انتشار الأيمان والحلف بالله



على الأمور الصغيرة والكبيرة



الحمد لله؛؛؛



رغبة في إلحاح بعض الحريصين على التفقه في الدين، ولما انتشر من الأيمان والحلف بالله على الأمور الصغيرة والكبيرة، فقد طُلب مني توضيح مختصر حول الموضوع، فوجدت أن أنقله لكم إخواني وأخواتي دون تطويل مملأ أو تقصير مخل، وبعون الله وتوفيقه أبدأ:



[الأيمان:



تعريفها: الأيمان -بفتح الهمزة- جمع يمين. وأصل اليمين في اللغة: اليد.



وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه.



وهي في الشرع: توكيد الشيء بذكر اسمٍ أو صفةٍ لله.



بم تنعقد اليمين:



ولا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته:



عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب هو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". متفق عليه.



عن أنس بن مالك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال جهنّم تقول: هل من مزيد، حتى يضع ربّ العزة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويُزوى بعضها إلى بعض". متفق عليه



الحلف بغير الله شرك:



عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". (ت)



وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف منكم فقال في حلفه: باللات. فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك. فليتصدق". متفق عليه



شبهة وجوابها:



يعتذر البعض عن حلفهم بغير الله أنهم يخافون الكذب، مع قول الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ .. }. (البقرة: 224).



وجواب هذه الشبهة: ما رواه مسعر بن كدام عن وبرة بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله: (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلىّ من أن أحلف بغيره صادقًا). (طب)



أما الآية؛ فمعناها كما ذكر ابن كثير رحمه الله عن ابن عباس قال: لا تجعلنّ عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفّر عن يمينك واصنع الخير.



قال ابن كثير: وكذا قال مسروق والشعبى وإبراهيم النخعى ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومكحول والزهرى والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراسانى والسدّى رحمهم الله. أهـ . تفسير ابن كثير.



من حلف بملّة غير الإِسلام:



عن ثابت بن الضحاك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بملّة سوى الإِسلام كاذبًا متعمّدًا، فهو كما قال". متفق عليه



وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: إني برئ من الإِسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يَعُد إليه الإِسلامُ سالمًا". (د، نس، جه) (الإرواء)



من حُلِف له بالله فليرض:



عن ابن عمر قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يحلف بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم. من حَلَفَ بالله فليصدق. ومن حُلِفَ له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله". (جه).



وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق، فقال: أسرقت؟ قال: لا. والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنت بالله، وكذّبت بصرى". متفق عليه



أقسام اليمين:



تنقسم الأيمان أقسامًا ثلاثة:



1 - اليمين اللغو.



2 - اليمين الغموس.



3 - اليمين المنعقدة.



اليمين اللغو وحكمها:



لغو اليمين: هو الحلف من غير قصد اليمين، كقول الرجل: والله لتأكلنّ، أو لتشربنّ ونحو ذلك، لا يريد به يمينا.



ولا ينعقد هذا اليمين، ولا يؤاخذ به الحالف.



قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}. (البقرة: 225)، وقال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}. (المائدة: 89)، وعن عائشة رضي الله عنها: {لا يؤاخذكم الله باللغو} قالت: أنزلت في قوله: لا والله، وبلى والله". (خ).



اليمين الغموس وحكمها:



-اليمين الغَمُوس: قيل سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار-.



وهي اليمين الكاذبة التي تُهضم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الفسق والخيانة.



وسميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.



وهى من أكبر الكبائر، ولا كفارة فيها, لأن الله يقول: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}، وهذه يمين غير منعقدة لأن المنعقد ما يمكن حلّه، ولا يتأتى في اليمين الغموس البرُّ أصلًا.



قال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. (النحل: 94).



قال الطبري رحمه الله: معنى الآية: لا تجعلوا أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم توفون بالعهد لمن عاهدتموه، دخلًا أي خديعة وغدرا، ليطمئنوا إليكم وأنتم تضمرون لهم الغدر" أهـ. تفسير الطبري (166/ 14).



وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس". (خ).



وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله عَزَّ وَجَلَّ، وقتل النفس بغير حق، أو نهب مؤمن، أو الفرار من الزحف، أو يمين صابرة يقتطع بها مالًا بغير حق". (صحيح الجامع 3247).



اليمين المنعقدة وحكمها:



اليمين المنعقدة هي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمّم عليها، توكيدًا لفعل شيء أو تركه.



فإن برّ بيمينه فلا شيء عليه، وإن حنث فعليه الكفارة، لقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}. (البقرة: 225)، وقوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}. (المائدة: 89).



مبنى الأيمان على النية:



عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنية"، فمن حلف على شيء، وورّى بغيره، فالعبرة بنيته لا بلفظه: عن سُويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدوُّ له.



فتحرّج الناس أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي فخلّى سبيله.



فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، وحلفت أنا أنه أخي. فقال: "صدقت المسلم أخو المسلم". (جه، د).



وإنما تعتبر نية الحالف إذا لم يُستحلف، فإذا استُحلف فاليمين على نية المستحلِف.



عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اليمين على نية المستحلِف". (م).



وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك". (م، جه، د، ت).



لا حنث مع النسيان أو الخطأ:



من حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا أو خطأ فإنه لا يحنث: لقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، وفي الحديث أن الله قال: "نعم". (م).



الاستثناء في اليمين:



ومن حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى ولا حنث عليه: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال سليمان بن داود نبي الله: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كلهم تأتى بغلام يقاتل في سبيل الله. فقال له صاحبه، أو الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل ونسى، فلم تأت واحدة من نسائه، إلا واحدة جاءت بشق غلام". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دَرَكًا له في حاجته". وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف واستثنى، إن شاء رجع، وإن شاء ترك غير حانث".



من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها:



عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه".



النهى عن الإصرار على اليمين:



قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. (البقرة: 224).



قال ابن عباس: لا تجعلنّ عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفّر عن يمينك واصنع الخير.



وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والله لأن يلجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطى كفارته التي فرض الله". متفق عليه



(يلج): من اللجاج وهو أن يتمادى في الأمر ولو تبين له خطؤه



وأصل اللجاج في اللغة هو الإصرار على الشيء مطلقًا.



قال النووي: ومعنى الحديث أن من حلف يمينًا يتعلق بأهله بحيث يتضررون بعدم حنثه فيه فينبغي أن يحنث فيفعل ذلك الشيء ويكفر عن يمينه، فإن قال: لا أحنث بل أتورع عن ارتكاب الحنث خشية الإثم فهو مخطىء بهذا القول، بل استمراره على عدم الحنث وإقامة الضرر لأهله أكثر إثمًا من الحنث، ولا بد من تنزيله على ما إذا كان الحنث لا معصية فيه.



كفارة اليمين:



من حنث في يمينه فكفارته إحدى هذه الخصال:



1 - إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم.



2 - أو كسوتهم.



3 - أو تحرير رقبة.



فمن عجز عن هذه الخصال فكفارته صيام ثلاثة أيام، ولا يجوز التكفير بالصوم مع القدرة على إحدى الخصال الثلاث السابقة.



قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}. (المائدة: 89).



الحلف بالحرام:



ومن قال: طعامي علىّ حرام، أو دخول دار فلان علىّ حرام، ونحو ذلك، لم يحرم، وعليه إن فعل كفارة يمين: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}. (التحريم: 1، 2).



عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل: له أكلت مغافير؟



إني أجد منك ريح مغافير. قال: لا, ولكنى كنت أشرب عسلا عند زينب ابنة جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا". (خ).



وعن ابن عباس قال في الحرام يكَفّر: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"]. انتهى من الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز




  أضف تعليق  أرسل لصديق   نسخة للطباعة