أعمالٌ صالحاتٌ لا تقبل وعباداتٌ وطاعات لا ترفع
التاريخ: 2019-01-05 21:42:44

أعمالٌ صالحاتٌ لا تقبل

وعباداتٌ وطاعات لا ترفع

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. (آل عمران: 102).

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. (النساء: 1).

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}. (الأحزاب: 70، 71).

أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

أعاذني الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين.

عباد الله؛ تأخر النصر وقلَّت الأرزاق وتكالبت علينا الأمم، والناس في مشارق الأرض ومغاربها من المسلمين؛ الغالب منهم يعيش في نكد وضيق، وهم وغم، وكلٌّ على قدْرِه قد تكالبت عليه مصائب، مع أن الأعمال الصاعدة إلى الله عز وجل كثيرة.

هناك صلواتٌ، وهناك صدقاتٌ، وهناك حج إلى بيت الله سبحانه وتعالى بالملايين في العام الواحد، وهناك عُمْراتٌ وطوافٌ حول البيت الحرام، وهناك أفعال خير موجودة، فما الذي أخَّر النصرَ، وكان سببًا في قلَّةِ الرزق؟

عباد الله؛ لو نظرنا إلى أنفسنا: هل الأعمالُ هذه التي ذكرناها ونقوم بها؛ كلُّها متقبَّلةٌ عند الله؟ نسأل الله ذلك، أم من أعمالنا أعمالٌ أخرى تمنع قبولها وتحبطها وتفسدها؟

ويا للأسف! الكثير في هذه الأمة من يحسن العبادة، ويخلص ويكثر من الأعمال الصالحات، ومع ذلك يأتي بما يبطلها ويفسدها، لذلك هذه المفسدات والمبطلات منها ما هو عامٌّ، عَمَلٌ واحدٌ يبطل جميعَ الأعمال الصالحة، وهناك عملٌ واحد يبطل عملا واحدا، وهذا ما سيدور عليه الحديث في هذه الخطبة.

إن الفرائضَ والسنن، والمستحباتِ والمندوباتِ، كلَّها باطلةٌ ولا تُقبل؛ إذا فقد شرطًا من الشروط أو فقدت ركنًا من الأركان، هذا في نفس العمل.

بينما هناك أعمال صالحة لا تُقبل، وعباداتٌ كثيرة لا ترفع لصاحبها إلى السماء، لأمر خارج عنها، لفعل آخرَ أبطل ثوابها، وعملٍ آخرَ أفسدها.

وهذا يذكرني بحال تلك المرأة التي كانت في مكَّة، تغزل غزلها، وتنسج نسيجها، وتصنع منه أحسنَ أنواع البسط، فإذا انتهت رجعت مرة أخرى فنقضت كلَّ شيء، وأرجعته إلى صوف وإلى غزل، وأنزل الله فيها هذه الآية، {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ...}. (النحل: 92)

وهذا حال من يُكِثر من الأعمال الصالحة ثمَّ يفسدُها.

ومن هذه الأفعال المبطلة للأعمال عامة والطاعات كلِّها؛ ما هو عامٌّ، كالشرك بالله والكفر به، والردة عن دين الله، والنفاقِ الاعتقادي، هذه لا تبقي عملا سابقا.

فقد قال رب العزة عن أمثال هؤلاء الكفار، مهما عملوا من أعمال حسنة قال: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}. (الفرقان: 23)، أي: لا فائدة فيه مهما كان هذا العمل يتضمّن خيراً للآخرين، أو غير ذلك.

والمشرك لا تقبل منه طاعة، فمحتوم له بالنار إن مات على ذلك، قال سبحانه: {... إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}. (المائدة: 72)، والمنافق؛ نفاق اعتقاد لا تُقبل منه عبادة، قال سبحانه: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. (هود: 15، 16)

والرِّدَّةُ لا تُبقي لصاحبه حسنة، إنسان مسلم ثم ارتدَّ عن دين الله بسبٍّ الدين، أو الشريعة أو الرب أو ما شابه ذلك، قال سبحانه: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}، أي: أنه ما تاب {فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. (البقرة: 217)

ومن الأعمال المبطلة للعبادات، ما هو خاصٌّ تُبطل بفعله عبادة معينة، ويفسد باقترافه فريضة خاصة.

فالعقوق؛ عقوق الوالدين، والمنُّ بالصدقات والعطايا، لا يفسد عملا واحدا فقط، بل يفسد أعمالا بالجملة، ومن كذَّب بقدر الله عز وجل لا تقبل أعمالهم جملةً: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("ثَلَاثةٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ لَهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا: عَاقٌّ، وَمَنَّانٌ، وَمُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ"). ([1])

عاقٌّ لا يسمع ولا يطيع لوالديه، فكيف بمن يقول لهما: أف أو ينهرهما؟!

منَّانٌ يفعل الخير مع الناس ثم يذكرهم بخيره ويمنُّ عليهم بفعله، أنا فعلت معك كذا وكذا.

مكذِّب بالقدر يقول: لا قدر، الله ما قدر علينا هذه الأشياء، هذا مكذب به، وهذا حال الأمة اليوم نسأل الله السلامة، حالها في انحطاطا، في تكالب الأعداء علينا في هموم كثيرة.

مثل هذه الأعمال الصالحات الكثيرة يبطلها بأعمال نستطيع أن نتخلّص منها، أو نتجنبها.

وأيضا بعض الناس يتقصّدُ بعضَ الأماكنِ المقدسة للمسلمين، فيثير فيها الشغب، وينشر فيها البدع، ويظلم أهلها إن استطاع، كما ورد في حق  المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، إن من أفسد في المدينة المنورة، وأشاع فيها البدع، أو روَّع أهلها، أو ظلمهم، ولو عمل ما عمل من الطاعات والنوافل والفرائض، فلا يقبل منه حتى يتوب إلى الله توبة نصوحا، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَهْوَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ)، =أي: أشار إليها= وَقَالَ: (الْمَدِينَةُ حَرَمٌ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا") -أَيْ: مَنْ أَتَى فِيهَا إِثْمًا، أَوْ آوَى مَنْ أَتَاهُ، وَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَحَمَاهُ. ([2])، (فَمَنْ أَحْدَثَ؛ أَيْ: أَظْهَرَ وأشاع، (حَدَثًا)، أَيْ: مُخَالِفًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم كَمَنْ اِبْتَدَعَ بِهَا بِدْعَة. ([3])

=هذا ما جزاؤه؟= ("فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ")، ("لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا"). ([4])، (الصَّرْف): الْفَرِيضَة، وَ(الْعَدْل): النَّافِلَة. ([5]) =السنة والتطوع فلا يقبل الله منه هذا.=

كذلك انتشر في هذا الزمان بين الناس وبين المسلمين، وعبر الفضائيات انتشر سبُّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم، وزراؤه ومعينوه، اختارهم الله الصفوة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وتجد من هذه الأمة من يسبُّهم رضي الله عنهم.

إنّ سابَّ أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أعماله غير متقبّلة وطاعاته عير مرفوعة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (يَا رَسُولَ اللهِ! إَنَّا نُسَبُّ)، =أي: في عهده بعض الناس يسبونهم=، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا"). ([6])

واعلموا عباد الله! أن أعمالَنا جميعًا تعرض على الله عز وجل، فكلُّ أسبوع تُعرض أعمالنا على الله سبحانه، وخصوصا يوم الخميس، وأحيانا تعرض الاثنين والخميس، وهذه الأعمال عندما تعرض على الله منها ما يقبل، ومنها ما يرد، فإذا عُرِضت أعمال قاطع الرحم فلا تقبل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ"). ([7])

لماذا قال إنّ قطيعة الرحم ترد الأعمال ولا تعرض ولا ترفع؟

لقوله صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ هَذِهِ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ، فَمَنْ قَطَعَهَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"). ([8])

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ"). ([9])

وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ"). ([10])

أخي في دين الله؛ لا تؤخر ولا تؤجل أو تكون سببا أنت في تأخير المغفرة عنك، فالله يغفر لعباده فلا تكن سببا في تأخير هذه المغفرة، وسبب التأخير؛ المخاصمة بين المسلمين، والهجرانُ سببٌ في إرجاء وتأخير المغفرة، وقبول الأعمال الصالحة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ("تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ")، وفي رواية: "تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ" ("يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا"). ([11])

هذه بعض الأعمال التي تمنع من قبول الطاعات، كالشرك والكفر والنفاق والردة، وعقوق الوالدين والمنِّ بالعطية، والتكذيب بالقدر، والحدث بالمدينة، وسب الصحابة، وقطيعة الرحم، وهجران المسلم؛ تمنع قبول العبادات، ولا ترفع بسببها الأعمال الصالحات عموما.

وهناك مبطلات لأعمال خاصة، نفس العمل يبطل عملا واحدا، ومانعات من قبول عبادات معينة، منها فالصلاة لا تقبل إذا فعل المصلي ما يبطلها، كمن فقد شرطا من شروط صحة الصلاة، فذلك يبطلها، ويجعلها غير مقبولة عند الله، فالوضوء شرط يبطل الصلاة تركه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَث حَتَّى يَتَوَضَّأَ"). ([12])

وَكذلك المرأة التي ظهر شعرها في الصلاة فالله لا يقبل تلك الصلاة، لأنه من شروط صحة صلاة المرأة؛ أن تستر شعرها وجسمها، فلو ظهر شيء من شعرها ولم تستره مباشرة بطلت صلاتها، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ"). ([13])، (الخِمَار): مَا يُغَطَّى بِهِ رَأسُ الْمَرْأَةِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْخِمَارُ بِالْكَسْرِ النَّصِيفُ. ([14])

والمقصود بالحائض هنا؛ التي بلغت سن المحيض.

وكذلك أركان الصلاة؛ إن قصر فيها الإنسان، وما أكثر من يقصر في أركان الصلاة! إن الذي  يفقِد ركنا من أركان الصلاة فقد أبطلها، فمن لا يطمئن في صلاته لا تقبل، عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ الْحَنَفِيِّ رضي الله عنه قَالَ: (خَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ، فَلَمَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمُؤْخِرِ عَيْنِهِ رَجُلًا لَا يُقِيمُ صَلَاتَهُ -يَعْنِي صُلْبَهُ- فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلَاةَ)، قَالَ: ("يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ"). ([15])، (صُلْبَهُ)، أَيْ: ظَهْرَهُ، أَيْ: لَا تَجُوزُ صَلَاةُ مَنْ لَا يُسَوِّي ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْمُرَادُ: الطُّمَأنِينَةُ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الطُّمَأنِينَةِ فِي الْأَرْكَانِ. ([16])

الصلاةُ الأوتوماتيك ما تنفع، الصلاة التلقائية ما تنفع، لا بد من الاطمئنان فيها، وإقامة الصلب في الركوع والسجود.

فلا تقبل صلاةُ من لا يتمُّ أيَّ ركن من الأركان، فلو صلى إنسان عشرات السنين، أو العمر كلَّه، ولم يتم أركانها فلا تقبل له صلاة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ لَهُ صَلَاةً، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ، وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ، وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ"). ([17]ستين سنة يصلي وكأنه ما صلى! وربما عمره كله نسأل الله السلامة.

لذلك عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَا يَنْظُرُ اللهُ عز وجل إِلَى صَلَاةِ رَجُلٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ"). ([18])، إقامة الصلب والاعتدال التام بعض الناس يختصرها مباشرة يا عباد الله.

وَفي رواية عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ"). ([19])

وَثبت عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: (صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ جَلَسَ فِي طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقَامَ يُصَلِّي، فَجَعَلَ يَرْكَعُ وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("أَتَرَوْنَ هَذَا؟! مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا، مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، يَنْقُرُ صَلَاتَهُ كَمَا يَنْقُرُ الْغُرَابُ الدَّمَ")، ("فَإِنَّ مَثَلَ الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، مَثَلُ الْجَائِعِ الَّذِي لَا يَأكُلُ إِلَّا التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَيْنِ، لَا تُغْنِيَانِ عَنْهُ شَيْئًا")، ("فَأَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ، وَأَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ"). ([20])

-(أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ)، أَيْ: أَكْمِلُوا، =الوضوء ولا تجعلوا فيه نقصا ينقص عن الفرض، أي: فرض غسل العضو،= وَكَأَنَّهُ رَأَى مِنْهُمْ تَقْصِيرًا، وَخَشِيَ عَلَيْهِمْ. ([21])

(الْعَقِب): مُؤَخَّر الْقَدَم. =فكثير من الناس يهتم بمقدم قدمه وينسى المؤخر، أو يتغافل عنه فتكون صلاته ووضوؤه كله باطل نسأل الله السلامة،= قَالَ الْبَغَوِيُّ: مَعْنَاهُ وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا.-

فأتموا الشروط والأركان حتى تقبل الصلاة منا جميعا.

وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: (رَأَى حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رضي الله عنه رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، دَعَاهُ حُذَيْفَةُ فَقَالَ لَهُ: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ؟!) قَالَ: (مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا)، فَقَالَ: (مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَوْ مِتَّ وَأَنْتَ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَمِتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) ثُمَّ أَقْبَلَ حُذَيْفَةُ عَلَيْهِ يُعَلِّمُهُ، فَقَالَ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُخَفِّفُ فِي صَلَاتِهِ، وَإِنَّهُ لَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ). ([22])، فالتخفيف في الصلاة لا يبطلها، التخفيف في الصلاة لا يمنع من رفعها إلى السماء وقبولها، الذي يبطلها هو عدم إتمام الركوع والسجود، وعدم إتمام الأركان، وإلا فلو صلى أربعين سنة أو العمر كله دون إتمام الشروط والأركان لن تقبل منه.

إن مثل هذه الأفعال في هذه الصلوات تعتبر سرقة؛ بل إنها من أقبح السرقات، فـعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: (ذُكِرَتْ السَّرِقَةُ عِنْد رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ("أَيُّ السَّرِقَةِ تَعُدُّونَ أَقْبَحُ؟!")، فَقَالُوا: (الرَّجُلُ يَسْرِقُ مِنْ أَخِيهِ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ أَقْبَحَ السَّرِقَةِ؛ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ")، قَالُوا: (كَيْفَ يَسْرِقُ أَحَدُنَا صَلَاتَهُ؟!) قَالَ: ("لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا، وَلَا سُجُودَهَا، وَلَا خُشُوعَهَا"). ([23])، وفي رواية: ("لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ"). ([24])

فعدم إتمام الأركان من الركوع والسجود، يعتبر سرقة في الصلاة، والسرقة في الصلاة تبطلها ولا ترفعها. وهي أقبح السرقات.

وممن لا تقبل أعمالهم ولا ترفع طاعاتهم، أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ مِنَ الْكَبَائِر: عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِيِّ قَالَ: (أَمَّ جُنَادَةُ الْأَزْدِيُّ رضي الله عنه قَوْمًا)، =أي وقف بهم إماما= (فَلَمَّا قَامَ إِلَى الصَلَاةِ الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ)، فَقَالَ: (أَتَرْضَوْنَ؟!) =يعني أترضون بإمامتي= قَالُوا: (نَعَمْ!) (ثُمَّ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ يَسَارِهِ)، ثُمّ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ("مَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تُجَاوِزُ تَرْقُوَتَهُ"). ([25])

-(له كارهون)؛ أَيْ: كَارِهُونَ لَهُ لِأَمْرٍ مَذْمُومٍ فِي الشَّرْعِ =والدين=، وَإِنْ كَرِهُوا لِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ، قَالَ اِبْنُ الْمَلِكِ: كَارِهُونَ لِبِدْعَتِهِ، أَوْ فِسْقِهِ، أَوْ جَهْلِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كَرَاهَةُ عَدَاوَةٍ بِسَبَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَلَا يَكُونُ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ. ([26])

(تَرْقُوَتِهِ): هِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثَغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِق. ([27])-

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله =تعالى= عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ")، ("وَلَا تَرْتَفِعُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ شِبْرًا"): -أَيْ: لَا تُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ،... وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ... ([28])-

("الْعَبْدُ الْآبِقُ")، -أَيْ: الهارب من سيده- ("حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ"). ([29])

وفي رواية: ("وَامْرَأَةٌ عَصَتْ زَوْجَهَا حَتَّى تَرْجِعَ")، -هَذَا إِذَا كَانَ السَّخَطُ =عليها من زوجها= لِسُوءِ خُلُقِهَا، أَوْ سُوءِ أَدَبِهَا، أَوْ قِلَّةِ طَاعَتِهَا، أَمَّا إِنْ كَانَ سَخَطُ زَوْجِهَا =عليها= مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهَا. ([30])-

("وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ"). ([31])

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الآخرة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

أيضا أعمال أجرها عظيم عند الله عز وجل، لكن يا للأسف يبطلها شيء قلبي، فالجهاد المجاهد باطل عمله إن لم يكن فيه إخلاص، فـعمل المجاهد يبطلُه عدمُ الإخلاص، ومردود عليه عمله، وهذا ما ثبت: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَالَهُ؟!) =غزا جاهد في سبيل الله، يلتمس نيته يريد الأجر الراتب أو من الغنائم يريد دنيا، والذكر ليقال عنه أنه مجاهد أو ما شابه ذلك، ما له؟= فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَا شَيْءَ لَهُ")، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَا شَيْءَ لَهُ")، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ"). ([32])

أيضا هناك صدقاتٌ وتطوعات، وأموال تنفق لكنها غير مقبولة؛ لأنّ صاحبها أبطلها بالمنِّ والأذى، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} =حجر أملس= {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}. (البقرة: 264).

وكذلك الصدقةُ أيضا من المال الحرام، الصدقة من الربا، الصدقة في التجارة المحرمة في الأفيون والحشيش، والترمال والمخدرات، والدخان وما شابه ذلك، يتصدق منها، صدقته غير مقبولة، مردودة على صاحبها، الصدقة من مهر البغي، الزانية تزني وتجمع الأموال وتتصدق، فيا ليتها لم تزنِ، ويا ليتها لم تتصدق، كل هذه الأعمال باطلة مردودة على صاحبها=، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: (دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) =بن الخطاب= (رضي الله عنهما عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ)، =وعبد الله بن عامر والٍ وأميرٌ مسئول، والأمير لا يخلو من إدخال أموال غير حلال عليه،= (فَقَالَ: أَلَا تَدْعُو اللهَ لِي يَا ابْنَ عُمَرَ؟!) =الأمير يقول لعبد الله، فماذا كان جواب عبد الله!= قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ("لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ")، وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ. ([33])

-مَعْنَاهُ أَنَّك لَسْت بِسَالِمٍ مِنْ الْغُلُول، فَقَدْ كُنْت وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَة، وَتَعَلَّقَتْ بِك تَبِعَات مِنْ حُقُوق الله تَعَالَى وَحُقُوق الْعِبَاد، وَلَا يُقْبَل الدُّعَاء لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، كَمَا لَا تُقْبَل الصَّلَاة وَالصَّدَقَة إِلَّا مِنْ مُتَصَوِّن، =أي يصون نفسه عن الحرام= وَالظَّاهِر -وَالله أَعْلَم-؛ أَنَّ اِبْن عُمَر قَصَدَ زَجْرَ ابْنَ عَامِرٍ =وهو لا يتهمه إن شفاه الله ألا يعود للظلم مرة أخرى= وَحَثَّه عَلَى التَّوْبَة، وَتَحْرِيضَه عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْ الْمُخَالَفَات، وَلَمْ يُرِدْ الْقَطْع حَقِيقَة بِأَنَّ الدُّعَاء لِلْفُسَّاقِ لَا يَنْفَع، فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَالسَّلَف وَالْخَلَف يَدْعُو لِلْكُفَّارِ وَأَصْحَاب الْمَعَاصِي بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْبَة. وَالله أَعْلَم. ([34])-

كذلك نفاق العمل يبطل الأعمال، يبطل نفس العمل، إذا نافقت في عمل معين أبطلت هذا العمل، والنفاق يبطل النفقات: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ* وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ}. (التوبة: 53، 54)

والرياء أيضا مبطل للعمل، ومبطل للأعمال الصالحة، كل عمل فيه رياء فهو باطل، نسأل الله السلامة، العمل الصحيح يجب أن يكون لله لا للناس ولا للرياء ولا للسمعة، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ")، فَقَالُوا: (يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟!) قَالَ: ("الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!"). ([35])

هذه بعض الأعمال المبطلة للطاعات والمانعة من قبول العبادات، منها عدم إتمام الركوع والسجود في الصلوات أو قصر في شرط من الشروط والأركان، أو سرق في صلاته، أو أمَّ قوما وهم له كارهون، وعصيان المرأة لزوجها، وكذلك الجهاد رياء وسمعة، ومطلبا من مطالب الدنيا، أو يجاهد ليقال عنه مجاهد للذكر والمن والأذى والتصدق بالمال الحرام، وأيضا نفاق العمل والرياء، هذه الأعمال كلها أعمال تبطل الأعمال الصالحة والطيبة، لذلك؛ فلنحذر إخواني من مبطلات الطاعات، ومانعات قبول الأعمال الصالحات، حتى لا نكون من الخاسرين، الذين قال سبحانه وتعالى عنهم: {... إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}. (الزمر: 15)

ولنتبع هدي من أُمِرنا باتباعه وطاعته، وأُمِرنا بالصلاة والسلام عليه فقال جل جلاله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. (الأحزاب: 56)

اللهم صلى محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم لا تجعلنا ممن قلت فيهم: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}. (الفرقان: 23)، واجعلنا اللهم مما قلت فيهم: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا}. (الفرقان: 24)

اللهم اجعلنا فيمن قلت فيهم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}. (الأحقاف: 16)، {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. (النور: 38)

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

اللهم وحد صفوفنا، اللهم ألف بين قلوبنا، وأزل الغل والحقد والحسد والبغضاء من صدورنا، وانصرنا على عدوك وعدونا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا غائبا إلا رددته إلى أهله سالما غانما يا رب العالمين.

{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}. (العنكبوت: 45)

خطبها وجمعها من مظانها

أبو المنذر/ فؤاد بن يوسف أبو سعيد. رزقنا الله وإياه والمسلمين أجمعين أعمالا صالحة مقبولة مرفوعة.

مسجد الزعفران- المغازي- الوسطى- غزة- فلسطين حرسها الله.

28ربيع الآخر 1440هـ،

وفق: 4/ 1/ 2019ميلادية.



([1]) (طب) (7547)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (3065)، والصحيحة: (1785).

([2]) النووي (5/ 31).

([3]) عون المعبود (4/ 418).

([4]) (م) 469- (1371)، 479- (1375) (حم) (10816).

([5]) (النووي: 5/ 31).

([6]) (طب) (12709)، ابن حنبل في فضائل الصحابة (ج1 ص53 ح8)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (6285)، الصَّحِيحَة: (2340).

([7]) (حم) (10277)، (خد) (61)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (2538)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن.

([8]) (حم) (1651)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (2532)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.

([9]) (م) 17- (2555).

([10]) (م) 19- (2556).

([11]) (م) 35، 36- (2565).

([12]) (خ) (6554)، (م) (225).

([13]) (د) (641)، (ت) (377)، (جة) (655)، (حم) (25208)، وصححه الألباني في الإرواء: (196).

([14]) تحفة الأحوذي (1/ 406).

([15]) (جة) (871)، (حم) (16340)، (ش) (2957)، (خز) (593)، انظر صفة الصلاة، (ص: 131).

([16])تحفة الأحوذي (1/ 297).

([17]) ابن عدي في (الكامل) (7/ 256)، الأصبهاني في (الترغيب) (ق 236/ 2)، (ش موقوفا) (2963)، انظر الصَّحِيحَة: (2535)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (529).

([18]) (حم) (10812)، (16326)، (طب) (ج8 ص338 ح8261)، انظر الصَّحِيحَة: (2536)، وصَحِيح التَّرْغِيبِ: (531)، وصفة الصلاة، ص: 138)، وقال الأرناؤوط: حسن.

([19]) (س) (1027)، (ت) (265)، (د) (855)، (جة) (870).

([20]) (خز) (655)، وقال الألباني: إسناده حسن، (يع) (7350)، (الآحاد والمثاني) (494)، (هق) (2406)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (649)، (5492)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (528)، صفة الصلاة، ص: (131).

([21]) فتح الباري.

([22]) (خ) (382)، (خ) (775)، (حم) (23306)، (حم) (23408)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. (س) (1312).

([23]) (هب) (3115)، (حم) (11549)، (خز) (663)، (حب) (1888)، صَحِيح الْجَامِع: (966)، (986)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (525)، (533)، صفة الصلاة، (ص: 131)، المشكاة: (885).

([24]) (حم): (22695)، انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ: (524)، وقال الأرناؤوط: حديث صحيح.

([25]) (طب) (2177)، انظر الصَّحِيحَة: (2325)، صَحِيح الْجَامِع: (6102).

([26]) تحفة الأحوذي (1/ 387).

([27]) النووي (9/ 227).

([28]) تحفة الأحوذي (1/ 389).

([29]) (جة) (971)، انظر المشكاة: (1128)، (خز) (1518)، انظر المشكاة: (1112)، (ت) (360)، صَحِيح الْجَامِع: (3057)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (487).

([30]) تحفة الأحوذي (1/ 387).

([31]) (جة) (971)، (ت) (359)، (ك) (7330)، (طس) (3628)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (136)، الصَّحِيحَة: (288)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (1888).

([32]) (س) (3140)، انظر صَحِيح وَالتَّرْهِيب: (1331).

([33]) (م) (224)، (ت) (1)، (س) (139)، (جة) (273).

([34]) شرح النووي (1/ 372).

([35]) (حم) (23686)، انظر الصَّحِيحَة: (951)، صَحِيح الْجَامِع: (1555).

 

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ / فؤاد بن يوسف أبوسعيد
http://www.alzafran.com/news.php?maa=View&id=2594