دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري



المجلس رقم: (110)



شرح وقراءة وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



أهل السنة- 7/ 3/ 1440هـ، وفق: 15/ 11/ 2018م



كتاب رقم: (7): كتاب التيمم



باب رقم: (2): باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلاَ تُرَابًا



(بابٌ إذا لم يجد ماء) للطهارة (ولا ترابًا) للتيمم؛ بأن كان في سفينة لا يصل إلى الماء، أو مسجونًا بكنيف نجسةٌ أرضُه وجداره، =أو مسجونا مقيد اليدين والرجلين= هل يصلي أم لا؟



=وأورد تحته الحديث= (336) حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ؛ (أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلاً فَوَجَدَهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ). فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ: (جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا).



الشرح:



... (عن عائشة) رضي الله عنها؛ (أنها استعارت من) أختها (أسماءَ) ذات النطاقين (قِلادةً) بكسر القاف (فهلكت) أي ضاعت =وفقدت=، (فبعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلاً) هو أُسَيد بن حضير (فوجدها) أي القلادة، ... (فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماءٌ فصلَّوا)؛ أي: بغير وضوء، كما صرح به مسلم كالبخاري...



واستُدِلَّ به على أنَّ فاقدَ الطهورين يصلي على حاله، وهو وجه المطابقة بين الترجمة والحديث.



فكأن المصنف نزَّل فقد مشروعية التيمم منزلةَ فقد التراب بعد مشروعية التيمم، فكأنه يقول: حكمهم في عدم المطهِّر الذي هو الماء خاصة، كحكمنا في عدم المطهرين الماء والتراب.



ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين؛ لأنهم صلَّوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم الشارع عليه الصلاة والسلام.



وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور المحدثين وأكثر أصحاب مالك، ...



=فيجب فعل الصلاة= ولا يعيد، حكاه في أصل الروضة، واختاره في شرح المهذب لأنه أدَّى وظيفةَ الوقت، وإنما يجب القضاء بأمر جديد ولم (1/368) يثبت فيه شيء وهو المشهور عن أحمد، وبه قال المزني وسحنون وابن المنذر ولحديث الباب، إذ لو كانت واجبة لبينها لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة...



 (فشَكَوا ذلك) بفتح الكاف المخففة (إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنزل الله) عزّ وجلّ (آية التيمم): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} آية المائدة إلى آخرها.



(فقال أسيد بن حضير لعائشة) رضي الله عنها: (جزاك الله خيرًا فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلكِ لكِ وللمسلمين فيه خيرًا) بكسر الكاف فيهما خطابًا للمؤنث...



رواةُ الإسناد:



(حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ).



1- (زكريا بن يحيى) هو ابن صالح اللؤلؤي البلخي، المتوفى سنة ثلاثين ومائتين، ... أو هو زكريا بن يحيى بن عمر الطائي الكوفي أبو السُّكَين بضم المهملة وفتح الكاف المتوفى سنة إحدى وخمسين ومائتين.



2- (عبد الله بن نمير) بضم النون الكوفي.



3- (هشام بن عروة).



4- (أبيه) عروة بن الزبير.



5- (عن عائشة) رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ).



ورواة هذا الحديث ما بين كوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة.



***



باب رقم: (3): باب التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ



إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، وَخَافَ فَوْتَ الصَّلاَةِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ



وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْمَرِيضِ عِنْدَهُ الْمَاءُ وَلاَ يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ: يَتَيَمَّمُ، وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ الْعَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ.



(باب) حكم (التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء) أصلاً، أو كان موجودًا لكنه لا يقدر على تحصيله، كما إذا وجده في بئر وليس عنده آلة الاستقاء، أو حال بينه وبينه عدوٌّ أو سَبُعٌ (وخاف) ... (فوت) وقتِ (الصلاة) تيمَّم.



(وبه) أي بتيمم الحاضر الخائف فَوتَ الوقت عند فقد الماء (قال عطاء) هو ابن أبي رباح...



وفي شرح الطحاوي من الحنفية: التيمم في الحضر لا يجوز إلا في ثلاث: إذا خاف فوت الجنازة إن توضأ، أو فوت صلاة العيد، أو خاف الجنب من البرد بسبب الاغتسال.



(وقال الحسن) البصريُّ ... (في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله) الماء ويعينه على استعماله (يتيمّم)، بل عند الشافعية يتيمم إذا خاف من الماء محذورًا وإن وجد مُعينًا ولا يجب عليه القضاء، ...



(وأقبلَ ابن عمر) بن الخطاب ومعه نافع ... (مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ) بضم الجيم والراء وقد تسكن؛ ما تجرفه السيول وتأكله من الأرض، والمراد به هنا؛ موضع قريب من المدينة، على ثلاثة أميال منها إلى جهة الشام. وقال ابن إسحاق: على فرسخ كانوا يعسكرون به إذا أرادوا الغزو (فحضرت العصر)، أي: صلاتُها (بِمَرْبَدِ النَّعَمِ) بفتح الميم كما في الفرع، ورواه السَّفَاقُسِيُّ ([1])، والجمهور على كسرها، وهو الموافق للُّغة، وبسكون الراء وفتح الموحدة آخره مهملة؛ موضع تحبس فيه الإبل والغنم، وهو هنا على ميلين من المدينة، (فصلَّى) أي بعد أن تيمَّم، ... صلى العصر (ثم دخل المدينة والشمسُ مرتفعةٌ) عن الأفُق، (فلم يعد) أي الصلاة.



وهذا يدلُّ على أنّ ابنَ عمرَ =رضي الله عنه= كان يرى جوازَ التيمُّمَ للحاضر؛ لأن السفرَ القصير في حكم الحضَر، وظاهره أن ابن عمر لم يراعِ خروج الوقت؛ لأنه دخل المدينة والشمس مرتفعة، لكن يحتمل أنه ظنّ أنه لا يصل إلا بعد الغروب.



أو تيمم لا عن حدث، وإنما أراد تجديد الوضوء فلم يجد الماء، فاقتصر على التيمم بدل الوضوء.



وقد ذهب مالك إلى عدم وجوب الإعادة على من تيمم في الحضر، وأوجبها الشافعي لندور ذلك...



فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الترجمة وهذا؟



أُجيبَ: من كونه تيمَّم في الحضر؛ لأن السفرَ القصيرَ في حكم الحضر كما مرّ، وإن كان المؤلف لم يذكر التيمم، لكن قال العيني: الظاهر أنّ حذفَه من الناسخ واستمر الأمر عليه.



وأورد تحت هذا الباب الحديث (337) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ؛ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ)، فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ: (أَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ).



الشرح:



... عن (عمير) بضم العين مصغرًا ابن عبد الله الهاشمي (مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن (1/369) يسار) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة (مولى ميمونة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى دخلنا على أبي جُهيم بن الحارث) بالمثلثة، وجُهيم بضم الجيم وفتح الهاء بالتصغير عبد الله (ابنُ الصِّمة) بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم؛ ابن عمرو بن عتيك الخزرجي (الأنصاري، فقال أبو جهيم)...:



(أقبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نحو بئر جمل) بالجيم والميم المفتوحتين؛ موضع بقرب المدينة؛ أي: من جهة الموضع الذي يعرف ببئر الجمل، (فلقيه رجل)؛ هو أبو الجهيم الراوي،... (فسلم عليه، فلم يردَّ عليه النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالحركات الثلاث في دال يرد؛ الكسر؛ لأنه الأصل، والفتح؛ لأنه أخفّ،... والضم لاتباع الراء (حتى أقبل على الجدار) الذي هناك وكان مباحًا، فحتّه بعصًا، ثم ضرب يده على الحائط، (فمسح بوجهه ويديه) ... وللدارقطني وغيرِه: ومسح بوجهه وذراعيه، (ثم ردَّ عليه)، أي: على الرجل (السلامَ) زاد في رواية الطبراني في الأوسط، وقال: "إنه لم يمنعني أن أردّ عليك إلا أني كنت على غير طهر"؛ أي: أنه كره أن يذكر الله على غير طهارة.



قال ابن الجوزي: لأنّ السلامَ من أسماء الله تعالى؛ لكنه منسوخ بآية الوضوء، أو بحديث عائشة؛ كان عليه الصلاة والسلام يذكر الله على كل أحيانه.



قال النووي: والحديث محمولٌ على أنه عليه السلام كان عادمًا للماء حال التيمم؛ لامتناع التيمم مع القدرة سواء كان لفرض أو نفل.



قال في الفتح: وهو مقتضى صنيعِ البخاري، لكن تُعُقِّب استدلالُه به على جواز التيمم في الحضر؛ بأنه وردَ على سببٍ وهو إرادةُ ذكرِ الله، فلم يُرِدْ به استباحةَ الصلاة.



وأجيب: بأنّه لما تيمَّم في الحضر لردّ السلام مع جوازه بدون الطهارة، فمن خشي فوات الصلاة في الحضر جاز له التيمم بطريق الأولى.



واستُدِلَّ به على جواز التيمم على الحجر؛ لأن حيطان المدينة مبنيَّةٌ بحجارة سود.



وأجيب: بأن الغالب وجود الغبار على الجدار، ولا سيما وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام حتَّ الجدار بالعصا، ثم تيمم، كما في رواية الشافعي، فيحمل المطلق على المقيد.



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ).



1- (يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير؛ نسبة لجده لشهرته به، المخزومي المصري، كبار الآخذين عن تبع الأتباع، (الوفاة: 231هـ).



2- (الليث) بن سعد الإمام المصري.



3- (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل الكندي المصري. من صغار التابعين، (الوفاة: 136هـ).



4- (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، من الوسطى من التابعين، (الوفاة: 117هـ)، بـالإسكندرية.



5- (عميرًا) بضم العين مصغرًا ابن عبد الله الهاشمي، الهلالى، أبو عبد الله المدنى، مولى أم الفضل بنت الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس، من الوسطى من التابعين، (الوفاة:  104هـ) بـالمدينة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَمِائَة.



6- (عبد الله بن يسار) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة، مولى ميمونة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.



7- (أبو جهيم بن الحارث) بالمثلثة، وجهيم بضم الجيم وفتح الهاء بالتصغير؛ عبد الله بن الصمة بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم ابن عمرو بن عتيك الخزرجي الأنصاري.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ).



ورواة هذا الحديث السبعة وَفِيه: أَن نصف الْإِسْنَاد الأول مصريون، وَالنّصف الثَّانِي مدنيون، وفيه التحديث والعنعنة... وفِيه: رِوَايَة الْأَعْرَج عَنهُ =أي: عن عمير= رِوَايَة الأقران، =فكلاهما من الوسطى من التابعين.= وَفِيه: السماع وَالْقَوْل. عمدة القاري (4/ 15)



***



باب رقم: (4): باب الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا



هذا (باب) بالتنوين (المتيمم هل ينفخ فيهما؟) أي: في يديه بعدما يضرب بهما الصعيد،...



وأورد تحته الحديث (338) حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: (إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ).



فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: (أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ؛ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». (فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ).



الشرح:



 (عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى.. عن أبيه) عبد الرحمن الصحابي الخزاعي الكوفي (قال): (جاء رجل) ...: من أهل البادية (إلى عمرَ بن الخطاب) رضي الله عنه (فقال: إني أجنبت) بفتح الهمزة؛ أي صرت جنبًا، (فلم أصب الماء) بضم الهمزة من الإصابة؛ أي لم أجده، (فقال عمار بن ياسر) العنسي؛... (لعمر بن الخطاب) رضي الله عنه يا أمير المؤمنين:



(أمَا تذكر أنّا) ... (كنا في سفر)، ولمسلم: في سرية، وزاد: فأجنبنا (أنا وأنت) ... (فأمَّا أنت فلم تصلِّ)؛ أي: لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أن التيمم عن الحدث الأصغر لا الأكبر، وعمار قاسه عليه.



(وأمّا أنا فتمعكت)؛ أي: تمرّغت في التراب، كأنه لما رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، رأى أن التيمم (1/370) عن الغسل يقع على هيئة الغسل، (فصليتُ فذكرتُ ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)... (فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)...:



("إنما كان يكفيك هكذا")... (فضرب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكفّيه)... (الأرض)... (ونفخ فيهما) نفخًا تخفيفًا للتراب، وهو محمول على أنه كان كثيرًا، (ثم مسح بهما وجهه وكفّيه) إلى الرسغين.



وهذا مذهب أحمد، فلا يجب عنده المسح إلى المرفقين، ولا الضربة الثانية للكفين.



واستشكل بأنّ ما يُمَسح به وجهه يصير مستعملاً، فكيف يمسح به كفّيه؟



وأجيب؛ بأنه يمكن أن يمسح الوجه ببعض والكفّين بباقيهما...



وقضية حديث عمار؛ الاكتفاء بمسح الوجه والكفين، وهو قول قديم.



قال =النووي= في المجموع: وهو وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب، فهو القوي في الدليل، كما قال الخطابي: الاقتصار على الكفين أصح في الرواية، ووجوب الذراعين أشبه بالأصول وأصح في القياس.



ولو كان الترابُ ناعمًا كفى وضع اليد عليه من غير ضرب.



وفي الحديث: إن مسح الوجه واليدين بدل في الجنابة عن كلِّ البدن، وإنما لم يأمره بالإعادة؛ لأنه عمل أكثر مما كان يجب عليه في التيمم.



رواة الحديث:



(حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ).



1- (آدم) بن أبي إياس.



2- (شعبة) بن الحجاج.



3- (الحكم) بفتح الحاء والكاف ابن عتيبة بضم العين وفتح المثناة الفوقية وسكون التحتية وفتح الموحدة.



4- (ذر) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء ابن عبد الله الهمداني بسكون الميم.



5- (سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالزاي المفتوحة مقصورًا وسعيد بكسر العين.



6- (أبوه) عبد الرحمن الصحابي الخزاعي الكوفي.



7- (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه.



8- (عمار بن ياسر) العنسي بالنون الساكنة، وكان من السابقين الأوّلين، وهو وأبوه شهد المشاهد كلها. وقال عليه الصلاة والسلام: "مُلِئَ عَمَّارٌ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ". (س) (5007)، (جة) (147)، (حب) (7076)، انظر الصَّحِيحَة: (807).



(الـمُشَاش): هي ما أَشرفَ من عظْم المنكِب. لسان العرب (ج6/ ص346)



واستأذن عليه فقال: "مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ". (ت) (3798)، (جة) (146)، (حب) (7075)، (المشكاة) (6226)، (الصحيحة) (2/ 466)، (الروض) (702). وقال: "مَنْ عَادَى عَمَّارًا عَادَاهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَّارًا أَبْغَضَهُ اللهُ". (حم) (16814)، (حب) (7081)، (ن) (8269)، (ش) (32252)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (6386)، وهداية الرواة: (6208)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح. له في البخاري أربعة أحاديث منها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ).



ورواة هذا الحديث الثمانية ما بين خراساني وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وثلاثة من الصحابة.



***



باب رقم: (5): بابٌ التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ



هذا (بابٌ) بالتنوين (التيممُ للوجه والكفّين) التيمم للوجه مبتدأ، والكفين عطف على الوجه، والخبر محذوف قدّره الحافظ ابن حجر بقوله: هو الواجب المجزئ...



وأورد تحته خمسة أحاديث؛



الحديث الأول: (339) حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا، وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ الْحَكَم:ُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ: عَمَّارٌ.



الشرح:



... (عن عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة والزاي المعجمة بينهما موحدة ساكنة ... (قال عمار بهذا) إشارة إلى سياق المتن السابق من رواية آدم عن شعبة، لكن ليس في رواية حجاج هذه قصةُ عمر، قال حجاج: (وضربَ شعبة) بن الحجاج (بيديه الأرض ثم أدناهما) أي: قرّبهما (من فيه)؛ كناية عن النفخ، وفيه إشارة إلى أنه كان نفخًا خفيفًا، (ثم مسح وجهه) ... (وكفيه) أي: إلى الرسغين أو إلى المرفقين.



(وقال النضر) بالنون والضاد المعجمة ابن شميل ...: (أخبرنا شعبة) هو ابن الحجاج المذكور (عن الحكم) بن عتيبة (قال): (سمعت ذرًّا يقول) في السابقة عن ذرِّ فصرح في هذه (1/371) بالسماع، (عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، قال الحكم) بن عتيبة المذكور: (وقد سمعته من ابن عبد الرحمن عن أبيه) عبد الرحمن، ... وأفادت هذه أن الحكم سمعه من شيخ شيخه؛ سعيدِ بن عبد الرحمن.



قال في الفتح: والظاهر أنه سمعه من ذرٍّ عن سعيد، ثم لقي سعيدًا فأخذه عنه، وكأنه سماعه له من ذر كان أتقن، ولهذا أكثر ما يجيء في الروايات بإثباته. اهـ.



(قال) عبد الرحمن بن أبزى: (قال عمار) أي ابن ياسر: (الصعيد الطيب) أي التراب الطاهر (وضوء المسلم يكفيه) أي يجزيه (من الماء) عند عدمه.



قال الشافعي: الصعيد لا يقع إلا على تراب له غبار، وفي معناه الرمل إذا ارتفع له غبار، فيكفي التيمم به إذا لم يلصق بالعضو، بخلاف ما لا غبار له، أو له غبار لكنه يلصق بالعضو.



الحديث الثاني:



(340) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ، وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا، وَقَالَ: تَفَلَ فِيهِمَا.



الشرح:



... (عن عبد الرحمن بن أبزى)، (أنه شهد) أي حضر (عمر) بن الخطاب رضي الله عنه، (وقال له عمار) هو ابن ياسر (كنا في سرية فأجنبنا) أي صرنا جُنُبًا الحديث السابق. (وقال) مكان نفخ فيهما: (تفل فيهما) أي في يديه، قال الجوهري: والتفل شبيه بالبزاق، وهو أقل منه، أوله البزاق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ.



الحديث الثالث:



(341) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: (تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ»).



الشرح:



...(عن عبد الرحمن) بن أبزى،... (قال): (قال عمار لعمر) رضي الله عنهما: (تمعكت)، أي: تمرّغت (فأتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فذكرت ذلك له، (فقال: "يكفيك")، أي: لكل فريضة واحدة تيممت لها، وما شئت من النوافل، أو في كل الصلوات؛ فرضِها ونفلها ("الوجهُ") بالرفع على الفاعلية، ("والكفّان")، عطف عليه... قيل: وروي الوجه والكفّين بالجر فيهما...



ومعنى الحديث؛ يكفيك مسح الوجه والكفّين في التيمم، ومفهومه؛ أن ما زاد على الكفين ليس بفرض، وإليه ذهب الإمام أحمد كما مرّ، وحكي عن الشافعي في القديم وهو القوي من جهة الدليل...(1/372)



...ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفّين؛ كون عمار كان يفتي به بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد. اهـ.



الحديث الرابع:



(342) حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: (شَهِدْتُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ). وَسَاقَ الْحَدِيثَ.



... (عن عبد الرحمن) بن أبزى (قال): (شهدت)، أي: حضرت (عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (فقال) بفاء العطف، ... (له عمار وساق الحديث) المذكور قريبًا، قال للعهد.



الحديث الخامس:



(343) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: (فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ).



الشرح:



... (عن عبد الرحمن بن أبزى...): (قال عمار: فضرب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه).



رواة أسانيد هذا الباب ولطائفها:



339- حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمَّارٌ:



340 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ:



341 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ



342 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ



343 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ:



=فشيوخ البخاري في هذا الباب هم: 1- حَجَّاجٌ، 2- سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، 3- مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، 4- مُسْلِمٌ، هؤلاء كلهم رَووا عن شعبة، أمّا الخامس فرواه بواسطة، وهو 5- مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ.



فالـ[سِتَّة مَشَايِخ كلهم عَن شبعة، ثَلَاثَة مِنْهَا مَوْقُوفَة، وَثَلَاثَة مَرْفُوعَة]. عمدة القاري (4/ 20)=



وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في هذا الباب من رواية ستة أنفس، وبينه وبين شعبة بن الحجاج في هذه الطريق الأخيرة اثنان، وفي الطرق الخمسة السابقة واحد ولم يسقه تامًّا من رواية واحد منهم، ولم يذكر جواب عمر رضي الله عنه وليس ذلك من المؤلف، فقد أخرجه البيهقي من طريق آدم كذلك. نعم ذكر جوابه مسلم من طريق يحيى بن سعيد والنسائي من طريق حجاج بن محمد كلاهما عن شعبة ولفظهما فقال: لا تصل. زاد السراج: حتى تجد الماء، وهذا مذهب مشهور عن عمر وافقه عليه ابن مسعود، وجرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود تأتي إن شاء الله تعالى في باب التيمم ضربة.



فوائد وأحكام:



1- استدل به من ذهب إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين جميعا.



2- استدل به أبو حنيفة على جواز التيمم من الصخرة التي لا غبار عليها؛ لأنه لو كان معتبرا لم ينفخ في يديه.



3- فيه جواز الاجتهاد في زمن النبي عليه السلام، فإن عمارا رضي الله عنه اجتهد في صفة التيمم.



4- أن التيمم كما يجوز عند الحدث الأصغر، فكذلك يجوز عند الحدث الأكبر.



5- عدم جوازه بغير ما كان من جنس الأرض، ويجوز بكلِّ ما كان من جنس الأرض حتى بالغبار.



وقال أبو عمر: أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز.



وعند مالك؛ يجوز بالتراب، والرمل، وبالحشيش، والشجر، والثلج، والمطبوخِ كالجَصّ والآجرُّ.



وقال الثوري والأوزاعي: يجوز بكل ما كان على الأرض حتى الشجر والثلج والجلد.



ونقل النقاش عن ابن عُليَّة وابن كيسان جوازه بالمسك والزّعفران.



6- أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة للذراعين.



7- أن الجنب إذا تيمم وصلى، ثم وجد الماء يغتسل، فإن ذلك يرفع تيممه، =ولا يعيد=.



8- أن الواجب في التيمم مسحُ الوجه والكفين، وما زاد على الكفين ليس بفرض كما علم، ...



9- فيه دليلٌ على تيمم الجُنُبِ، وهو مذهب الفقهاء.



10- فيه المباحثة والمناظرة في المسائل الشرعية، واستعمال الصحابة لذلك على الوجه الذي كانوا يفعلونه؛ ففيه دليلٌ على جواز مثل ذلك في مسائل الأحكام، لكن قد ينضم إليه ما يمنعه؛ كالـمِراء، والمجادلة بالباطل، وتقويةِ الإنسان لما يعتقده باطلاً، وخروجِهِ متحيِّلاً بامتناع الكلامِ المجاز عمّا إذا راجع نفسه، عُلِمَ أنه خلافُ المقصودِ من اللفظِ، إلى ما ينضافُ إليه من أمور أُخَرَ؛ كالأدنى قولاً وفعلاً، واستحقار المرء المسلمِ؛ فهذه كلُّها عوارضُ توجب المنع، وإنما المقصود: إثباتُ أصلِ المناظرة، والسؤال، والجواب.



11- فيه دليلٌ على أن التوقف لأجل الرِّيبة إذا لم تَزُلْ، وجب العمل بظاهر الحال، وما يقتضيه الموجبُ لذلك، وهذا من قول عمر رضي الله عنه: (نولِّيك ما تولَّيت)، وقد نصَّ الفقهاء على ذلك في باب القضاء، أعني: أن الحاكمَ يتوقف لأجل الريبةِ، فإن لم تَزُلْ أمضى الحكم بمقتضى البينة، وهذا ينبغي أن يُجعَل أصلاً فيه.



12- الحديثُ يدل على النَّفضِ للتراب بعد الضَّرب عليه وقبل المسح، وقيل: يَستدلُّ به من لا يرى اشتراطَ نقلِ شيءٍ إلى العضو الممسوحِ؛ لأنه بَعْدَ نفضِهِ وعدمِ تشبُّثهِ بالعضو المضروبِ، لا يبقى منه، أو لا يكادُ يبقى منه شيء.



13- أنّ مَسْحَ الوجه واليدين كافٍ للجُنُب، كما كان يكفي للمُحْدِث، فمَسْحُ الوجه واليدين بالتراب؛



تارةً يكون بدلاً عن غسل أعضاء الوضوء في حق المحدث.



وتارة يكون بدلاً عن غسل جميعِ البدنِ في حق الجنب، والحائضِ، والميِّتِ، عند العجز عن استعمال الماء؛ لعُدْمٍ، أو مرضٍ يُخاف منه الهلاكُ، وزيادةُ المرضِ.



وتارة يكون بدلاً عن غسل لَمْعةٍ من بدنه؛ بأن كان على عضو من أعضاءِ طهارته جُرْحٌ، يُخاف من إيصالِ الماء إليه الهلاكُ، أو تلفُ العضو، أو زيادةُ الوجعِ، فعليه أن يغسل الصحيح من أعضائه، ويتيمم بالتراب على الوجه واليدين، بدلًا عن غَسْل موضعِ الجُرْحِ.



14- وفيه أن المتأوِّلَ المجتهدَ لا إعادةَ عليه؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر عماراً بالإعادة، وإن كان خَطَّأ اجتهادَه؛ لأنه إنما تَرك هيئة الطهارة، وقد جاء بها على غير هيئتها، بأكمل مما يلزمه.



راجع (نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار) (2/ 422- 436)، (كشف اللثام شرح عمدة الأحكام) (1/ 477)، (شرح الإلمام بأحاديث الأحكام) (5/ 39- 48).



والله تعالى أعلم



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (6): باب الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ.




 






([1]) [السفاقسي: بفتح أوله والفاء وضم القاف ومهملة إلى سفاقس مدينة بنواحي إفريقية]. لب اللباب في تحريرالأنساب للسيوطي، (ص: 137).





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة