دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري. ح125
التاريخ: 2019-03-15 19:50:15

دراسة متأملة في صحيح الإمام البخاري

المجلس رقم: (125)

شرح وقراءة وتعليق

فضيلة الشيخ: فؤاد بن يوسف أبو سعيد حفظه الله تعالى

أهل السنة- 7/ 7/ 1440هـ، وفق: 14/ 3/ 2019م

كتاب رقم: (8): كتاب الصلاة

الباب رقم: (31): باب التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ».

(بابُ التَّوَجُّهِ) في صلاة الفرض (نَحْوَ الْقِبْلَةِ)، أي: إلى جهتها (حَيْثُ كَانَ)، أي: وُجِد المصلِّي في سفرٍ أو حضرٍ.

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه من جملة حديث المسيء صلاته (خ: 6251): (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: "اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ") حيث كنت ("وَكَبِّرْ") بكسر الباء الـمُوحَّدة فيهما على الأمر، «وكبِّر» بالواو...

وأورد فيه ثلاثة أحاديث؛

الحديث الأول رقم: (399) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ -أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ- شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ -وَهُمُ الْيَهُودُ-: {مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: (هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ. فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ). (1/ 414)

الشرح:

... (عن البراء بن عازب) رضي الله عنهما ... (قال): (كان رسول الله) ... (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحو)، أي: جهة (بيت المقدس) بالمدينة (ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشَرَ شهرًا) من الهجرة، وكان ذلك بأمر الله تعالى له...، ويجمع بينه وبين حديث ابن عباس عند أحمد من وجه آخر؛ "أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلّي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبةُ بين يديه"، بحمل الأمر في المدينة على الاستمرار باستقبال بيت المقدس.

وفي حديث الطبري من طريق ابن جريج قال: "أوّل ما صلّى إلى الكعبة، ثم صُرف إلى بيت المقدس، وهو بمكة فصلّى ثلاث حِجَجٍ، ثم هاجر فصلّى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجّهه الله تعالى إلى الكعبة".

(وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحبُّ أن يُوَجَّهَ) بضم أوّله وفتح الجيم مبنيًّا للمفعول؛ أي: يؤمر بالتوجّه (إلى الكعبة)، وفي حديث ابن عباس عند الطبري: وكان يدعو وينظر إلى السماء، (فأنزل الله عز وجل: {قد نرى تقلّب وجهك في السماء}. (البقرة: 144)، تردُّدَ وجهِك في جهة السماء تطلُّعًا للوحي، وكان عليه الصلاة والسلام يقع في رُوعه، ([1]) ويتوقَّع من ربِّه أن يحوّله إلى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وذلك يدلّ على كمال أدبِه =عليه الصلاة والسلام= حيث انتظر ولم يسأل، قاله البيضاوي.

(فتوجّه) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد نزول الآية (نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ما ولاهم)، أي: ما صرفهم {عن قبلتهم التي كانوا عليها}؛ يعني بيت المقدس، والقبلة في الأصل الحال التي عليها الإنسان من الاستقبال، فصارت عُرفًا للمكان المتوجّه إليه للصلاة.

{قل لله الشرق والمغرب}. (البقرة: 142)، لا يختصّ به مكان دون مكان، بخاصَّة ذاتيَّة تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان.

{يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}. (البقرة: 142)، وهو ما ترتضيه الحكمة، وتقتضيه المصلحة من التوجّه إلى بيت المقدس تارة، وإلى الكعبة أخرى.

(فصلّى) الظهر (مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل) اسمه عبَّادُ بن بشر، كما قاله ابن بشكوال، أو هو عبَّاد بن نَهِيك بفتح النون وكسر الهاء، (ثم خرج)، أي: الرجلُ (بعدما صلّى)؛ أي: بعد صلاته، أو بعد الذي صلّى، ... (فمرّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو)؛ أي: جهة (بيت المقدس)... أي: يصلّون نحو بيت المقدس.

(فقال) الرجل: (هو يشهد أنه صلّى مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه) عليه الصلاة والسلام (توجّه نحو الكعبة) ... (فتحرّف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة).

وعنى بقوله: "هو يشهد" نفسَه؛ على طريق التجريد؛ بأن جرَّدَ من نفسه شخصًا، أو على طريق الالتفات، أو نقل الراوي كلامه بالمعنى.

وعند ابن سعد في الطبقات؛ "أنه عليه الصلاة والسلام صلّى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أُمِر أن يتوجّه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه ودار معه المسلمون".

ويقال: "إنه عليه الصلاة والسلام زار أُم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر فصلّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأصحابه ركعتين، ثم أُمِر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب فسمي مسجد القبلتين".

قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا، ولا تنافي بين قوله هنا: صلاة العصر، وبين ثبوت الرواية عن ابن عمر في الصبح بقباء، المروي عند الشيخين والنسائي؛ لأن العصر ليوم التوجّه بالمدينة، والصبح لأهل قباء في اليوم الثاني؛ لأنهم خارجون عن المدينة من سوادها.

واستنبط من حديث الباب:

1- نسخ استقبال بيت المقدس، وفرض استقبال المسجد الحرام عند الصلاة.

2- قبول خبر الواحد.

3- وجواز النسخ، وأنه لا يثبت في حقّ المكلّف حتى يبلغه.

رواة الحديث:

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ).

1- (عبد الله بن رجاء) بتخفيف الجيم؛ الغُدّاني بضم الغين المعجمة، ابن عمر، أبو عمر، ويقال: أبو عمرو، البصرى، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين، توفي (220هـ)، وقيل: قبلها، روى له (خ خد س ق).

2- (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق؛ عمرو بن عبد الله الكوفي، السبيعى الهمدانى، أبو يوسف من الطبقة (7) من كبار أتباع التابعين، توفي (160هـ)، وقيل: بعدها، روى له (ع).

3- (أبو إسحاق)؛ عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي جدّ إسرائيل، من الطبقة (3) من الوسطى من التابعين، توفي (129هـ)، وقيل: قبل ذلك بـالكوفة، روى له (ع).

4- (البراء بن عازب) رضي الله عنهما.

لطائف الإسناد:

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ).

ورواته ما بين بصري وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة.

الحديث الثاني برقم: (400) حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ. فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ)...

الشرح: (1/415)

(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه (قال):

(كان رسول الله) ... (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلّي) النفلَ (على راحلته)؛ ناقته التي تصلح لأن ترحل، (حيث توجَّهت) به، أي: الراحلة، ... والمراد توجه صاحب الراحلة؛ لأنها تابعة لقصد توجّهه.

وفي حديث ابن عمر عند مسلم وأبي داود والنسائي: "رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلّي على حمار وهو متوجّه لخيبر".

وعند أبي داود والترمذي وقال: حسن صحيح من حديث جابر: "بعثني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حاجة، فجئت وهو يصلّي على راحلته نحو المشرق؛ السجود أخفض".

(فإذا أراد) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصلّي (الفريضة نزل) عن راحلته، (فاستقبل القبلة) وصلّى.

فوائد وأحكام:

وهذا يدلّ على عدمِ تركِ استقبال القبلةِ في الفريضة، وهو إجماع.

نعم رُخِّص في شِدة الخوف، كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى.

رواة الحديث:

(حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ).

1- (مسلم) بن إبراهيم الأزدى الفراهيدى، أبو عمرو البصرى، (وفراهيد من الأزد)، من الطبقة (9) من صغار أتباع التابعين توفي (222هـ)، بـالبصرة روى له (ع). 

2- (هشام) ابن أبى عبد الله؛ سَنْبَر الدستوائى، أبو بكر البصرى، الربعى وقيل: الجحدري، ولد (76هـ)، تقريبا، من الطبقة (7) من كبار أتباع التابعين توفي (154هـ)، روى له (ع).

3- (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة، الطائى، أبو نصر اليمامي (اسم أبى كثير صالح بن المتوكل، وقيل: يسار، وقيل: غير ذلك)، من الطبقة (5) من صغار التابعين توفي (132هـ)، وقيل: قبل ذلك، روى له (ع).

4- (محمد بن عبد الرحمن) بن ثوبان العامري المدني، القرشى العامرى أبو عبد الله، من الطبقة (3) من الوسطى من التابعين روى له (ع).

5- (جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله عنه.

لطائف الإسناد:

(حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ).

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري ويمامي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة، وفيه تابعيان، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان العامري المدني، وليس له في البخاري عن جابر غير هذا الحديث...

الحديث الثالث برقم: (401) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: (صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لاَ أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ- (فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَىْءٌ؟) قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟" قَالُوا: (صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا). فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ. فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَىْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».

الشرح:

(قال عبد الله) بن مسعود (صلّى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، الظهر أو العصر، (قال إبراهيم) النخعي: (لا أدري زاد) النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاته، ...: أزاد بالهمزة (أو نقص، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث) بهمزة الاستفهام وفتح الحاء والدال؛ أي: أوقع (في الصلاة شيء) من الوحي يوجب تغييرها بزيادة أو نقص؟

(قال) عليه الصلاة والسلام: ("وَمَا ذَاكَ؟!") سؤال مَن لم يشعر بما وقع منه.

(قالوا: صلّيت كذا وكذا) كناية عمّا وقع، إما زائد على المعهود أو ناقص عنه.

(فثنى) عليه الصلاة والسلام بتخفيف النون؛ أي عطف (رجله) بالأفراد، بأن جلس كهيئة قعود المتشهد...

(واستقبل القبلة، وسجد سجدتين ثم سلم،) لم يكن سجوده عليه الصلاة والسلام عملاً بقولهم؛ لأن المصلّي لا يرجع إلى قول غيره، بل لما سألهم بقوله: وما ذاك؟! تذكر فسجد.

أو أنَّ قول السَّائل: (أَحَدَثَ شيءٌ؟) أَحْدَثَ شكًّا، فسجد لحصول الشَّكِّ الَّذي طرأ له، لا لـمُجرَّد إخبارهم، (فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ)، أي: لأخبرتكم (به)، أي: بالحدوث، وحُذِف لدلالة قوله: "لو حدث في الصلاة"، واللام في لنبَّأتكم لام الجواب، ومفعوله الأول ضمير المخاطبين، والثاني "به"، والثالث محذوف.

وفيه: أنه كان يجب عليه تبليغ الأحكام إلى الأمة، (ولكن إنما أنا بشر مثلكم)؛ أي: بالنسبة إلى الاطّلاع على بواطن المخاطبين، لا بالنسبة إلى كل شيء؛ (أنسى كما تنسون) بهمزة مفتوحة وسين مخفّفة.

قال الزركشي: ومن قيَّده بضم أوّله وتشديد ثالثه لم يناسب التشبيه.

(فإذا نسيتُ فذكروني) في الصلاة بالتسبيح ونحوه، (وإذا شكّ أحدكم)؛ بأن استوى عنده طرفا العلم والجهل (في صلاته؛ فليتحرّ الصواب)؛ أي: فليجتهد.

وعن الشافعي فليقصد الصواب؛ أي: فليأخذ باليقين، وهو البناء على الأقل.

وقال أبو حنيفة: معناه البناء على غالب الظن. ولا يلزم بالاقتصار على الأقل، ولمسلم: "فلينظر أقرب ذلك إلى الصواب"، (فليتمّ) بناءً (عليه، ثم يسلم) وجوبًا، (ثم يسجد) للسهو؛ أي: ندبًا (سجدتين) لا واحدة كالتلاوة.

وعبّر بلفظ الخبر في هذين الفعلين، وبلفظ الأمر في السابقين وهما: "فليتحرّ" و"ليتمّ"؛ لأنهما كانا ثابتين يومئذ بخلاف التحرّي والإتمام، فإنهما ثبتا بهذا الأمر، ... وهو محمول على الندب، وعليه الإجماع في المسألتين.

ودلالةُ الحديث على الترجمة من (1/416) قوله: "فثنى رجليه واستقبل القبلة".

واستنبط منه:

1- جواز النسخ عند الصحابة، وأنهم كانوا يتوقعونه.

2- وعلى جواز وقوع السهوِ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال، وعليه عامّة العلماء والنظّار كما قاله الشيخ تقي الدين.

3- [فِيهِ جَوَاز النسْيَان فِي الْأَفْعَال على الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَاتَّفَقُوا على أَنهم لَا يقرونَ عَلَيْهِ بل يعلمهُمْ الله تعالى بِهِ.

س) مَا الْفرق بَين السَّهْو وَالنِّسْيَان؟ قيل: النسْيَان غَفلَة الْقلب عَن الشَّيْء، والسهو غَفلَة الشَّيْء عَن الْقلب.

4- وَمِنْهَا: أَن بَعضهم احْتج بِهِ على أَن كَلَام النَّاسِي لَا يبطل الصَّلَاة.

5- أن فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو سَجْدَتَانِ، وَهُوَ قَول عَامَّة الْفُقَهَاء.

6- أَن فِيهِ دَلِيلا على أَن سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام، ويجوز أن يسجد للسهو قبل السلام لما ثبت؛ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمُ الظَّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ؛ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ». (خ) (829)

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ فَلْيَجْعَلْهُمَا وَاحِدَةً، وَإِذَا شَكَّ فِي الِاثْنَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَلْيَجْعَلْهُمَا اثْنَتَيْنِ، وَلْيَسْجُدْ فِي ذَلِكَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ"، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَلْيُعِدْ". (ت) (396)

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ". (م) 88- (571)

7- أَن فِيهِ الرُّجُوع إِلَى الْمَأْمُومين، إذا نبَّهوا الإمام فانتبه وتذكّر، وإلاّ بقي على ما يعتقد.

8- أَن فِيهِ دلَالَة على أَن الْبَيَان لَا يُؤَخر عَن وَقت الْحَاجة لقَوْله: (لَو حدث فِي الصَّلَاة شَيْء لنبأتكم بِهِ) .

9- أَن فِيهِ حجَّة لأبي حنيفَة وَلغيره من أهل الْكُوفَة على أَن: من شكّ فِي صلَاته فِي عدد ركعاتها تحرى لقَوْله: (فليتحر الصَّوَاب)، وَيَبْنِي على غَالب ظَنّه وَلَا يلْزمه الِاقْتِصَار على الْأَقَل.

10- وَمِنْهَا: أَن فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو يتداخل وَلَا يَتَعَدَّد بِتَعَدُّد أَسبَابه، فَإِن النَّبِي تكلم بعد أَن سَهَا، وَاكْتفى فِيهِ بسجدتين، وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء.

11- أَن فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو فِي آخر الصَّلَاة: لِأَنَّهُ لم يَفْعَله إلاَّ كَذَلِك]. بتصرف من (عمدة القاري) (4/ 139- 142).

رواة الحديث:

(حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ).

1- (عثمان) بن أبي شيبة، هو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسى، أبو الحسن بن أبى شيبة الكوفى، ولد (156هـ)، من الطبقة (10) كبار الآخذين عن تبع الأتباع، توفي (239هـ)، روى له (خ م د س ق).

2- (جرير) هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبى، أبو عبد الله الرازى الكوفى القاضي، من الطبقة (8) من الوسطى من أتباع التابعين توفي (188هـ)، روى له (ع).

3- (منصور) هو ابن المعتمر، بن عبد الله بن ربيعة، أبو عتاب، الكوفى، من الطبقة (5) من صغار التابعين توفي (132هـ)، روى له (ع).

4- (إبراهيم) بن يزيد النخعي، أبو عمران الكوفى، (فقيه أهل الكوفة، أمُّه مليكة بنت يزيد أخت الأسود)، ولد (46هـ)، تقريبا، من الطبقة (5) من صغار التابعين، توفي (96هـ)، روى له (ع).

5- (علقمة) بن قيس النخعي، أبو شبل الكوفى (عم الأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد، وخال إبراهيم النخعى)، من الطبقة (2) من كبار التابعين، توفي بعد (60هـ)، وقيل: بعد (70 هـ) بـالكوفة، روى له (ع).

6- (عبد الله) بن مسعود.

لطائف الإسناد:

(حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ).

ورواته الستة كلهم كوفيون أئمة أجلاء، وإسناده من أصحّ الأسانيد، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وثلاثة من التابعين منصور وإبراهيم وعلقمة يروي بعضهم عن بعض...

ولما فرغ المؤلّف من حكم التوجّه إلى القبلة؛ شرع يذكر حكمَ مَن سها فصلّى إلى غير القبلة فقال: (32) باب مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ، وَمَنْ لاَ يَرَى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ.

هذا ما سنعلمه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

 


([1]) [في رُوعي؛ أَي فِي خَلَدي وَنَفْسِي ونحوِ ذَلِك، وَهَذَا بِالضَّمِّ، وأَما الرَّوْعُ بِالْفَتْح؛ فالفَزَعُ]. تصحيفات المحدثين (1/ 210).

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ / فؤاد بن يوسف أبوسعيد
http://www.alzafran.com/news.php?maa=View&id=2645