التعليق على صحيح الإمام مسلم



المجلس رقم: (74)



قراءة وشرح وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الزعفران- 11/ 3/ 1440هـ، الموافق: 19/ 11/ 2018م



كتاب رقم: (11): كتاب الطلاق



باب رقم: (4) باب في الحرام



وقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) والاختلاف فيه



في هذا الباب في الحرام، أي: في تحريم الرجل عليه امرأته، وقوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. (التحريم: 1)



[هذا عتابٌ من الله لنبيِّه محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، حين حرّم على نفسه سُرِّيَّتَه "ماريَّة" =وهي ماريّةُ -بنت شمعون-، رضى الله عنها ...، سُرِّيّة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمُّ ابنه إبراهيم، أهداها له المقوقس ملكُ مصر. ... قدم حاطبُ بنُ أبى بلتعةَ سنة سبعٍ من عند المقوقس بماريةَ أمِّ إبراهيم ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبغلتِهِ دلدلٍ، وحمارِه يعفور، وكانت مارية بيضاءَ جعْدَةَ جميلةً، فأسلمت فتسرَّاها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانت حَسَنَةَ الدين، توفِّيَت سنةَ ستَّ عشرةَ فى خلافة عمر، ... وقيل: سنة خمسَ عشرة، ودُفِنَتْ بالبقيع. تهذيب الأسماء واللغات للنووي (2/ 354).



فهل العتاب حين حرّم ماريّة= أو =حين حرّم= شُربَ العسل؛ مراعاة لخاطر بعض زوجاته، في قصة معروفة؟



فأنزل الله تعالى هذه الآيات: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}، أي: يا أيها الذي أنْعمَ الله عليه بالنبوة والوحي والرسالة؛ {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} من الطَّيِّبات، التي أنعم الله بها عليك وعلى أمّتك؟



{تَبْتَغِيَ} بذلك التحريم {مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ؟ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} هذا تصريح بأن الله قد غفر لرسوله، ورفع عنه اللَّومَ ورَحِمه، وصار ذلك التَّحريمً الصادر منه، سببًا لشرعِ حُكْمٍ عامٍّ لجميع الأمّة، فقال تعالى حاكما حُكْمًا عامًّا في جميع الأيمان:



{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أي: قد شرع لكم، وقدَّرَ ما به تنْحَلُّ أيمانُكم قبل الحِنث، وما به الكفارةُ بعد الحنث، وذلك كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} إلى أن قال: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}. ([1])



فكلُّ مَن حَرّم حلالاً عليه، من طعام أو شرابٍ أو سُرِّيَّة، أو حلَف يمينًا بالله، على فعلٍ أو ترْك، ثم حنث أو أراد الحِنث، فعليه هذه الكفارة المذكورة، ...]. تفسير السعدي (ص: 872).



وتحت هذا الباب أورد ثلاثةَ أحاديث:



الأول: (852) عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهو يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وَلَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). (م4/ 184)، (م) (1473)، (خ) (4911).



الشرح:



عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ) ... بأن قال لها: أنت عليّ حرام، (فهو) عند ابن عباس (يَمِينٌ)، أي: قَسَمٌ على عدم قربانها، وليس بطلاق؛ لأن الأعيانَ لا توصف بذلك، =فهو يمين= (يُكَفِّرُهَا)، أي: يجب التكفير عنها بكفارة يمين، وليس بطلاق، واستدل عليه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث حرّم عليه بعض نسائه، واستدل  ابن عباس رضي الله عنهما على ما ذهب إليه بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ} صلى الله عليه وسلم {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}؛ أي: قدوة حسنة (الأحزاب: 21)، فيما حرّم وأحلّ، وفعل وترك، أشار بذلك إلى قصة مارية. انظر (الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم) (16/ 195- 197)



***



الحديث الثاني: (853) (عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، قَالَتْ: فَتَوَاطَيْتُ) -كذا الأصل، قال النووي: "هكذا هو في النسخ (فتواطيت) وأصله (فتواطأت). ومعناه توافقت، وفي (مسلم) (فتواطأت)-، =وفي البخاري (فَتَوَاصَيْتُ).=



(أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ) -هو شيء حُلْوٌ له ريحٌ كريهة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يحب الرائحة الكريهة، فلذلك ثقل عليه ما قالتا، وعزم على عدم العود.-



(فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ" فَنَزَلَ: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنْ تَتُوبَا} لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً}، لِقَوْلِهِ: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا"). (م4/ 184)، (م) 20- (1474)، (خ) (5267)، فيه اختصار، وتمامه كما في تفسير صحيح البخاري: «وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، فَلاَ تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا". (خ) (6691).



***



الحديث الثالث: (854) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ؛ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ)، أي: فتأخر عندها بسبب ما تقدمه له من عسل، (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ)، (فَسَقَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ: أَمَا وَاللهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، وَقُلْتُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا! فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ وَسَأَقُولُ ذَلِكِ لَهُ، وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ، قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أُبَادِيهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي، وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ، فَرَقًا مِنْكِ) (فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: "لَا!) قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ؟! قَالَ: "سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ"، قَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ، فَقَالَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟! قَالَ: "لَا حَاجَةَ لِي بِهِ"، قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللهِ! وَاللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ). أي: منعناه منه. (قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي). (م4/ 185)، (م) 21- (1474)، (خ) (5268)، (6972)



الحديث بزوائده وشرح بعض كلماته:



عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (كَانَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْعَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ، وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ)، (فَدَخَلَ عَلَى) (زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها)، (فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ)، أي: تأخر عنده بسبب ما تقدمه له من عسل،  [وفي حديث ابن عباس؛ أن عائشة قالت لجويرية حبشية كانت عندها، يقال لها: خضراء: (إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا يصنع)، فأخبرتها الجارية بشأن العسل].



قالت عائشة:



(فَغِرْتُ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ)، -العُكَّة: وعاء مستدير من الجلد، يُحفَظ فيه السَّمْن والعسل.-



(فَسَقَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ: أَمَا وَاللهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، فَقُلْتُ) (لِحَفْصَةَ:) وفي رواية: (سَوْدَةَ): (إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟!) -الْمَغَافِيرُ: صَمْغٌ يسيل من شَجَرٍ يُقَالُ لَهُ: الْعُرْفُطُ؛ حُلْوٌ، غير أنه كَرِيهُ الرَّائِحَةِ قَدْ تُجْرِسُهُ النَّحْلُ، أَيْ: تَأكُلُهُ.-



(فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: "لَا"، فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ؟!) (إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ)، (فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ:) ("شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ")، (فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ) -(جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ)، أي: رعت نَحلُ هذا العسل الذي شربتَه، (العرفط) وهو شجر ينضح الصمغ المعروف بالمغافير، أي: لكونها رعته وأخذت منه حصلت هذه الرائحة.-



(وَسَأَقُولُ ذَلِكِ، وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ ذَاكِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟! قَالَ: "لَا!" قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْك؟! قَالَ: "سَقَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ شَرْبَةَ عَسَلٍ"، فَقَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ)، (فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ، قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ)، (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ قَالَتْ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أُبَادِرَهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي)، وأمرتني به من أن أقول له أكلت مغافير، وأكشف الحيلة المدبرة عيله صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ، فَرَقًا مِنْكِ)، أي: خوفا من لومك وعتابك، (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ)، (فَقَالَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم:



"لَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا") (فَلَمَّا دَارَ إِلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: يَا رَسُول اللهِ، أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟! قَالَ: "لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ"، فَقَالَتْ سَوْدَةُ: وَاللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ)، أي منعناه مما يحبّه (فَقُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي) (فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُم وَاللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ* إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا})، -{صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أَيْ: مَالَتْ عَنْ الْوَاجِبِ فِي مُخَالَصَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ حُبِّ مَا يُحِبُّهُ، وَكَرَاهَةِ مَا يَكْرَهُهُ، وَوُجِدَ مِنْكُمَا مَا يُوجِبُ التَّوْبَةَ، وَهُوَ أَنَّهُمَا أَحَبَّتَا مَا كَرِهَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. تحفة الأحوذي (8/ 187)-



(لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ). (خ) (4912)، (5216) (5268)، (5431)، (5599)، (6972). (م) 20- (1474)، (س) (3795)، (د) (3714). والآيات من سورة (التحريم: 1- 4)



فوائد وأحكام:



1- [فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا، وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَمَا دَلَّتْ لَهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، فَمُرَادُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، لَا أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ أَصْلًا، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: "وَإِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا"]. سبل السلام (2/ 260)



2- [قَالَ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الصَّحِيحُ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ؛ أَنَّهَا فِي قِصَّةِ الْعَسَلِ لَا فِي قِصَّةِ مَارِيَةَ الْمَرْوِيَّةِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ، وَلَمْ تَأْتِ قِصَّةُ مَارِيَةَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ.



قَالَ النَّسَائِيُّ: إِسْنَادُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْعَسَلِ جَيِّدٌ صَحِيحٌ غَايَةٌ انْتَهَى]. تحفة الأحوذي (9/ 162).



3- [نساء النبي صلى الله عليه وسلم حزبان، فـ[عن عائشة =رضي الله عنها= أن نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كنَّ حزبين؛ أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب، وهذا يرجِّح أن زينب هي صاحبة العسل، ولذا غارت عائشة منها لكونها من غير حزبها]. شرح القسطلاني (7/ 393).



4- قول عائشة: [(قلت لها) أي لسودة: (اسكتي) لئلا يفشو ذلك فيظهر ما دبّرته ... وهذا منها على مقتضى طبيعة النساء في الغيرة، وليس بكبيرة؛ بل صغيرة معفوٌّ عنها مكفّرة]. شرح القسطلاني (8/ 141)، (10/ 112)



5- تجنُّبُ المسلمِ الروائحَ الكريهة؛ فالمغافير صمغ العُرفُط وهو [نبت كريه الرائحة فتعين يقيناً في الشريعة حسن المحافظة على النظافة من كل طريقة.



وهذا هو اللائق بالمسلم، الإسلام لا شك أنه دين الطهارة، ولذلك أوجب الغسل والوضوء وغسل النجاسات، وجعلها شرط لأعظم العبادات البدنية، ويذكر أن غسَّالَ ثيابٍ في بلاد الكفر أعلن إسلامه من غير دعوة، ما دُعي، فقيل له: ما الذي دعاك إلى الإسلام؟ قال: أنا غسّال فتأتيني ثياب المسلمين ليس لها رائحة، إن لم تكن مطيبة، فأقل الأحوال ليس لها رائحة، وثياب الكفار منتنة؛ والسبب في ذلك هو الاستنجاء، المسلمون يستنجون، والكفار لا يستنجون، فالنجاسات ملازمة لهم، وهذا من محاسن هذا الدين العظيم]. شرح سنن الترمذي- عبد الكريم الخضير



6- [وفيه من الفقه: أنّ إفشاءَ السرِّ وما تفعله المرأة مع زوجها؛ ذنبٌ ومعصيةٌ تجب التوبة منه؛ لقوله: {إن تتوبا إلى الله}. (التحريم: 4).



7- وفيه: دليل أن ترك أكل الطيبات لمعنى من معانى الدنيا لا يحل، وإن كان ورعًا وتأخيرًا لها إلى الآخرة كان محمودًا]. شرح صحيح البخاري لابن بطال (7/405، 406).



8- [القسمة التى يُقضَى بها للنساء على الرجال هى الليل دون النهار، والجماعُ كلُّه ليلاً ونهارًا، ولا يجوز أن يجامعَ امرأة في يوم أخرى.



9- وأمَّا دخول الزوج بيت من ليس يومها فمباح للرجل ذلك، وجائز له أن يأكل ويشرب في بيتها في غير يومها؛ ما لم يكن الغداءَ المعروف والعشاءَ المعروف، وليس لسائر النساء أن تمنع الزوج من غيرِ ما ذكرناه]. شرح صحيح البخاري لابن بطال (8/ 325).



10- [أَن الْغيرَة مجبولة فِي النِّسَاء طبعا، فالغيري تعذر فِي منع مَا يَقع مِنْهَا من الاحتيال فِي وَقع ضَرَر الضرة.



11- مَا فِيهِ بَيَان علو مرتبَة عَائِشَة عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى كَانَت ضَرَّتهَا تهابها وتطيعها فِي كل شَيْء تأمرها بِهِ حَتَّى فِي مثل هَذِه الْقَضِيَّة مَعَ الزَّوْج الَّذِي هُوَ أرفع النَّاس قدرا.



12- أَن عماد الْقسم اللَّيْل وَإِن النَّهَار يجوز فِيهِ الِاجْتِمَاع بِالْجَمِيعِ بِشَرْط ترك المجامعة إلاَّ مَعَ صَاحِبَة النّوبَة.



13- أَن الْأَدَب اسْتِعْمَال الْكِنَايَات فِيمَا يستحي من ذكره كَمَا فِي قَوْله فِي الحَدِيث: فيدنو مِنْهُنَّ وَالْمرَاد التَّقْبِيل والتحضين لَا مُجَرّد الدنو.



14- أَن فِيهِ فَضِيلَة الْعَسَل والحلواء لمحبة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إيَّاهُمَا.



15- أَن فِيهِ بَيَان صَبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَايَة مَا يكون وَنِهَايَة حلمه وَكَرمه الْوَاسِع]. عمدة القاري (20/ 245)



16- [(مَغَافِير)، بِفَتْح الْمِيم بعْدهَا غين مُعْجمَة: جمع مغْفُور، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: لَيْسَ فِي الْكَلَام مفعول؛ إلاَّ مغْفُور، ومغرور؛ وَهُوَ ضرب من الكمأة، ومنجور؛ وَهُوَ المنجر، ومغلوق؛ وَاحِد المغاليق، والمغفور؛ صمغ حُلْو كالناطف، وَله رَائِحَة كريهة، ينضجه شجر يُسمى العرفط؛ بِعَين مُهْملَة مَضْمُومَة وَفَاء مَضْمُومَة؛ نَبَات مرٌّ، لَهُ ورقة عريضة، تنفرش على الأَرْض، وَله شَوْكَة، وَثَمَرَة بَيْضَاء كالقطن؛ مثل زر قَمِيص، خَبِيث الرَّائِحَة]. عمدة القاري (19/ 249).



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (5): باب تخيير الرجل امرأته.




 






([1]) والآيات بتمامها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ* لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. (المائدة: 87- 89).





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة