دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري



المجلس رقم: (106)



شرح وقراءة وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



أهل السنة- 9/ 2/ 1440هـ، وفق: 18/ 10/ 2018م



كتاب رقم: (6): كتاب الحيض



باب رقم: (19): باب إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ



وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: (لاَ تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ)، تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ. وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ (أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ؛ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ)، فَقَالَتْ: (مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا). وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ.



(بابُ إقبال المحيض وإدباره وكنَّ نساءٌ) بالرفع بدلٌ من ضمير كنَّ، على لغة أكلوني البراغيث، وفائدةُ ذكره بعد أن عُلِم من لفظ: كنّ؛ إشارة إلى التنويع، والتنوين يدل عليه، أي كان ذلك من بعضهن لا من كلِّهنَّ (يبعثن إلى عائشة) رضي الله عنها (بالدُّرجة) ... بضم أوّله وسكون ثانيه في قول ابن قُرْقُول، ([1]) وبه ضبطه ابن عبد البرّ في الموطأ، ... وهي وعاء أو خرقة (فيها الكُرْسُفُ) بضم الكاف وإسكان الراء وضم السين آخره فاء؛ أي: القطن (فيه)، أي: في القطن (الصفرةُ) الحاصلة من أثر دم الحيض بعد وضع ذلك في الفرج؛ لاختبار الطهر، وإنما اختير القطنُ لبياضه، ولأنه ينشِّف الرطوبة، فيظهر فيه من آثار الدم ما لم يظهر في غيره.



(فتقول) عائشة لهنَّ: (لا تعجلْنَ حتى تَرَيْنَ) بسكون اللام والمثناة التحتية (القَصَّةَ البيضاءَ؛ تريد بذلك الطهرَ من الحيضة) بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة؛ ماءٌ أبيضُ يكون آخرَ الحيضِ، يتبين به نقاءُ الرحم تشبيهًا بالجصِّ؛ وهو النَّورة، ومنه قَصَّصَ داره أي جَصَّصَها. وقال الهروي: معناه أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقيًّا كالقصة، كأنه ذهب إلى الجفوف.



قال القاضي عياض: وبينهما عند النساء وأهل المعرفة فرق بيِّن، انتهى.



قال في المصابيح: وسببه أنَّ الجفوفَ عدمٌ، والقصَّةُ وجود، والوجود أبلغ دَلالة، وكيف لا! والرحم قد يجفُّ في أثناء الحيض، وقد تُنَظِّف الحائضُ فيجفُّ رحمها ساعة، والقَصَّة لا تكون إلا طهرًا انتهى.



وفيه دَلالة على أنَّ الصفرةَ والكدرة في أيام الحيض حَيضٌ.



وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ من حديث علقمة بن أبي علقمة المدنيِّ عن أمِّه مرجانة مولاة عائشة، وقد عُلِم أن إقبالَ المحيض يكون بالدفعة من الدم، وإدبارَه بالقَصة أو بالجفاف.



(وبلغ ابنة) ... (زيد بن ثابت) هي أم كلثومٍ؛ زوجُ سالم بن عبد الله بن عمر، أو أختها أمُّ سعد، والأول اختاره الحافظ ابن حجر؛ (أن نساءً) من الصحابيات (يدعون بالمصابيح) أي يطلبنها (من جوف الليل ينظرن إلى) ما يدل على (الطهر، فقالت: ما كان النساء يصنعن هذا، وعابت عليهن) ذلك لكون الليل لا يتبين فيه البياض الخالص من غيره، فيحسبن أنهم طهرن وليس كذلك فيصلين قبل الطهر.



=وأورد تحته الحديث= (320) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي».



الشرح:



 (عن عائشة) رضي الله عنها؛ (أن فاطمة بنت أبي حبيش) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة آخره معجمة (كانت تُستحاض) بضم التاء مبنيًّا للمفعول (فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "ذلكِ") بكسر الكاف ("عرق") بكسر العين وسكون الراء؛ يسمى العاذل ("ليست بالحيضة") بفتح الحاء وقد تكسر ("فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي") لا يقتضي تكرار الاغتسال لكل صلاة؛ بل يكفي غُسلٌ واحد، لا يقال: إنه معارَض باغتسال أم حبيبة؛ لكل صلاة؛ لأنه أجيب بأنه إمّا لأنّها كانت ممن يجب عليها ذلك لاحتمال الانقطاع عند كل صلاة، أو كانت متطوّعة به وبهذا نص الشافعي.



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ).



1- (عبد الله بن محمد) بن عبد الله بن جعفر الجعفى، أبو جعفر البخارى، المعروف بالمسندى سمى بذلك لأنه كان يطلب المسندات.



2- (سفيان) بن عيينة الكوفي.



3- (هشام) أي ابن عروة، المدني.



4- (أبوه) عروة بن الزبير، المدني.



5- (عائشة) رضي الله عنها، (أن فاطمة بنت أبي حبيش) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة آخره معجمة.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ).



رواة الحديث ما بين بخاري وكوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة.



***



باب رقم: (20): بابٌ لاَ تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلاَةَ



وَقَالَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تَدَعُ الصَّلاَةَ".



هذا (باب) بالتنوين (لا تقضي الحائض الصلاة. وقال جابر) ...: بن عبد الله ... (وأبو سعيد) الخدري رضي الله عنه ... (عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تدع") الحائض ("الصلاة")، وترك الصلاة يستلزم عدمَ قضائها؛ لأنّ (1/358) الشارع أمر بالترك، ومتروكه لا يجب فعله، فلا يجب قضاؤه.



=وأورد تحت هذا الباب الحديث= (321) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: (أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلاَتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟!) فَقَالَتْ: (أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟! كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلاَ يَأْمُرُنَا بِهِ). أَوْ قَالَتْ: (فَلاَ نَفْعَلُهُ).



الشرح:



عن (معاذة) ... بنت عبد الله العدوية؛ (أن امرأة) ... وهي معاذةُ نفسها (قالت لعائشة) رضي الله عنها: (أتَجْزي) بفتح الهمزة والمثناة الفوقية وكسر الزاي آخره مثناة تحتية من غير همز؛ أي أتقضي (إحدانا صلاتَها) التي لم تصلها زمن الحيض، وصلاتها نصب على المفعولية، (إذا طَهُرت؟) بفتح الطاء وضم الهاء.



(فقالت) عائشة: (أحرورية أنت؟) بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى المخففة، نسبةً إلى حروراء؛ قرية بقرب الكوفة، كان أوّلُ اجتماعِ الخوارج بها؛ أي أخارجيّةٌ أنت؟ لأن طائفةً من الخوارج يوجبون على الحائض قضاءَ الصلاةِ الفائتةِ زمنَ الحيض، وهو خلاف الإجماع، فالهمزة للاستفهام الإنكاري.



وزاد في رواية مسلم (م) 69- (335) عن عاصم عن معاذة؛ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. ... أي ولكني أسال سؤالاً لمجرد طلب العلم لا للتعنت.



فقالت عائشة: (كنا) ... (نحيض مع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أي مع وجوده، أو عهده؛ أي فكان يطلع على حالنا في الترك، (فلا) ... (يأمرنا به)؛ أي بالقضاء؛ لأن التقدير على ترك الواجب غير جائز، (أو قالت) أي معاذة: (فلا نفعله)، وفرق بين الصلاة والصوم؛ بتكررها فلم يجب قضاؤها للحرج بخلافه، =أي بخلاف الصوم= وخطابها بقضائه بأمر جديد لا بكونها خوطبت به أوّلاً.



نعم! استُثْنِى من نفي قضاء الصلاة ركعتا الطواف.



=وفيه أن الحائض لا تقضي الصلاة، ولكنها تقضي الصوم=.



رجال الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ).



1- (موسى بن إسماعيل) التبوذكي.



2- (همَّام) بالتشديد؛ ابن يحيى بن دينار العَوْذي، المتوفى سنة ثلاث وستين ومائة.



3- (قتادة) الأكمه المفسر.



4- (معاذة) بضم الميم وفتح العين المهملة والذال المعجمة بنت عبد الله العدوية.



5- (عائشة) رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ).



ورواة هذا الحديث كلهم بصريُّون، وفيه التحديث بالإفراد والجمع...



***



باب رقم: (21): باب النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ وَهْيَ فِي ثِيَابِهَا



(باب النوم مع الحائض وهي) أي والحال أنها (في ثيابها) المعدَّة لحيضها.



=وأخرج تحته الحديث= (322) حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: (حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا)، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ("أَنُفِسْتِ؟") قُلْتُ: (نَعَمْ). فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ. قَالَتْ: وَحَدَّثَتْنِي؛ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ. وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ).



الشرح:



... ثبت (أنّ أم سلمة) هند رضي الله عنها (قالت):



(حضت وأنا مع النبي) ... (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخميلة) أي القطيفة (فانسللت فخرجت منها فأخذت ثياب حِيضتي) بكسر الحاء (فلبستها، فقال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنُفِسْتِ؟") بضم النون وكسر الفاء... (قلت: نعم!) نفست، (فدعاني فأدخلني معه في الخميلة) هي الخميلة الأولى؛ لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة تكون عين الأولى.



(قالت) أي زينب مما هو داخل تحت الإسناد الأول: (وحدّثتني) عطف على قالت الأولى، أو عطف جملة كما في {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ}. (البقرة: 35)، أي وليسكن زوجك، (أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقبِّلُها وهو صائم، وكنت) أي وحدّثتني أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقبلها وهو صائم وبقولها: (كنت أغتسل أنا والنبيُّ) ... (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالرفع ... عطفًا على الضمير، أو بالنصب مفعولاً معه أي أغتسل معه (من إناء واحد من الجنابة) و"مِن" في قوله: "من إناء" و"من الجنابة" يتعلقان بقوله: "أغتسل"، ولا يمتنع هذا؛ لأنها في الأوّل من عين وهو الإناء، وفي الثاني من معنى وهو الجنابة، وإنما الممتنع إذا كان الابتداء من شيئين هما من جنس واحد كزمانين، نحو: رأيته من شهر من سنة، أو مكانين نحو: خرجت من البصرة من الكوفة.



=والحديث فيه جواز النوم من الزوجة وهي متحفظة في ثياب حيضها.



قال ابن رجب الحنبلي: [جواز نوم الرجل معَ امرأته وهي حائض في ثياب حيضها في لحاف واحد...



ويختصُّ هَذا الباب: بأن ثياب الحائض -وإن كانت مختصةً بحال حيضها- فلا يجب اتقاؤها والتنزُّهُ عَن ملابستها، وأنه لا تُنجِّس ما أصابها مِن جسد الرجل أو ثيابه، ولا يُغسل مِن ذَلِكَ شيئاً ما لَم ير فيه دماً]. فتح الباري لابن رجب (2/136،  137)=



رجال الإسناد:



(حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ).



1- (سعد بن حفص) بسكون العين، الكوفي الطلْحي، أبو محمد المعروف بالضخم.



2- (شيبان) النحوي، ابن عبد الرحمن التميمى، أبو معاوية البصرى المؤدب.



3- (يحيى) بن أبي كثير، الطائى مولاهم، أبو نصر اليمامى.



4- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، المدنى.



5- (زينب بنت أبي سلمة).



6- (أم سلمة) أم المؤمنين؛ هند رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ).



رواته ما بين كوفي وبصري ومدني، ويمامي، وفيه التحديث والعنعنة، ورواية صحابية عن أمها صحابية، وفيه اثنان من التابعين، يحيى عن أبي سلمة.



***



باب رقم: (22): باب مَنِ اتَّخَذَ ثِيَابَ الْحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ



(باب من اتخذ)... أي من أخذ، أو اتخذ، أو أعدّ من النساء (ثيابَ الحيض سوى ثياب الطهر).



=وأخرج تحته الحديث= (323) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: (بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي)، فَقَالَ: ("أَنُفِسْتِ؟") فَقُلْتُ: (نَعَمْ، فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ).



الشرح:



 (1/359) (عن أم سلمة) أم المؤمنين رضي الله عنها (قالت): (بينا أنا مع النبي) ... (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كوني (مضطجعة في خميلة) ... (حضت فانسللت) منها (فأخذت ثياب حِيضتي) بكسر الحاء، ... خرق الحيضة وحفاظها، فكَنَّت بالثياب تجملاً وتأدّبًا (فقال) عليه الصلاة والسلام: (أنُفِست) بضم النون ...، ... (فقلت) ...: (نعم) نفست، (فدعاني) عليه الصلاة والسلام (فاضطجعت معه في الخميلة).



=فوائد وأحكام:



1- الحديث فيه اتخاذ النساء ثيابا للحيض غير ثياب الطهر.



2- [ظاهر حديث أم سلمة هَذا: يدل على أنَّهُ كانَ لها ثيابٌ لحيضها غيرَ ثياب طهرها، فيكون هَذا كلُّه جائزاً غير ممنوع منهُ ولا مكروه، فلا يكره أن تحيضَ المرأةُ وتطهر في ثوب واحد وتصلي فيهِ، ولا =مانع= أنْ تتخذ لحيضها ثياباً غيرَ ثياب طهرها، ولا يعد ذَلِكَ سَرَفاً ولا وسواساً]. فتح الباري لابن رجب (2/ 138).=



رجال الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ).



1- (معاذ بن فَضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة؛ أبو زيد الزهراني البصري.



2- (هشام) بن أبى عبد الله؛ سنبر الدستوائى، أبو بكر البصرى.



3- (يحيى) بن أبي كثير، الطائى مولاهم، أبو نصر اليمامى.



4- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، المدنى.



5- (زينب بنت أبي سلمة).



6- (أم سلمة) أم المؤمنين رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ).



رواته ما بين بصري ويمامي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة، ورواية صحابية عن أمها صحابية، وفيه اثنان من التابعين، يحيى عن أبي سلمة.



***



باب رقم: (23): باب شُهُودِ الْحَائِضِ الْعِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى



(باب شهود الحائض) أي حضورها يوم (العيدين ودعوة المسلمين)؛ كالاستسقاء (ويعتزلن)؛ أي حال كونهن يعتزلن، ... (المصلى)؛ تنزيهًا وصيانة واحترازًا عن مخالطة الرجال من غير حاجة ولا صلاة، وإنما =لا= يحرم؛ لأنه ليس مسجدًا، وجمع الضمير مع رجوعه لمفرد؛ لإرادة الجنس كما في {سامرًا تهجرون}.



=وأورد تحته الحديث= (324) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: (كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا -وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَىْ عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ-) قَالَتْ: (كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لاَ تَخْرُجَ؟) قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ».



فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْتُهَا: (أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟) قَالَتْ: (بِأَبِي نَعَمْ!) -وَكَانَتْ لاَ تَذْكُرُهُ إِلاَّ قَالَتْ "بِأَبِي"- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «تَخْرُجُ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ -أَوِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ- وَالْحُيَّضُ، وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى».



قَالَتْ حَفْصَةُ: (فَقُلْتُ: الْحُيَّضُ؟!) فَقَالَتْ: (أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا؟!).



الشرح:



 (عن حفصة) بنت سيرين الأنصارية البصرية أخت محمد بن سيرين أنها (قالت):



(كنا نمنع عواتقنا) جمع عاتق؛ وهي من بلغت الحلم أو قاربته، واستحقت التزويج، فعتقت عن قهر أبويها، أو =العاتق= الكريمةُ على أهلها، أو التي عتقت من الصبا، والاستعانة بها في مهنة أهلها، (أَنْ يخرجن) إلى المصلى (في العيدين، فقدمت امرأة) لم تُسَمَّ (فنزلت قصر بني خلف) كان بالبصرة، منسوب إلى خلف جدِّ طلحةَ بنِ عبد الله بنِ خلف، وهو طلحة الطلحات، (فحدثت عن أختها) قيل: هي أم عطية، ... (وكان زوجُ أختِها) لم يسمَّ أيضًا (غزا مع النبي) ... (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثنتي عشرة) ...: غزوة، قالت المرأة:



(وكانت أُختي معه) أي مع زوجها، أو مع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (في ستٍّ) أي ستِّ غزوات، وفي الطبراني؛ أنها غزت معه سبعًا (قالت) أي الأخت لا المرأة:



(كنَّا) بلفظ الجمع؛ لبيان فائدة حضور النساء الغزوات على سبيل العموم، (نداوي الكَلْمَى) بفتح الكاف وسكون اللام وفتح الميم أي الجرحى، =جمع كَلِيم=، (ونقوم على المرضى، فسألَت أختي النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعَلَى إحدانا بأسٌ) أي حرجٌ وإثم (إذا) ... (لم يكن لها جلباب) بكسر الجيم وسكون اللام وبموحدتين بينهما ألف؛ أي خمار واسع كالملحفة تغطي به المرأة، رأسها وظهرها، أو القميص، (أن لا تخرج) أي لئلاّ تخرج، وأن مصدرية؛ أي لعدم خروجها إلى المصلى للعيد.



(قال) عليه الصلاة والسلام: ("لتلبسْها") بالجزم وفاعله ("صاحبتها")، وفي رواية: "فتلبسُها" بالرفع وبالفاء بدل اللام، ("من جلبابها") أي لتُعِرْها من ثيابها ما لا تحتاج المعيرة إليه، أو تُشْركْها في لبس الثوب الذي عليها، وهو مبنيٌّ على أن الثوب يكون واسعًا وفيه نظر، أو هو على سبيل المبالغة أي يخرجن، ولو كانت اثنتان في ثوب واحد.



("ولتشهد الخير")؛ أي ولتحضر مجالس الخير؛ كسماع الحديث والعلم، وعيادة المريض ونحو ذلك.



("ودعوة المسلمين") كالاجتماع لصلاة الاستسقاء، ...: ودعوة المؤمنين.



قالت حفصة: (فلما قدمتْ أمُّ عطية) نُسَيبة بنت الحرث، أو بنت كعب (سألتُها: أسمعتِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول المذكور؟



(قالت: بأبي) بهمزة وموحدة مكسورة ثم مثناة تحتية ساكنة، ... أي فديته، أو هو مفديٌّ بأبي، وحذف المتعلق تخفيفًا (1/360) لكثرة الاستعمال، وفي الطبراني: بأبي هو وأمي، (نعم!) سمعته، (وكانت لا تذكره) أي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إلا قالت: بأبي) أي أفديه أو مفديٌّ بأبي (سمعته) حال كونه (يقول: "تخرج") أي لتخرج ("العواتق") فهو خبر متضمن للأمر؛ لأن أخبار الشارع عن الحكم الشرعي متضمِّنٌ للطلب، لكنه هنا للندب لدليل آخر، ("وذوات الخدور") بواوي العطف والجمع... وإثبات واو الجمع صفة للعوائق،...



والخدور بضم الخاء المعجمة والدال المهملة؛ جمع خِدْر وهو السّتر في جانب البيت، أو البيت نفسه، ("أو العواتق ذوات الخدور") ... ("والحيض") بضم الحاء وتشديد الياء؛ جمع حائض وهو معطوف على العواتق،



("وليشهدن") ... ("الخير") عطف على تخرج، المتضمن للأمر كما سبق؛ أي: لتخرج العواتق ويشهدن الخير.



("ودعوة المؤمنين ويعتزل الحيض المصلى")؛ أي فيكن فيمن يدعو ويؤمِّن رجاء بركة المشهد الكريم، ("ويعتزلُ") بضم اللام خبر بمعنى الأمر كما في السابق، وخَصَّ أصحابنا =الشافعية= من هذا العموم غيرَ ذاتِ الهيئات والمستحسنات، أما هنُّ فيمنعنَ؛ لأن الـمَفسدة إذ ذاك كانت مأمونة بخلافها الآن، وقد قالت عائشة في الصحيح: "لو رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل"، وبه قال مالك وأبو يوسف.



(قالت حفصة: فقلت) لأم عطية: (آلحُيَّضُ؟!) بهمزة ممدودة؛ على الاستفهام التعجبي من إخبارها بشهود الحيض.



(فقالت) أم عطية: (أليس) الحائض (تشهد) واسم ليس ضمير الشأن ... (عرفةَ) أي يومها (وكذا وكذا) أي نحو المزدلفة ومنى وصلاة الاستسقاء.



=فوائد وأحكام:



1- الحديث فيه جواز أو استحباب شهود الحائض العيد مع المسلمين وتعتزل المصلى.



2- [الحديث دال على خروج النساء إلى صلاة العيد، واستثنى أصحابنا من ذلك ذوات الهيئات والمستحسنات، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة بخلاف اليوم، فقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل)...



3- منع الحائض المصلى للتنزيه والصيانة، والخلطةِ بالرجال من غير حاجة،...



4- فيه جواز استعارة الثياب للخروج إلى الطاعات،



5- وغزوُ النساء المتجالاَّت ومداواتُهن لغير ذوي المحارم،



6- وقبول خبر المرأة،



7- وجواز النقل عما لا يعرف اسمه من الصحابة خاصة إذا بين مسكنه ودلّ عليه،...]. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (5/ 118).



8- وفيه [أَن الْحَائِض لَا تهجر ذكر الله تَعَالَى.



9- وَمِنْهَا: مَا قَالَه الخطابي: أَنَّهُنَّ يشهدن مَوَاطِن الْخَيْر ومجالس الْعلم، خلا أَنَّهُنَّ لَا يدخلن الْمَسَاجِد...



10- وَمِنْهَا: أَن فِي قَوْلهَا: كُنَّا نداوي، جَوَازَ نقل الْأَعْمَال الَّتِي كَانَت فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِن كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يخبر بِشَيْء من ذَلِك]. عمدة القاري (3/ 305)=



رجال الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ).



1- (محمد) ...: بن سلام، وهو بتخفيف اللام البيكندي.



2- (عبد الوهاب) الثقفي.



3- (أيوب) السختياني.



4- (حفصة) بنت سيرين الأنصارية البصرية أخت محمد بن سيرين.



5- أم عطية الأنصارية.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ).



ورواة هذا الحديث بين بخاري وبصري ومدني، وفيه التحديث والعنعنة، والقول والسؤال والسماع، ...



وفي الدرس القادم؛ الباب رقم: (24): باب إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلاَثَ حِيَضٍ.



والله تعالى أعلم









([1]) [ابن قرقول - بضم القافين - وهو أبو إسحاق صاحب "مطالع الأنوار"]، تهذيب الأسماء واللغات (3/ 13)



[صَاحب التواليف أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن إِبْرَاهِيم ابْن قرقول الحمزي المريي الْحَافِظ، مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة]، توضيح المشتبه (2/ 423).





 




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة