دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري



المجلس رقم: (104)



شرح وقراءة وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



أهل السنة- 24/ 1/ 1440هـ، وفق: 4/ 10/ 2018م



كتاب رقم: (6): كتاب الحيض



باب رقم: (11): باب هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ؟



هذا (باب) بالتنوين (هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه).



312- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: (مَا كَانَ لإِحْدَانَا إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، قَالَتْ بِرِيقِهَا؛ فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا).



الشرح:



... (عن مجاهد) ... قالت (عائشة) رضي الله عنها:



(ما كان لإحدانا) أي من أمهات المؤمنين، =أي ما كان لكل واحدة منّا= (إلا ثوبٌ واحدٌ تحيض فيه) النفي عام لكلِّهنّ؛ لأنَّه نكرةُ في سياق النفي؛ لأنّه لو كان (1/351) لواحدة ثوب لم يصدق النفي، ويجمع بين هذا وبين حديث أم سلمة السابق في باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها، الدالِّ على أنّه كان لها ثوب مختصٌّ بالحيض، أنَّ حديث عائشةَ هذا محمول على ما كان في أوّل الأمر، وحديثُ أم سلمة محمول على ما كان بعد اتساع الحال.



ويحتمل أن يكون مرادُ عائشة بقولها: ثوبٌ واحدٌ مختصٌّ بالحيضِ، وليس في سياقها ما ينفي أن يكون لها غيرُه في زمن الطهر، فيوافقُ حديثَ أم سلمة قاله في فتح الباري، (فإذا أصابه) أي الثوب (شيء من دم) ... (قالت) أي بلته (بريقها فقَصَعَتْه) بالقاف والصاد والعين المهملتين، وعزاها الحافظ ابن حجر لرواية أبي داود =(د) (358)=...، والمعنى فدلكته وعالجته، ...: فمصعته بالميم ... أي: حكَّته (بظفْرها) بإسكان الفاء في الفرع، ويجوز ضمُّها.



ووجهُ مطابقةِ هذه الترجمة؛ من حيثُ أنّ من لم يكن لها إلا ثوب واحد تحيض فيه، معلوم أنها تصلي فيه، إذا غسلته بعد الانقطاع، وليس هذا مخالفًا لما تقدم فهو من باب حمل المطلق على المقيد.



أو لأن هذا الدم الذي مصَعته قليل معفو عنه لا يجب عليها غسله، فلذا لم يذكر أنها غسلته بالماء.



 وأما الكثير فصحَّ عنها أنها كانت تغسله؛ قاله البيهقي.



لكن يبقى النظر في مخالطة الدم بريقها فقد قالوا فيه حينئذ بعدم العفو وليس فيه أنها صلّت فيه، فلا يكون فيه حجة لمن أجاز إزالة النجاسة بغير الماء، وإنما أزالت الدم بريقها ليذهب أثره ولم تقصد تطهيره. فقد سبق بباب عنها ذكر الغسل بعد القرص.



=وثبت عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: "إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتَحِيضُ، ثُمَّ تَقْرُصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا، فَتَغْسِلُهُ وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ". (جة) (630).=



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ).



1- (أبو نعيم) الفضل بن دكين؛ هو عمرو بن حماد، الكوفى، ولد (130)هـ، من التاسعة من صغار أتباع التابعين توفي (218)هـ، وقيل: (219)هـ، بـ الكوفة.



2- (إبراهيم بن نافع) بالنون والفاء المخزومي، أوثق شيخ بمكة، أبو إسحاق المكي من السابعة، من كبار أتباع التابعين.



3- عبد الله (بن أبي نجيح)، واسم أبي نجيح يسار؛ ضد اليمين، المكي، أبو يسار، من السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين، توفي (131)هـ، أو بعدها.



4- (مجاهد) بن جبر المكي، أبو الحجاج القرشى المخزومى مولاهم، من الثالثة، من الوسطى من التابعين.



5- (عائشة) رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ).



 ورواة هذا الحديث الخمسة مكيون عدا شيخ البخاري فكوفي، وفيه التحديث والعنعنة والقول.



***



باب رقم: (12): باب الطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ



(باب) استحباب (الطيب) =والروائح الطيبة= (للمرأة) غير المحرمة (عند غسلها من المحيض) وكذا من النفاس؛ تطييبًا للمحلّ، بل يكره تركه بلا عذر...



313- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: (كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ؛ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلاَ نَكْتَحِلَ، وَلاَ نَتَطَيَّبَ، وَلاَ نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا؛ إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ. وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ). قَالَ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.



الشرح:



... (عن أم عطية) نسيبة ... بنت الحرث ... رضي الله عنها (قالت):



(كنا نُنهى) بضم النون الأولى وفاعل النهي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أن نُحِدَّ) ... من الإحداد، أي تمنع من الزينة (على ميت فوق ثلاث)؛ يعني به الليالي مع أيامها (إلا على زوج) دخل بها أو لم يدخل، صغيرةً كانت أو كبيرة، حُرَّةً أو أمَة.



نعم! عند أبي حنيفة لا إحداد على صغيرة ولا أمة، ...



قولها: كنا ننهى؛ أي كل واحدة منهن تنهى أن تحدّ فوق ثلاث إلا على زوجها (أربعة أشهر وعشرًا) يعني عشر ليالٍ، إذ لو أريد به الأيام لقيل: عشرةً بالتاء...



(ولا نكتحلَ) بالنصب ...، (1/352) ... (ولا نتطيبَ، ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا؛ إلا ثوبَ عَصْب) بفتح العين وسكون الصاد المهملتين في آخره موحدة؛ برودٌ يمانية يعصَب غزلها؛ أي يجمع ثم يصبغ ثم ينسج، (وقد رُخِّص لنا) التطيُّبُ بالتبخُّر (عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها)؛ لدفع رائحة الدم لما تستقبله من الصلاة، (في نُبْذَة) بضم النون وفتحها وسكون الموحدة وبالذال المعجمة؛ أي في قطعةٍ يسيرة (من كُسْت أظفار)، كذا في هذه الرواية؛ بضم الكاف وسكون المهملة، وفي كتاب الطِّيب للمفضل بن سلمة:



القُسْطُ والكُسْطُ والكُسْتُ؛ ثلاث لغات وهو من طيب الأعراب ...



والأظفارُ؛ ضربٌ من العطر على شكل ظُفر الإنسان يوضع في البخور.



وقال ابن التين: صوابه قُسْط ظِفار أي بغير همز نسبة إلى ظفار؛ مدينة بساحل البحر يجلب إليها القسط الهندي، ... وهو العود الذي يتبخَّر به. =والمنقول أولى؛ أظفار=



(وكنا نُنْهَى عن اتباع الجنائز) ...



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ).



1- (عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي، أبو محمد البصرى، من العاشرة،  كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي (228)هـ، وقيل: (227)هـ.



2- (حماد بن زيد)، بن درهم، أبو إسماعيل البصرى، ولد (98)هـ، من الطبقة (8) من الوسطى من أتباع التابعين، توفي: (179)هـ.



3- (أيوب) السختياني، ابن أبى تميمة؛ كيسان، أبو بكر البصرى، ولد (66)هـ، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي: (131)هـ.



4- (حفصة) بنت سيرين، أم الهذيل الأنصارية، البصرية، من الطبقة (3)، من الوسطى من التابعين، توفيت (بعد 100)هـ.



5- (عن أم عطية) نسيبة بضم النون وفتح السين مصغرًا، بنت كعب، ويقال: بنت الحارث، الأنصارية، المدنية، كانت تمرّض المرضى، وتداوي الجرحى وتغسل الموتى. لها في البخاري خمسة أحاديث رضي الله عنها، صحابية مشهورة جليلة.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ).



رواة هذا الحديث بصريون، وفيه التحديث والعنعنة...



(قال: ورواه) أي الحديث المذكور ... (هشام بن حسان) المذكور ... (عن حفصة) بنت سيرين (عن أم عطية) رضي الله عنه (عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ... وفائدة ذكره الدلالة على أن الحديث السابق من قبيل المرفوع.



تنبيه:



(حماد بن زيد عن أيوب) السختياني، (حفصة) بنت سيرين، ...: قال أبو عبد الله أي البخاري: أو هشام بن حسانٍ بالصرف، وتركه من الحسن أو الحسن عن حفصة، فكأنه شك في شيخ حماد أهو أيوب السختياني أو هشام بن حسان، وليس ذلك عند بقية الرواة ولا عند أصحاب الأطراف.



***



باب رقم: (13): بابُ دَلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ الْمَحِيض



وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ.



(بابُ) بيانِ استحباب (دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض) مصدر كالمجيء والمبيت، (و) بيانِ (كيف تغتسل و) كيف (تأخذ فِرْصَةً) بتثليث الفاء وسكون الراء وفتح الصاد المهملة، ... قطعةٌ من قطن أو صوفٍ أو خرقة، (ممسَّكَة) بتشديد السين وفتح الكاف (فتتبع) بلفظ الغائبة مضارع التفعُّل وحذف إحدى التاءات الثلاث، ... (بها) أي الفرصة (أثر الدم).



(314) حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ؛ (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ)، قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا». قَالَتْ: (كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟!) قَالَ: "تَطَهَّرِي بِهَا!". قَالَتْ: (كَيْفَ؟!) قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي"، (فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَىَّ، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ).



الشرح:



... (عن عائشة) رضي الله عنها؛ (أن امرأة) من الأنصار، ... أو هي أسماءُ بنت شَكَلٍ كما في مسلم،... (سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن غسلها من المحيض)؛ أي الحيض (فأمرها) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كيف تغتسل؟) أي بأن قال: ... "تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ". (م) 61- (332).



(قال: "خذي فِرصة") بتثليث الفاء قِطعة، وقيل =قَرْصَة=: بفتح القاف والصاد المهملة؛ أي شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الأصبعين، ... ("من مِسْك") بكسر الميم؛ دم الغزال، وروي (1/353) بفتحها.



قال القاضي عياض: وهي رواية الأكثرين وهو الجلد أي خذي قطعة وتحمَّلي بها لمسح القُبُل، واحتجّ بأنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، ورجح النووي الكسر.



("فتطهري") أي تنظفي ("بها") أي بالفِرصة. (قالت) أسماء: (كيف أتطهر بها؟ قال) عليه الصلاة والسلام: ("سبحان الله!") متعجبًا من خفاء ذلك عليها، ("تطهري بها") (قالت: كيف؟! قال: ("سبحان الله تطهري بها". قالت عائشة رضي الله عنها: (فاجتبذتها إلي) بتقديم الموحدة على الذال المعجمة، وفي رواية فاجتذبتها بتأخيرها (فقلت) لها (تتبعي بها) أي بالفرصة (أثر الدم) أي في الفرج.



ووجه المطابقة بينه وبين الترجمة من جهة تضمنه طريق مسلم التي سبق ذكرها بالمعنى المصرّحة بكيفية الاغتسال والدلك المسكوت عنه في رواية المؤلف، ولم يخرجها لأنها ليست على شرطه لكونها من رواية إبراهيم بن مهاجر عن صفية.



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ).



1- (يحيى) أي ابن موسى بنِ عبد ربه بن سالم الحداني، البلخي الختي؛ بفتح الخاء المعجمة وتشديد المثناة الفوقية...، أبو زكريا السختياني، لقبه خَتّ، وتوفي سنة أربعين ومائتين، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي: (240)هـ، بـبلخ.



2- (ابن عيينة) سفيان، أبو محمد الكوفى، المكى، ولد (107)هـ، من الطبقة (8) من الوسطى من أتباع التابعين، توفي (198)هـ، بـمكة.



3- (منصور ابن صفية) نسبه إليها؛ لشهرتها، واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة، الحجبى المكي، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي (137 أو 138)هـ.



4- (أمُّه) صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، ووقع التصريح بالسماع في جميع السند في مسند الحميدي.



5- (عن عائشة) رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ).



رواة حديث هذا الباب ما بين بلخي ومكي وفيه التحديث والعنعنة...



***



باب رقم: (14): باب غُسْلِ الْمَحِيضِ



(باب غسل) المرأة من (المحيض) بفتح الغين وضمها كما في الفرع.



(315) حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قال: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ الْمَحِيضِ؟) قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي ثَلاَثًا»، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: ("تَوَضَّئِي بِهَا"). فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.



الشرح:



... (عن عائشة) رضي الله عنها؛ (أن امرأة من الأنصار) هي أسماء بنت شَكَل (قالت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كيف أغتسل من المحيض؟ قال) عليه الصلاة والسلام: ("خذي")؛ أي بعد إيصال الماء لشعرك وبشرتك، ("فِرْصَة مُمَسَّكة") بضم الميم الأولى وفتح الثانية ثم مهملة مشددة مفتوحة؛ أي قطعة من صوف أو قطنٍ مطيَّبة بالمسك، ("فتوضئي") الوضوء اللغوي وهو التنظيف، ... وفي رواية: "فتوضئي بها" قال لها ذلك (ثلاثًا) أي ثلاث مرات.



قالت عائشة: (ثم إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استحيا فأعرض) ... (بوجهه) الكريم (أو قال) شك من عائشة ("توضئي بها") ... بها أي بالفرصة. قالت عائشة: (فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من التتبع وإزالة الرائحة الكريهة.



والمطابقة بين الحديث والترجمة على رواية فتح غين غَسْل، وتفسير المحيض باسم المكان ظاهرة، وعلى رواية ضم الغين =غُسْل= والمحيض بمعنى الحيض؛ فالإضافة بمعنى اللام الاختصاصية؛ لأنه ذكر لها خاصة هذا الغسل.



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قال: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ).



1- (مسلم) بن إبراهيم، الأزدى الفراهيدى، أبو عمرو البصري، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (222)هـ، بـالبصرة.



2- (وهيب) تصغير وهب ابن خالد، بن عجلان الباهلى، أبو بكر البصرى، صاحب الكرابيس، من الطبقة (7) من كبار أتباع التابعين، توفي (165)هـ، وقيل: بعدها.



3- (منصور) هو ابن عبد الرحمن المكي.



4- (أمه) صفية بنت شيبة.



5- (عائشة) رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قال: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ).



رواة الحديث خمسة ما بين بصري ومكي، وفيه التحديث والعنعنة.



***



فوائد وأحكام:



=[بوب البخاري في هذين البابين على ثلاثة أشياء:



أحدها: دلك المرأة نفسها، عند غسل المحيض.



والثاني: أخذها الفرصة الممسكة.



والثالث: صفة غسل المحيض]. (فتح الباري) لابن رجب (1/ 467)



1- [فيه استعمال الحياء عند ذكر العورات، لاسيما فيما يذكره من ذلك الرجال بحضرة النساء ، والنساء بحضرة الرجال]. (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم) للقاضي عياض (2/ 93).=



2- وتكرير الجواب لإفهام السائل.



3- وأنّ للطالب الحاذق تفهيمَ السائلِ قولَ الشيخ وهو يسمع.



4- وفيه الدلالة على حسن خلق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعظيم حلمه وحيائه.



5- =[اسْتِحْبَاب التَّطَيُّب للمغتسلة من الْحيض وَالنّفاس على جَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي أَصَابَهَا الدَّم من بدنها.



6- وَفِيه: التَّسْبِيح عِنْد التَّعَجُّب.



7- وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْكِنَايَات بِمَا يتَعَلَّق بالعورات...



8- وَفِيه الِاكْتِفَاء بالتعريض وَالْإِشَارَة فِي الْأُمُور المستهجنة.



9- وَفِيه: تَكْرِير الْجَواب لإفهام السَّائِل.



10- وَفِيه: تَفْسِير كَلَام الْعَالم بِحَضْرَتِهِ لمن خَفِي عَلَيْهِ إِذا عرف أَن ذَلِك يُعجبهُ.



11- وَفِيه: الْأَخْذ عَن الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل وحضرته.



12- وَفِيه: صِحَة الْعرض على الْمُحدث إِذا أقره، وَلَو لم يقل عَقِيبه نعم.



13- وَفِيه: أَنه لَا يشْتَرط فهم السَّامع لجَمِيع مَا يسمعهُ.



14- وَفِيه: الرِّفْق بالمتعلم وَإِقَامَة الغذر لمن لَا يفهم.]. (عمدة القاري) (3/ 287).



15- [والصحيح الذِي عليهِ جمهور الأئمة العلماء بالحديث والفقه؛ أن غُسل المحيض يستحب فيهِ استعمال المسك؛ بخلاف غُسل الجنابة، والنفاس كالحيض في ذلك، وقد نصَّ على ذَلِكَ الشَافِعي وأحمد، وهما أعلم بالسنة واللغة وبألفاظ الحديث ورواياته؛ مِن مثل ابن قتيبة والخطابي، ومن حذا حذوهما ممن يفسر اللفظ بمحتملات اللغة البعيدة...



16- أن غُسل الحيضِ والنفاس يفارق غسل الجنابة مِن وجوه:



أحدها: أنّ الوضوء في غسل الحيض لا فرْق بين تقديمه وتأخيره، وغَسل الجنابة السنة تقديم الوضوء فيهِ على الغسل.



والثاني: أنَّ غُسل الحيض يستحب أن يكون بماء وسدر، ويتأكّد استعمال السدر فيهِ، بخلاف غسل الجنابة؛ لحديث إبراهيم بن المهاجر.



قالَ الميموني: قرأت على ابن حنبل: أيجزئ الحائض الغسل بالماء؟ فأملى عليّ: إذا لم تجد إلاّ وحده اغتسلت به، قالَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: "ماءك وسدرتك"، وهو أكثر من غسل الجنابة. قلت: فإن كانت قد اغتسلت بالماء، ثُمَّ وجدته؟ قالَ: أحب إلي أن تعود؛ لما قالَ.



الثالث: أن غُسل الحيض يستحب تكراره كغسل الميتة، بخلاف غسل الجنابة، وهذا ظاهر كلام أحمد، ولا فرق في غسل الجنابة بين المرأة والرجل، نص عليهِ أحمد في رواية مهنا.



والرابع: أن غُسل الحيض يستحبّ أن يستعمل فيهِ شيء من الطيب، وفي خرقة أو قطنة أو نحوِهما، يُتَّبَع به مجاري الدم.



والخامس: أن غُسل الحيضِ تنقُضُ فيهِ شعرَها إذا كانَ مضفوراً، بخلاف غسل الجنابة عند أحمد، وهوَ قول طاوس والحسن]. (فتح الباري) لابن رجب (1/ 470- 474)،= والله تعالى أعلم.



***



باب رقم: (15): باب امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ



(باب امتشاط المرأة) أي تسريح شعر رأسها (عند غسلها) بفتح الغين وضمها (من المحيض) أي الحيض.



(316) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: (أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْي)َ. فَزَعَمَتْ؛ (أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ)، فَقَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ). فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ». فَفَعَلْتُ. (فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ، أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ، مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ).



الشرح:



... (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (أن عائشة) رضي الله عنها (قالت):



(أهللت) أي أحرمت ورفعت صوتي بالتلبية (مع رسول الله) ... (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجة الوداع، فكنت ممن تمتع ولم يسُقْ الهَدْي) بفتح الهاء وسكون المهملة وتخفيف الياء أو كسر المهملة مع تشديد الياء؛ اسم لما يُهدَى بمكة من الأنعام، وفيه التفاتٌ من المتكلم إلى الغائب؛ لأن الأصل أن تقولَ ممن تمتعت؛ لكن ذكر باعتبار لفظ مَنْ (فزعمت أنها حاضت ولم تطهر) من حيضها، (حتى دخلت ليلةُ عرفة).



فيه دلالة على أن حيضَها كان ثلاثة أيام خاصة؛ لأن دخولَه عليه الصلاة والسلام مكة كان في الخامس من الحجة، فحاضت يومئذٍ فطهرت يوم عرفة.



ويدلّ على أنها حاضت يومئذٍ قوله عليه الصلاة والسلام في باب كيف تهلّ الحائض بالحج والعمرة: "من أحرم بعمرة..." الحديث. قالت: (فحضت) ففيه دليل على أن (1/354) حيضها كان يوم القدوم إلى مكة، قالت: فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة، قاله البدر.



(فقالت) ...: (يا رسول الله! هذه ليلة عرفة) ... (وإنما كنتُ تمتعتُ بعمرة)؛ أي وأنا حائض.



وفيه تصريح بما تضمنه التمتع؛ لأنه إحرام بعمرة في أشهر الحج ممن على مسافة القصر من الحرم، ثم يحجّ من سنته.



(فقال لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "انقُضي رأسك") بضم القاف أي حلّي شعرك، ("وامتشطي وأمسكي") بهمزة قطع ("عن عمرتك")؛ أي اتركي العمل في العمرة وإتمامها، فليس المراد الخروج منها فإن الحج والعمرة لا يخرج منهما إلا بالتحلل، وحينئذٍ فتكون قارنة، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: " "يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ". (م) 132- (1211).



ولا يلزم من نقض الرأس والامتشاط إبطالها؛ لجوازهما عندنا حال الإحرام، لكن يُكرهان خوف نتف الشعر، وقد حملوا فعلها ذلك على أنه كان برأسها أذى، وقيل: المراد أبطلي عمرتك، ويؤيده قولها في العمرة وأرجع بحجة واحدة، وقولها: ترجع صواحبي بحج وعمرة وأرجع أنا بالحج، وقوله عليه الصلاة والسلام: "هذه مكان عمرتك". =(خ) (1556)=



قالت عائشة: (ففعلت) النقضَ والامتشاطَ والإمساك، (فلما قضيت) أي أدّيت (الحجَّ) بعد إحرامي به، (أمر) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخي (عبد الرحمن) ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه (ليلة الحَصْبة) بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين وفتح الموحدة، التي نزلوا فيها بالمحصب؛ موضع بين مكة ومنى، يبيتون فيه إذا نفروا منها، (فأعمرني)، أي: اعتمر بي (من التنعيم) موضع على فرسخ من مكة فيه مسجد عائشة، (مكان عمرتي التي نسكت) من النسك؛ أي التي أحرمت بها وأردت أوّلاً، حصولها منفردة غير مندرجة ومنعني الحيض...



وإنما أمرها بالعمرة بعد الفراغ، وهي قد كانت حصلت لها مندرجة مع الحج؛ لقصدها عمرة منفردة، كما حصل لسائر أزواجه عليه الصلاة والسلام، حيث اعتمرن بعد الفراغ من حجهنّ المفرد عمرة منفردة عن حجهن؛ حرصًا منها على كثرة العبادة.



رواة الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ).



1- (موسى بن إسماعيل) التبوذكي، المنقرى، أبو سلمة البصرى، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (223)هـ، بـالبصرة.



2- (إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو إسحاق المدنى، ولد (108)هـ، من الطبقة (8) من الوسطى من أتباع التابعين، توفي (185)هـ.



3- (ابن شهاب) الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر المدنى، من الطبقة (4) طبقة تلى الوسطى من التابعين، توفي (125)هـ، وقيل: قبلها.



4- (عروة) بن الزبير بن العوّام، المدني.



5- (أن عائشة) رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ).



رواته خمسة ما بين بصري ومدني وفيه التحديث والعنعنة.



***



باب رقم: (16): باب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ



(باب) حكم (نقض المرأة شعرها) أي شعر رأسها (عند غسل المحيض)، هل هو واجب أم لا؟ ...



(317) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلاَلِ ذِي الْحِجَّةِ)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّي لَوْلاَ أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». (فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ». (فَفَعَلْتُ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ؛ أَرْسَلَ مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي). قَالَ هِشَامٌ: (وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلاَ صَوْمٌ وَلاَ صَدَقَةٌ).



الشرح:



... (عن عائشة) رضي الله عنها (قالت): (خرجنا) من المدينة مكملين ذا القعدة (موافين)، ... (لهلال ذي الحجة) ... يقال: أوفى على كذا إذا أشرف عليه، ولا يلزم منه الدخول فيه.



وقال النووي: أي مقاربين لاستهلاله لأن خروجه عليه الصلاة والسلام، كان لخمس ليال بقين من ذي القعدة يوم السبت.



(فقال) (رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من أحب أن يهلل") بلامين ...: يهل بلام مشددة؛ أي يحرم ("بعمرة فليهلل") بعمرة ("فإني لولا أني أهديت")؛ أي سقت الهدي ("لأهللت") ...: في رواية...: "لأحللت" ("بعمرة") ليس فيه دلالة على أن التمتع أفضل من الإفراد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام، إنما قال ذلك لأجل فسخ الحج إلى العمرة، الذي هو خاصٌّ بهم في تلك السنة، المخالفة تحريم الجاهلية العمرة في أشهر الحج؛ لا التمتع الذي فيه الخلاف، وقاله ليطيب قلوب (1/355) أصحابه؛ إذ كانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحج إليها، لإرادتهم موافقة عليه الصلاة والسلام؛ أي ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتكم به؛ إلا سوقي الهدي، ولولاه لوافقتكم، وإنما كان الهدي علة لانتفاء الإحرام بالعمرة؛ لأن صاحب الهدي لا يجوز له التحلل حتى ينحره، ولا ينحره إلا يوم النحر، والمتمتع يتحلل من عمرته قبله فيتنافيان.



(فأهلَّ بعضهم بعمرة، وأهلَّ بعضهم بحجٍّ) قالت عائشة: (وكنت أنا ممن أهل بعمرة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت) ذلك (إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "دعي عمرتك") أي أفعالها وارفضيها ("وانقضي رأسك") أي شعرها ("وامتشطي وأهلّي بحج") أي مع عمرتك أو مكانها.



(ففعلت) ذلك كله (حتى إذا كان ليلةَ الحصبة) بفتح الحاء وسكون الصاد، وليلةُ بالرفع على أن كان تامَّة؛ أي وجدت، وبالنصب على أنها ناقصة واسمها الوقت، (أرسل) عليه الصلاة والسلام (معي أخي عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق رضي الله عنهم، (فخرجت) معه (إلى التنعيم، فأهللت بعمرة) منه (مكان عمرتي) التي تركتها.



لا يقال: ليس في الحديث دلالة على الترجمة؛ لأن أمرها بنقض الشعر كان للإهلال، وهي حائض لا عند غسلها، لأنا نقول: إن نقْضَ شعرِها إن كان لغسل الإحرام وهو سُنّة، فلغسل الحيض أولى؛ لأنه فرض، وقد كان ابن عمر يقول بوجوبه، وبه قال الحسن وطاوس في الحائض دون الجنب، وبه قال أحمد، لكن رجح جماعة من أصحابه الاستحباب فيهما.



واستدل الجمهور على عدم وجوب النقض بحديث أم سلمة: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: "لا". رواه مسلم، =(م) 58- (330)= وقد حملوا حديث عائشة على الاستحباب جمعًا بين الروايتين.



نعم! إن لم يصل الماء إلا بالنقض وجب.



رجال الإسناد:



(حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ).



1- (عبيد بن إسماعيل) الهَبَّاري بفتح الهاء وتشديد الموحدة الكوفي، المتوفى سنة خمسين ومائتين.



2- (أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي.



3- (هشام) أي ابن عروة.



4- (أبوه) عروة بن الزبير بن العوام.



5- عن عائشة رضي الله عنها.



لطائف الإسناد:



(حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ).



رواة هذا الحديث خمسة ما بين كوفي ومدني وفيه التحديث والعنعنة.



(قال هشام) أي ابن عروة (ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة).



استشكل النووي نفي الثلاثة بأن القارن والمتمتع عليه الدم؟ ...



وأجيب: بأن هشامًا لما لم يبلغه ذلك أخبر بنفيه، ولا يلزم منه نفيه في نفس الأمر، بل روَى جابر أنه عليه الصلاة والسلام أهدى عن عائشة بقرة، فافهم.



ونص الحديث عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى: عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه! أَتَرْجِعُ نِسَاؤُكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ لَيْسَ مَعَهَا عُمْرَةٌ؟!) فَأَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالْبَطْحَاءِ، وَأَمَرَهَا فَخَرَجَتْ إِلَى التَّنْعِيمِ، وَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَأَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ أَتَتِ الْبَيْتَ، فَطَافَتْ بِهِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصَّرَتْ، فَذَبَحَ عَنْهَا بَقَرَةً. (حم) (25316)



وعند مسلم عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: (ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ). (م) 356- (1319)، وفي رواية: (عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً فِي حَجَّتِه). (م) 357- (1319).=



***



قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى:



[هَذا الحديث قَد استنبط البخاري رحمه الله منهُ حكمين، عقد لهما بابين:



أحدهما: امتشاط المرأة عند غسلها مِن المحيض.



والثاني: نقضها شعرها عند غسلها مِن المحيض.



وهذا الحديث لا دلالة فيهِ على واحد مِن الأمرين؛ فإن غُسل عائشة الذِي أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بهِ لَم يكن مِن الحيض؛ بل كانت مِن حائضاً، وحيضها حينئذ موجود، فإنه لو كانَ قَد انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج إلى هَذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتهل بالحج، فَهوَ غُسلٌ للإحرام في حال الحيض، كَما أمر أسماء بنتَ عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهلّ.



وقد روى ابن ماجه عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا، وَكَانَتْ حَائِضًا: "انْقُضِي شَعْرَكِ، وَاغْتَسِلِي"، قَالَ: عَلِيٌّ فِي حَدِيثِهِ: "انْقُضِي رَأْسَكِ". (جة) (641)



وهذا -أيضاً- يوهم أنَّهُ قالَ لها ذَلِكَ في غسلها مِن الحيض، وهذا مختصر مِن حديث عائشة الذِي خرجه البخاري...



وقد يحمل مراد البخاري رحمه الله على وجه صحيح، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أ مر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام؛ لأن غُسْلَ الإحرام لا يتكرر، فلا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة، فإنه يتكرر فيشق النقض فيه، فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر...



وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة بالغسل للإحرام وهي حائض؛ دليل على أن الأغسال المستحبة تفعل مع الحيض؛ كأغسال الحجِّ المستحبة، ويدخل ذَلكَ في قوله لها: "اصنعي ما يصنع الحاج".



ولو كان على الحائض غُسْلُ جنابة، إما قبل الحيض أو في حال الحيض، فهل يستحب لها الاغتسال في حال حيضها للجنابة؟ فيهِ روايتان عن أحمد...



وأما الوضوء؛ فلا يشرع للحائض في حال حيضها ما لم ينقطع دمها، فتصير كالجنب، ونص أحمد على أنها لو توضأت وهي حائض لم يجُزْ لها الجلوس في المسجد؛ بخلاف الجنب، وفيه وجه: يجوز إذا أمِنت تلويثه...]. بتصرف من (فتح الباري) لابن رجب (1/ 476- 483)=



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (17): باب مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ.



والله تعالى أعلم




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة