ إلى إظهار مُضْمَرِه، وصرَّح بأنَّ إنكارَه لأجل المصلحة، لا لإِنكاره التيممَ رأسًا، وانكشف به أنَّ إنكارَ عمر رضي الله عنه أيضًا كان من هذا القبيل عنده]. فيض الباري على صحيح البخاري (1/ 529).



و[فِيهِ جَوَازُ التَّيَمُّم للخائف من الْبرد.



قلت =العيني=: يجوزُ التَّيَمُّمُ للْجنب الْمُقِيم إِذا خَافَ الْبرد عِنْد أبي حنيفَة، خلافًا لصاحبيه.



وفِيهِ جَوَاز الِانْتِقَال فِي المحاجّةِ من دَلِيل إِلَى دَلِيل آخر بِمَا فِيهِ الْخلافُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الِاتِّفَاق، وَذَلِكَ جَائِز للمتناظرين عِنْد تَعْجِيل الْقطع. والإفحام للخصم...]. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (4/ 36).



رجال الإسناد:



(حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ).



1- (عمر) بضم العين (ابن حفص) بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي، أبو حفص الكوفى، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي: (222)هـ.



2- (أبوه) حفص بن غياث حفص بن غياث بن طلق بن معاوية، أبو عمر الكوفى (قاضيها، وولى القضاء ببغداد أيضا)، من الطبقة (8) من الوسطى من أتباع التابعين، توفي: (194 أو 195)هـ.



3- (الأعمش) سليمان بن مهران.



4- (شقيق بن سلمة) هو أبو وائل.



5- (عبد الله) بن مسعود (وأبي موسى) الأشعري رضي الله عنهما.



لطائف الحديث:



(حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ).



(حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى).



وفيه التحديث والسماع.



والله تعالى أعلم



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (8): باب التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ.




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة