التعليق على صحيح الإمام مسلم



المجلس رقم: (68)



قراءة وشرح وتعليق



فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى



الزعفران- 13/ 1/ 1440هـ، الموافق: 23/ 9/ 2018م



كتاب رقم: (11): كتاب النكاح



باب رقم: (28): باب في العزل عن المرأة والأمة



أي: هذا باب في بيان حكم العزل عن الزوجة والأمة المملوكة،



و[الْعَزْلُ؛ هُوَ أَنْ يُجَامِعَ، فَإِذَا قَارَبَ الْإِنْزَالَ نَزَعَ، وَأَنْزَلَ خَارِجَ الْفَرْجِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا =أي عند الشافعة= فِي كُلِّ حَالٍ، وَكُلِّ امْرَأَةٍ؛ سَوَاءٌ رَضِيَتْ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى قَطْعِ النَّسْلِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ تَسْمِيَتُهُ "الْوَأْدَ الْخَفِيَّ"؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ طَرِيقِ الْوِلَادَةِ، كَمَا يُقْتَلُ الْمَوْلُودُ بِالْوَأْدِ...]. شرح النووي على مسلم (10/ 9)



وهذا الباب فيه حديثان؛



الأول رقم: (833) عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: (ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلَّم)، فَقَالَ: ("وَمَا ذَاكُمْ"؟!) قَالُوا: (الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ تُرْضِعُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ، وَالرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ!) قَالَ: ("فَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ")، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ، فَقَالَ: (وَاللهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ). (م4/ 159)، (م) 131- (1438)، ونحوه (خ) (2229)،  (2542)، (4138)، (5210)، (6603).



الشرح:



(عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) هو سعد بن مالك (رضي الله عنه) (قَالَ: ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلَّم)، [العزل: صرفُ الماء عن المرأة حذراً عن الحمل]. (مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار) (ص: 278) (فَقَالَ: "وَمَا ذَاكُمْ"؟!) مستفسرا عن مرادهم بذلك العزل، (قَالُوا) موضحين مرادهم: (الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ تُرْضِعُ)، وقد انتهت من نفاسها (فَيُصِيبُ مِنْهَا)، فيستمتع ويجامع (وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ)؛ رحمة برضيعها، (وَالرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ)، ملكُ اليمين (فَيُصِيبُ مِنْهَا) ويجامعها (وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ!) لسبب عنده، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: ("فَلَا عَلَيْكُمْ) بَأْسٌ ولا حرج (أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ)، أَيْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ضَرَرٌ أَنْ لَا تَفْعَلُوا الْعَزْلَ، وَقِيلَ: بِزِيَادَةِ "لَا"، وَمَعْنَاهُ؛ لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا، وَمِنْ ثَمَّ يَجُوزُ الْعَزْلُ، ويؤيد الجواز قوله صلى الله عليه وسلم: (فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ")، أي عزلت أو لم تعزل فقدر الله نافذ.



وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: [(«مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ») ومخلوقة وموجودة («إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ») أَيْ: لَيْسَتْ نَسَمَةً كَائِنَةً فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حُدُوثِ الْمُحْدَثَاتِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ؛ إِلَّا كَائِنَةً نَابِتَةً فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، لَا يَمْنَعُهَا عَزْلٌ وَلَا غَيْرُهُ.



وَالْحَاصِلُ: أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ أَنْ سَيُوجَدَ وَلَا يَمْنَعُهُ الْعَزْلُ.



قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْنَاهُ مَا عَلَيْكُمْ ضَرَرٌ فِي تَرْكِ الْعَزْلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ قَدَّرِ اللَّهُ خَلْقَهَا لَا بُدَّ أَنْ يَخْلُقَهَا سَوَاءٌ عَزَلْتُمْ أَمْ لَا، فَلَا فَائِدَةَ فِي عَزْلِكُمْ؛ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدَّرَ خَلْقَهَا سَبَقَكُمُ الْمَاءُ، فَلَا يَنْفَعُ حِرْصُكُمْ فِي مَنْعِ الْخَلْقِ.



وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَزْلَ لَا يَمْنَعُ الْإِيلَادَ،...]. (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) (5/ 2091) بتصرف.



(قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ)، ففهم منه النهي عن العزل.



***



الحديث الثاني رقم: (834) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم فَقَالَ: (إِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً لِي، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ("إِنَّ ذَلِكَ لَنْ يَمْنَعَ شَيْئًا أَرَادَهُ اللهُ")، قَالَ: فَجَاءَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي كُنْتُ ذَكَرْتُهَا لَكَ حَمَلَتْ؟!) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ("أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ"). (م4/ 160)، (م) 135- (1439)



شرح الحديث بزوائده:



عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: (سأل) وفي رواية: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمُنَا)، وفي رواية: (هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا)، أي، تنقل لنا الماء، (وَتَسْنُو عَلَى نَاضِحٍ)، أي: بعير (لَنَا، وَإِنِّي أُصِيبُ مِنْهَا)، أي: أجامعها (وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ) مني (فَأَعْزِلُ عَنْهَا)، أي: فأنزع عنها عند قرب الإنزال؟ (فَقَالَ: ("اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَنْ يَمْنَعَ شَيْئًا أَرَادَهُ اللهُ"، فَلَبِثَ الرَّجُلُ)، مدة من الزمن (ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي كُنْتُ ذَكَرْتُهَا لَكَ قَدْ حَمَلَتْ!)، وفي رواية: "إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا")، وفي رواية: «مَا قَدَّرَ اللَّهُ لِنَفْسٍ أَنْ يَخْلُقَهَا، إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ»، ("أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ"). (م) (1439)، (د) (2173)، (جة) (89)، (حم) (14346)، (14362)، (حم) (15140)، (15174)، (حب) (4194).



[قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) مَعْنَاهُ هُنَا أَنَّ مَا أَقُولُ لَكُمْ حَقٌّ فَاعْتَمِدُوهُ وَاسْتَيْقِنُوهُ فَإِنَّهُ يَأْتِي مثل فلق الصبح]. شرح النووي (10/ 13)



***



فوائد وأحكام:



1- فيه جواز العزل عن الأمة، وكراهته للحرة إلا بإذنها.



2- الكراهة في العزل لأن فيه [قَطْعَ النَّسْلِ الْمَطْلُوبِ مِنَ النِّكَاحِ، وَسُوءَ الْعِشْرَةِ، وَقَطْعَ اللَّذَّةِ عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ الطَّبِيعَةِ لَهَا]. زاد المعاد لابن القيم (5/ 131).



3- [وَقَدْ رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ عليٍّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وأبي أيوب، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وجابر وَابْنِ عَبَّاسٍ، والحسنِ بنِ عليٍّ وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.



قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَجَاءَتِ الْإِبَاحَةُ لِلْعَزْلِ صَحِيحَةً عَنْ جابر وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ]. زاد المعاد (5/ 130)



4- [وَحَرَّمَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أبو محمد ابن حزم وَغَيْرُهُ]. زاد المعاد (5/ 130)



5- التوفيق [وَجَمَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَقَالَتْ: إِنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ الْعَزْلَ لَا يَكُونُ مَعَهُ حَمْلٌ أَصْلًا، فَكَذَّبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ لَمَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ»)، وَقَوْلُهُ: («إِنَّهُ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ») فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعِ الْحَمْلَ بِالْكُلِّيَّةِ كَتَرْكِ الْوَطْءِ، فَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي تَقْلِيلِهِ]. زاد المعاد (5/ 132).



قال ابن القيم: [لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ، فَرَوَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عبيد بن رفاعة عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (جَلَسَ إِلَى عمرَ عليٌّ والزبير وسعد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَذَاكَرُوا الْعَزْلَ)، فَقَالُوا: (لَا بَأْسَ بِهِ)، فَقَالَ رَجُلٌ: (إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ؛ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى)، فَقَالَ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (لَا تَكُونُ مَوْءُودَةٌ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ؛ حَتَّى تَكُونَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ تَكُونَ نُطْفَةً، ثُمَّ تَكُونَ عَلَقَةً، ثُمَّ تَكُونَ مُضْغَةً، ثُمَّ تَكُونَ عِظَامًا، ثُمَّ تَكُونَ لَحْمًا، ثُمَّ تَكُونَ خَلْقًا آخَرَ)، فَقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (صَدَقْتَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ) وَبِهَذَا احْتَجَّ مَنِ احْتَجَّ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ لِلرَّجُلِ بِطُولِ الْبَقَاءِ]. زاد المعاد في هدي خير العباد (5/ 133)



***



باب رقم: (29): باب في الغيلة



أي: في حكم الغيلة؛ وهي إتيان الرجل زوجته وهي مرضع، فكانوا يخافون على الرضيع من الضعف والضوى.



وأورد تحته الحديث المرقوم بـ (835) عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الأسَدِيَّة؛ أُخْتِ عُكَّاشَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: (حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم في أُنَاس)،ٍ وَهُوَ يَقُولُ: ("لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ! فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وَفَارِسَ؛ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا") ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ("ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ"). (م4/ 161)، (م) 140- (1442)



شرح الحديث بزوائده:



(عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الأسَدِيَّة)؛ [لها صحبة، أسلمت بمكة وبايعت وهاجرت مع قومها إلى المدينة]. التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل لابن كثير (4/ 219)، وهي (أُخْتِ عُكَّاشَةَ) بن محصن لأمه (رضي الله عنهما قَالَتْ) جُدَامَةُ: (حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم في أُنَاس)،ٍ (وَهُوَ يَقُولُ: "لَقَدْ هَمَمْتُ) ونويت وعزمت (أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ!) [الغِيلة؛ بكسر الغين، إذا كانت فيها الهاء، فإن لم تدخل الهاء؛ فهى بفتح الغين المعجمة]. إكمال المعلم شرح صحيح مسلم- للقاضي عياض (4/ 322) الغَيْل، (فَنَظَرْتُ) وفكرت (في الرُّومِ وَفَارِسَ")؛ الرُّوم [بِضَمِّ الرَّاءِ؛ نِسْبَةً إِلَى رُومِ بْنِ عِيصُو بْنُ إِسْحَاقَ، (وَفَارِسَ)؛ لَقَبُ قَبِيلَةٍ لَيْسَ بِأَبٍ وَلَا أُمٍّ، وَإِنَّمَا هُمْ أَخْلَاطٌ مِنْ تَغْلِبَ اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا الِاسْمِ]. شرح الزرقاني على الموطأ (3/ 376) ("فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ") أَي يُجَامِعُونَ الْمُرْضع وَالْحَامِل ("فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا") يَعْنِي لَو كَانَ الْجِمَاع أَو الرَّضَاع حَال الْحمل مُضِرٌّ لضَرَّ أَوْلَاد الرّوم وَفَارِس؛ لانهم يَفْعَلُونَهُ.



(ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: "ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ"). [وهي: {وإذا الموؤدة سئلت} الوأدُ والموؤدة بالهمز، والوأدُ دفْنُ البنتِ وهي حيَّةٌ، وكانت العرب تفعله =أي وأد البنات= خشية الإملاق، وربما فعلوه خوف العار.



والمؤدةُ البنتُ المدفونةُ حيَّةً، ويقال: وأَدَتِ المرأة ولدَها وَأْدًا، قيل: سُمِّيت موؤدة؛ لأنها تُثْقَل بالتراب، ... ووجهُ تسميةِ هذا وأدًا؛ وهو مشابهتُه الوأدَ في تفويتِ الحياة.



وقوله في هذا الحديث: {وإذا الموؤدة سئلت} معناه أن العزل يشبه الوأدَ المذكورَ في هذه الآية]. شرح النووي (10/ 17).



***



فوائد:



1- في الحديث جواز الغيلة؛ وهي إتيان المرأة وهي مرضع.



2- [وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ لَهُ عَنْ جُدَامَةَ؛ دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِهَا عَلَى الْعِلْمِ وَبَحْثِهَا عَنْهُ،



3- وَأَنَّ الْقَوْمَ =يعني الصحابة رضي الله عنهم= لَمْ يَكُونُوا يُرْسِلُونَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الْأَغْلَبِ إِلَّا مَا يَسْتَوْفِيهِ الْمُحَدِّثُ لَهُمْ بِهَا، أَوْ لِوُجُوهٍ غَيْرِ ذَلِكَ]. الاستذكار (6/ 258)



4- همُّ النبي صلى الله عليه وسلم على المنع من شيء ثم التراجعُ عنه ما لم يكن وحيا لمصلحة أمته، فـ[أراد النهيَ عن ذلك =الغَيل= لما اشتُهِر أنها تضرُّ بالولد، ثم رجع حين تحقَّق عنده عدمُ الضرر في بعض الناس، وهذا يقتضي أنه فُوِّضَ إليه في بعض الأمور ضوابطُ؛ فكان ينظر في الجزئيات واندراجها في الضوابط؛ ليحكم عليها بأحكام الضوابط، والله تعالى أعلم]. حاشية السندي على النسائي (6/ 107)



5- [مُعَالَجَةُ الْمَرْأَةِ لِإِسْقَاطِ النُّطْفَةِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ يَتَفَرَّعُ جَوَازُهُ وَعَدَمُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْعَزْلِ، وَمَنْ أَجَازَهُ أَجَازَ الْمُعَالَجَةَ، وَمَنْ حَرَّمَهُ حَرَّمَ هَذَا بِالْأَوْلَى، وَيَلْحَقُ بِهَذَا تَعَاطِي الْمَرْأَةِ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِالْمَنْعِ،...]. سبل السلام (2/ 214).



6- في كراهة العزل كراهة استخدام الواقي الذكريّ إذا أراد العزل عن الزوجة.



7- حديث [أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى!) قَالَ: "كَذَبَتْ الْيَهُودُ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْت أَنْ تَصْرِفَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ)، الْحَدِيثُ قَدْ عَارَضَ حَدِيثَ النَّهْيِ، وَتَسْمِيَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَزْلَ الْوَأْدَ الْخَفِيَّ، وَفِي هَذَا كَذَبَ يَهُودٌ فِي تَسْمِيَتِهِ الْمَوْءُودَةَ الصُّغْرَى، وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا؛ بِأَنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ حُمِلَ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَتَكْذِيبِ الْيَهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا التَّحْرِيمَ الْحَقِيقِيَّ، وَقَوْلُهُ: «لَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ»- إلَى آخِرِهِ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى إذَا قَدَّرَ خَلْقَ نَفْسٍ فَلَا بُدَّ مِنْ خَلْقِهَا، وَأَنَّهُ يَسْبِقُكُمْ الْمَاءُ فَلَا تَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهِ، وَلَا يَنْفَعُكُمْ الْحِرْصُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ يَسْبِقُ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ شُعُورِ الْعَازِلِ لِتَمَامِ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ]. سبل السلام (2/ 214).



***



باب رقم: (30): باب وطء الحبالى من السبي



هذا باب في حكم وطء وجماع الحبالى؛ جمع حبلى، من السبي الناشئ عن الحرب، وأورد تحته حديثان الأول: (836) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلَّم؛ (أَنَّهُ أَتَى بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ)، فَقَالَ: ("لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟!") فَقَالُوا: (نَعَمْ!) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ("لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يدخلُ مَعَهُ قَبْرَهُ؛ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟! كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ"). (م4/ 161)، (م) 139- (1441)



الشرح:



(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) (رضي الله عنه) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةٍ، فَرَأَى امْرَأَةً مُجِحًّا) -الـمُجِحٍّ: الْحَامِلُ الَّتِي قَدْ قَارَبَتْ الْوِلَادَةَ. نيل الأوطار (10/ 426)-



(عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ)، أي: خيمة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَعَلَّ صَاحِبَهَا يُلِمُّ بِهَا؟!") أي لعله يريد أن يجامعها وهي حبلى؟ (قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("لَقَدْ هَمَمْتُ") وقصدتُ ("أَنْ أَلْعَنَهُ") فأدعو عليه بالطرد من رحمة الله، ("لَعْنَةً") تصاحبه في حياته، ولا تفارقه، لعنة ("تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ")؛ [أَيْ يَسْتَمِرّ إِلَى مَا بَعْد مَوْته، وَإِنَّمَا هَمَّ بِلَعْنِهِ لِأَنَّهُ إِذَا أَلَمَّ بِأَمَتِهِ الَّتِي يَمْلِكهَا وَهِيَ حَامِل كَانَ تَارِكًا لِلِاسْتِبْرَاءِ وَقَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ]. عون المعبود شرح سنن أبي داود المحقق: عبد الرحمن محمد عثمان (6/ 193).



(" كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟") ("وَكَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟"). (م) 139- (1441)، (د) (2156)، (حم) (21751).



قال ابن القيم رحمه الله تعالى: [النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْن إِنْكَار الْأَمْرَيْنِ؛ اِسْتِخْدَامه وَاسْتِلْحَاقه، وَقَدْ جَاءَ: كَيْف يَسْتَعْبِدهُ وَيُوَرِّثهُ، وَمَعْلُوم؛ أَنَّ اِسْتِلْحَاقه وَاسْتِعْبَاده جَمْع بَيْن الْمُتَنَاقِضَيْنِ]. عون المعبود وحاشية ابن القيم (6/ 135)



قال النووي رحمه الله تعالى: [تَقْدِيرُ الْحَدِيثِ؛ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَلْحِقُهُ وَيَجْعَلُهُ ابْنًا لَهُ وَيُوَرِّثُهُ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَوْرِيثُهُ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا يَحِلُّ تَوَارُثُهُ وَمُزَاحَمَتُهُ لِبَاقِي الْوَرَثَةِ.



وَقَدْ يَسْتَخْدِمُهُ اسْتِخْدَامَ الْعَبِيدِ، وَيَجْعَلُهُ عَبْدًا يَتَمَلَّكُهُ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ مِنْهُ إِذَا وَضَعَتْهُ لِمُدَّةٍ مُحْتَمِلَةِ كَوْنِهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ وَطْئِهَا؛ خَوْفًا مِنْ هَذَا الْمَحْظُورِ، فَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ]. شرح النووي (10/ 15)



***



الحديث الثاني: (837) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسَ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، فأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ؛ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في ذَلِكَ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}؛ أَيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ). (م4/ 170)، (م) 33- (1456).



الشرح:



(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسَ)، [أَوْطَاسُ مَوْضِعٌ عِنْدَ الطَّائِفِ يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ]. شرح النووي (10/ 35) (فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ)، أَيْ غَلَبُوا وانتصروا (فأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا)، [جَمْعُ السَّبِيَّةِ؛ وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْمَنْهُوبَةُ]. عون المعبود وحاشية ابن القيم (6/ 134)



(فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ؛ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ)، [مَعْنَى (تَحَرَّجُوا) خَافُوا الْحَرَجَ، وَهُوَ الْإِثْمُ مِنْ غِشْيَانِهِنَّ؛ أَيْ مِنْ وَطْئِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ، وَالْمُزَوَّجَةُ لَا تَحِلُّ لِغَيْرِ زَوْجِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِبَاحَتَهُنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النساء إلا ما ملكت أيمانكم}، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ هُنَا؛ الْمُزَوَّجَاتُ، وَمَعْنَاهُ وَالْمُزَوَّجَاتُ حَرَامٌ عَلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ؛ إِلَّا مَا مَلَكْتُمْ بِالسَّبْيِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ زَوْجِهَا الْكَافِرِ، وَتَحِلُّ لَكُمْ إِذَا انْقَضَى اسْتِبْرَاؤُهَا.



وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ)؛ أَيِ اسْتِبْرَاؤُهُنَّ، وَهِيَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ عَنِ الْحَامِلِ، وَبِحَيْضَةٍ مِنَ الْحَائِلِ؛ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ...]. شرح النووي (10/ 35).



(فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في ذَلِكَ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}؛ أَيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ).



وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى؛ الباب رقم: (31): باب في القَسم بين النساء.




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة